تصدرت في الآونة الأخيرة عناوين إعلامية تهلل لإعادة تشغيل مطار القليعات شمالي لبنان، بعد الأصوات والطروحات الداعية مؤخراً إلى تشغيل مطار ثانٍ، تحت شعار الإنماء المتوازن وتخفيف الضغط عن العاصمة. ورغم الجاذبية الشعبوية لهذا الطرح، خصوصاً عند أبناء منطقة الشمال، فإن دراسة الجدوى الإقتصادية والعلمية للمطار يكشف عن تحديات ضخمة قد تحوّل هذا المشروع من فرصة إنمائية إلى استنزاف مالي إضافي لخزينة الدولة المتهالكة أساساً.
جغرافياً: بلد صغير لا يحتمل مطارين
إن لبنان بمساحته الجغرافية الضيقة التي لا تتعدى 10452 كيلومتراً مربعاً، والمناطق المأهولة فيه التي لا تتعدى 1000 كيلومتر مربع، لا يمكن أن يحتمل بناء مطارين. من الناحية الاقتصادية، تُظهر التجارب العالمية أن الدول ذات المساحات الصغيرة والكثافة السكانية المنخفضة لا تحتاج إلى أكثر من مطار تجاري واحد. إن المسافة الفاصلة بين بيروت وأقصى الشمال أو الجنوب لا تتجاوز مئة كيلومتر في أقصى الأحوال، مما يجعل فكرة إنشاء مطار ثانٍ لاستيعاب حركة ركاب محلية خطوة غير مبررة.
تداعيات المطار الثاني على الاقتصاد
بدلاً من أن يشكل المطار الجديد رافعة للاقتصاد، قد يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً. إن فتح مطار آخر في ظل الظروف الحالية سيتسبب في تفتيت الحركة الجوية وتشتيت الإيرادات بدلاً من تعظيمها. المطار الجديد لن يخلق سوقاً جديدة غير موجودة، بل سيأخذ حصة عبر “قضم” جزء من حركة مطار بيروت الدولي. هذا التنافس السلبي سيؤدي إلى خفض أرباح المطارين معاً، وزيادة النفقات التشغيلية الثابتة للدولة التي ستصبح ملزمة بإدارة وتأمين منشأتين ضخمتين بدلاً من واحدة، فبدلاً من تخصيص عدد من بوابات الإقلاع في مطار بيروت للطيران المنخفض التكلفة، تتجه الدولة الى فتح مطار آخر في خطوة اقتصادية بعيدة عن المنطق.
معضلة التكلفة، التوظيف.
الاستثمار في المطار لا ينتهي عند الإعمار أو الترميم أو إصلاح البرامج هناك، بل يبدأ بتكلفة التشغيل. يحتاج أي مطار تجاري دولي كحد أدنى إلى جسم وظيفي ضخم يضم مئات، إن لم نقل آلاف الموظفين (من إدارة، أمن مطار، جمارك، مهندسين، وفنيي صيانة، ومراقبة جوية).
لذلك فإن الكلفة التشغيلية السنوية لمطار بهذا الحجم ستتطلب ملايين الدولارات. ولكي يصل المطار إلى نقطة التعادل التي تغطي تكاليفه البديهية وتتحول إلى ربحية، فإنه يحتاج إلى تدفق مستمر لا يقل عن 15,000 إلى 20,000 رحلة سنوياً بحسب دراسات الجدوى القياسية للمطارات التجارية الدولية، وما يقارب2 مليون مسافر سنوياً. في ظل المؤشرات الحالية، يُعد الوصول إلى هذه الأرقام أمراً أقرب إلى المستحيل، مما يعني أن المطار سيسجل خسائر تراكمية ستتحملها خزينة الدولة. فبحسب وزير الأشغال العامة والنقل الحالي فإن العدد المتوقع للسنة الأولى هو 114 ألف مسافر فقط.
أزمة القطاع العام ورواتب الموظفين: من أين التمويل؟
يطرح مشروع المطار سؤالاً جوهرياً ومحرجاً: من أين ستؤمن الدولة رواتب موظفي المطار الجديد؟ يمر القطاع العام في لبنان بأسوأ أزمة في تاريخه الحديث، حيث أصبحت الرواتب الحالية للموظفين والأسلاك العسكرية لا تساوي شيئاً مقارنة بقيمتها الشرائية السابقة جراء انهيار العملة. إن العجز عن تأمين رواتب مقبولة للموظفين الحاليين يطرح علامات استفهام كبرى حول القدرة على توظيف كادرات جديدة للقيام بمهام أمن المطار والمراقبة الجوية، فلم ينسَ حتى الآن الشعب اللبناني الزيادة على صفيحة البنزين وعلى ضريبة القيمة المضافة من أجل تمويل بعض الرواتب لفئة من القطاع العام.
تراجع حركة الترانزيت: “العامل السوري” وغياب المسافر الإقليمي
كان جزء من حيوية مطار بيروت يعتمد على المسافرين القادمين من سوريا أو المتوجهين إليها كحركة عبور، نظراً للأوضاع الأمنية والعقوبات التي فُرضت على المطارات السورية. أما اليوم، فقد تغيرت المعادلات؛ إذ استعادت المطارات السورية (مثل مطار دمشق وحلب) نشاطها بشكل ملحوظ واستقطبت خطوط طيران إقليمية. هذا التحول يعني عملياً أن الركاب السوريين توقفوا أو سيتوقفون عن استخدام مطارات لبنان، مما أفقد أي مشروع مطار جديد خزاناً بشرياً مهماً كان يمكن الاستناد إليه لتبرير جدواه الاقتصادية.
لغة الأرقام: ماذا تخبرنا بيانات عام 2025؟
إذا نظرنا إلى حركة الملاحة والمسافرين في مطار رفيق الحريري الدولي خلال عام 2025، نجد أن الأرقام تثبت بوضوح عدم الحاجة إلى مطار إضافي. فبسبب الأزمات السياسية والأمنية المتلاحقة في المنطقة، شهدت أعداد المسافرين وحركات الطائرات تراجعاً واستقراراً عند مستويات أدنى بكثير من القدرة الاستيعابية القصوى لمطار بيروت (والتي تتسع لنحو 6 إلى 8 ملايين مسافر سنوياً). طالما أن المطار الحالي يعمل بنصف قدرته الاستيعابية أو أقل منها في فترات الركود، فإن التفكير في إنشاء مطار آخر يعتبر هدراً للموارد وللجهود التي يجب أن تنصبّ على صيانة المطار الحالي وتطويره، وتوسيعه.
البنية التحتية: كلفة تأهيل طريق طرابلس – القليعات
لا تقتصر كلفة المطار على المدرج والترمينال فحسب، بل تمتد إلى شبكة المواصلات التي تربطه بالمدن الكبرى. إن الطريق الحالي الذي يربط طرابلس بمطار القليعات غير مؤهل بتاتاً لاستيعاب حركة مرور دولية وشاحنات نقل البضائع.
تأهيل وتوسيع هذا الطريق، وبناء جسور جديدة وتحسين البنية التحتية المحيطة به ليتناسب مع المعايير الدولية، سيكلف خزينة الدولة أو الجهات الاستثمارية ما يُقدر بعشرات ملايين الدولارات (تتراوح التقديرات بين 40 إلى 60 مليون دولار كحد أدنى حسب حجم الأضرار وحيازة الأراضي). هذا المبلغ الضخم يمثل عقبة إضافية أمام دولة تعجز عن صيانة وتعبيد طرقاتها الرئيسية الحالية.
خاتمة
بناءً على هذه المعطيات، يبدو أن مشروع المطار الثاني في لبنان هو مشروع غير مجدٍ في الوقت الراهن ويفتقد للواقعية الاقتصادية. إن الأولوية القصوى اليوم يجب أن تكون لتعزيز كفاءة مطار بيروت الدولي، وحل أزمات القطاع العام، بدلاً من الدخول في مغامرات إنشائية مكلفة ممكن ان تزيد من عمق الأزمة المالية.





