جورج كريم
يقول الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت : ” أنا أُفكّر إذاً أنا موجود.”
الدكتور جورج نعوم عيسى، إبن بلدة معاد الجبيليّة ، لأَربعينَ يوماً خَلَونَ أغمضَ عينيه وهو يفكّر بمشاريع لخدمة بلدته ومنطقة جبيل ووطنه لبنان.
ما زارني يوماً في مكتب دار الروابط إلاَّ وفي جعبته مشروعٌ إنمائيٌ أو إجتماعيٌ أو ثقافيٌ . كنتُ أستهول تنفيذ مشاريعه وكان يستهونَها. لمْ يكن للمستحيل في قاموسه العملي من مكان ولا مكانة.
يوم عَزم من خلال “فكرة” راودته على دعوة غبطة البطريرك الماروني مار بشاره بطرس الراعي الى مؤتمر في جبيل يرعاه حضورياً ومتكلماً تحت عنوان : “المؤتمر الوطني الماروني” وأن مكان المؤتمر في أوتيل بيبلوس ماجستيك، نظرتُ إليه بمحبّة ومودّة وسألته ، هل الأمر “رؤياً في منام” أم فكرة خطرت على بال ، فابتسم وقال لي: أنتَ أول من أعرض عليه فكرتي لأنك مجرّب في مثل هذه الأمور وشجاع مقدام . وراح يفصّل لي تنفيذ “فكرته” مما دفعني إلى الإنطلاق معه . وفي اليوم الثالث حضر يتأبط ملف البرنامج الكامل للزيارة مع أسماء فريق العمل الذي سيؤسس لإجتماعات لاحقة في أوتيل بيبلوس ماجستيك تحت عنوان ” المؤتمر الوطني الماروني ” وبحضور فِرَقِ عمَل متخصّصة لا يقَلّ عددها عن عشرين شخصاً متطوعاً…
وكان المؤتمر .. ولبّى غبطة البطريرك الراعي الدعوة بحضور رسمي وشعبي حاشد.
ومرة ثانية ، قبل رحيله ببضعة أشهر حلّ زائراً حاملا ملفاً يتعلّق بمؤسسة بازل العالمية ، وأنّ مدير المكتب الإقليمي لغرب آسيا والناطقين باللغة العربية ، وزير البيئة المصري الأسبق الدكتور مصطفى حسين كامل سيزور لبنان وسنجتمع معه للتباحث باستحداث فرع “لبازل” في لبنان مع وضع برنامج لقاءات مع اتحادات بلديات وبلديات وتنظيم عقود شراكة لما فيه خير البلديات واتحاداتها .
وهكذا كان ، وحضر الدكتور كامل مرتين بخلال ستة أشهر ، ونظم له الدكتور عيسى أكثر من ثلاثين لقاء بيئي وإنمائي مع بلديات واتحادات بلديات وجمعيات فاعلة وعاملة، من صور وصيدا الى جبيل والبترون الى طرابلس ودوما الى زحله وبعلبك ، وقد عَيّنَ بعدها طبيب الأسنان الدكتور جورج عيسى وقبل وفاته بشهر ممثلاً حصرياً لمؤسسة بازل في لبنان.
هذا المناضل جورج عيسى كان مهووسًا بعمل الشان العام السياسي والحزبي والإنمائي والثقافي، والساعي الى الخدمة المجانية ، لا يردُّ طلباً لمستعين به على حاجة وظيفية أو مستجير به لمراجعة مسؤول.
جَمَعَ في شخصه بين مهنة طبّ الأسنان والعمل الإنمائي والإجتماعي والمواقف الوطنية. فكان قامةً شامخةً لم يعرف الراحة طريقاً في خدمة بلدته ووطنه .
كان شمعةً تضيء دروب العمل الإنمائي ، ويداً بيضاء امتدت للجميع، وموقفاً وطنياً صلباً مع حزب الكتلة الوطنية الى حزب التيار الوطني الحر.
جورج عيسى ترك فينا أثراً لا يمحوه الزمن. فأعماله الإنمائية في كل زاوية من بلدته معاد الى بلاد جبيل بجمعياتها ونشاطاتها الثقافية والرياضية الى مواقفه الوطنية المشرّفة. لقد كان مثالاً في العطاء الإجتماعي وقدوة في الموقف السياسي الحر ، وسيبقى حاضراً في قلوبنا ودروبنا ومواقفنا.
فإلى جنّأت الخلد أيها الصديق المناضل جورج . سنشتاق الى صباحاتك في دار الروابط وأنت تحمل دائماً أفكاراً خلاّقة كنا نستعظمها وكانت تهون عندك ، لأنك كنت كبيراً في العزائم والشدائد ، وكنت تملك إرادة صلبة فذّة حيّرت مَنْ عَرَفكَ ومن تعاون معك في أيّ عمل وأي مكان . وأشهد في هذه العجالة ، أنك قبل يومين من وفاتك اتصلت بي لتعرض مشروع عمل ثقافي يحتاج الى ثلاث سنوات لتنفيذه ، لأنك كنت تعمل في دنياك كأنك تعيش أبداً وتخاف ربّك كأنك تموت غداً.
عزاؤنا فيك يا جورج أنك عشت بيننا كريماً ورحلت شامخاً ، وسيبقى ذكرك شاهداً على نبل أخلاقك وأصالة بيتك وعلو نسبك وعزيز حسبك وفخر انتمائك.
رحمات الله عليك ، فأنت باق بيننا على قول ديكارت ، لأن ما زرعته فينا من أفكار سينبت كما القمح في السهول والأزهار في الحقول .
يوم سئل الإمام علي (ع): أهناك أشد من الموت؟ قال: نعم، فراق الأحبة أشد من الموت”
فراقنا اليوم معك هو فراق حزين ، ولكنَّ وجهَك الوضّاء وابتسامتَك الغرّاء هما في استذكار أفكارك وحضورك مرددين القول :إنّ العيْنَ تدمع والقلبَ يحزن وإنّا على فِراقِك يا جورج لمحزونون .
جبيل في ١٠ أيار ٢٠٢٦
نُشرت في كتيّب ذكرى الأربعين.
.





