نواف سلام: الموقف زينة الرجال

النهار

لـم يكن سلام منذ مطلعه فـي الـحياة العامة مسكوناً بالتبسيط الفكري والـمسلمات النظرية، وإلاّ لكان قد تـحزّب وانـحاز إلـى الثقافة الفئوية التـي تؤجل الإبداع والتركيب إلـى موعدٍ مع التمرّد وأحياناً الارتداد والفوضى

لـم تغره طقوس الزعامة، ولـم تربكه استجابةً لأغراض مُوردين. لـم يـحسب لكل ذلك حساباً منقولاً عن غيره، قريباً كان أو بعيداً. لكل طرفٍ سرديته حول إتـمام تكليفه رئاسة الحكومة. لا أحد يستطيع أن ينكر أن الدوافع السابقة إلـى سدّة هذه الـمسؤولية كانت مع ترؤسه بلا جدوى. صعبٌ على كثيرين الاعتراف بأن الذي اعتُبر اختلالاً بوصوله إلـى رئاسة الـحكومة، شكّل نقطة البداية فـي استعادة التوازن على طريق عودة الدولة. تواصل النكران لـهذه الـحقائق طيلة العام الـمنصرم على ضفتـين، الأولـى هُزمت وابتلعت الـهزيـمة، إلـى أن وصلتها فرصة المحاولة على التوالـي من إيران وإسرائيل. والثانية أقعدها الانتظار الـمعطوف على الـحسد، عن التضامن الـحار مع تـجربة نواف سلام.

تـجاوز الاعتداء والترهيب لنواف سلام حدود الترهيب السياسي والشخصي بعدما تولّته إيران بالـمباشر وبلغ مبلغ الإهانة لفكرة الوطنية اللبنانية التـي تعرّضت للالتباس والتشكيك فـي مدايات “مـختلفة ومتضامنة”، أحياناً قومية ذميّة مرضية وأخرى طائفية ومذهبية، وماركسية لـم تقوَ يوماً على الاستلحاق.

لـم يدرك جـميع هؤلاء حتـى هذه اللحظة أن مقاييس الرأي العام اللبنانـي تغيّرت وأن دروب الاستنهاض الـمنقولة من القرن الـماضي انتهت مفاعيلها، ولا سيّما إذا ما تعلّق الأمر باستهداف القضية الوطنية اللبنانية ومن يعبّر عنها بصفاء ويدافع عنها بشجاعة.

الرئيس سلام بـما هو عليه الآن من تـمسّك وإصرار، ليس حقيقة شخصية بقدر ما هو حصّة لازمة لأمل اللبنانيين. (أدخلوا بيوت الناس واسألوهم، ولا سيّما عندما يستفيض الشتامون من رؤساء تـحرير وكتّاب ومعلّقين، وصولاً إلـى عصابات الدراجات النارية الـموصولة بـمطاط شفاف بدوائر الشرّ).
لـم يكن سلام منذ مطلعه فـي الـحياة العامة مسكوناً بالتبسيط الفكري والـمسلمات النظرية، وإلاّ لكان قد تـحزّب وانـحاز إلـى الثقافة الفئوية التـي تؤجل الإبداع والتركيب إلـى موعدٍ مع التمرّد وأحياناً الارتداد والفوضى.

حـمى نفسه – وشخصه كان يستحق هذه الـحماية – من مـحنة الضيق والتردّد والـهبوط، حرصاً على الالتزام الأوسع والأرحب. عندما دعي للـمساهـمة وعلى قياس ما يستطيع، اعتَبَر أن لا جدوى من الـجهد الـمباشر فـي الوقت الضائع.

ذهب إلـى مزيد من التكوين القيادي. قاضٍ، أستاذ جامعي، مندوب لبنان وفلسطين على السوية نفسها فـي الأمم الـمتحدة. لـم يتوارَ نواف سلام عن لبنان خلف مهماته الـحساسة فـي الـمؤسسات الدولية. كان حاضراً ومرجعاً ومؤثراً طيلة فترة اختمار الانتفاضة الشعبية. ولو وَضَعت هذه الانتفاضة نتائجها الآن فـي ميزان التقييم لاستطاعت أن تعوض تعثرها وتَزيد، بوجود نواف سلام، ليس فـي السلطة فقط، بل بـما هو عليه من تأثير وشجاعة ونزاهة ووعد. 

اليوم انتهت مرحلة اكتمال نواف سلام رئيسا للحكومة، بعدما تـحصّن بالـمسؤولية الدستورية وبشجاعة رجل الدولة، لتبدأ مرحلة نواف سلام قائدا فـي السياسة، قدم مساهـمة حقيقية لفوز مـجلس الوزراء بقياده للرأي العام اللبنانـي بعدما قادته مـختلف الأطراف بالتناوب وبالتكافل فـي اتـجاهات متقابلة منذ عام 1969.

قال سلام: “ليس الـمطلوب التطابق بين أطراف السلطة، بل العلاقة الـموضوعية التـي تـخدم مشروع الدولة. الـخلاف مع رئيس الـجمهورية الذي يضخم دور رئيس الـحكومة، هو موروث مؤذٍ للدولة وللرئيسيين معاً”.
هل هذه الرؤية جديدة؟ نعم، إنـها جديدة ومتميّزة.

فـي رسالته الأخيرة قبل أيام لـمناسبة ذكرى 13 نيسان، قال: “بعضنا أخطأ حين حـمـّل لبنان أكثر مـمّا يـحتمل فسار فـي تضامنه مع قضايا عادلة على حساب مقتضيات سيادة البلاد وأمنها، وبعضنا الآخر أخطأ أيضاً حين اعتقد أنه يـمكن تـحويل ضعف لبنان اإـى قوة”. شجاعة هذا الكلام كون نواف سلام كان من الذين حـمّلوا لبنان أكثر مـمّا يـحتمل، ويشاركه فـي هذه الحكومة من كان يعتقد أن قوة لبنان في ضعفه.

إن من تفوته هذه الـخلاصة، مستقوياً بالسلاح، يُبقي نفسه شريكاً مؤجلاً إلـى أن يقتنع بأن تقرير الـمصير لا يـحتمل انتماءً مركباً وملتبساً، وأن لبنان حليف طبيعي للدول العربية التـي اعتدت وتعتدي عليها إيران، مباشرةً وبشكل غير مباشر، ولبنان عانـى الاعتداءين معاً، وشرور إسرائيل لـم تقوَ عليها إيران، بل قدّمت لـها الكثير من الأسباب.

فـي حمأة هذا الصراع واحتدامه فـي لبنان ومـحيطه، التضامن مع القيادة الفارقة ليس مناسبة للتفضيل، بل هو دفاع عن هذا الفارق. مع انتهاء عصر السلاح خارج الدولة زينة الرجال، يجب أن يبدأ عصر الرأي والموقف، زينة الرجال.
والصراع في ملعب السلام ليس هو العيب، إنما العيب هو الإصرار على ملعب الحرب والهزيمة معاً.