حروب التآكل البطيء والإستنزاف القاتل.


الروابط | جورج كريم

لم تعد الحروب في عالم اليوم تُقاس فقط بعدد الجيوش التي تتواجه، أو بحجم الصواريخ التي تُطلق، أو بمساحة الأراضي التي تُحتلّ. فقد اتّسعت ميادين الصراع، وتطوّرت أدواته، وأصبح الدول ممكناً بوسائل تتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة، لتطال الاقتصاد، والمؤسسات، والنسيج الاجتماعي، وثقة المواطن بدولته وقدرتها على حمايته وتأمين أبسط مقوّمات حياته.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم الاستنزاف طويل الأمد والتآكل التدريجي لمقوّمات الدولة، بوصفه أحد الأنماط التي تستحقّ التوقف عندها في قراءة ما تشهده منطقتنا من حروب متعاقبة، وانقسامات داخلية، وأزمات اقتصادية وسياسية متشابكة.

وقد تحدث عن هذا الموضوع الخبير الاستراتيجي الأمريكي ماكس مانوارينغ في محاضرة منسوبة إليه في إسرائيل شهر ايار عام 2018 ودعا جيشها الى شن حروب التآكل لدول وشعوب المنطقة قبل الانتصار العسكري السريع .

  • من الحسم العسكري إلى الاستنزاف المفتوح.
    في الحروب التقليدية، كان الهدف غالباً إلحاق الهزيمة بالجيش المقابل، أو احتلال أرضه، أو إجباره على الاستسلام. أمّا في أنماط الصراع غير التقليدية، فقد يصبح الهدف أوسع وأطول مدى: إنهاك الخصم، وإضعاف قدرته على اتخاذ القرار، واستنزاف موارده، وتعطيل مؤسساته، ودفع مجتمعه إلى حالة من الشكّ والانقسام وفقدان الثقة بالمستقبل.
    وهنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا قد تسعى بعض الأطراف إلى إطالة الصراع بدلاً من حسمه سريعاً؟
    لأنّ الحرب الطويلة قد تحقّق، في بعض الظروف، ما لا تحقّقه الضربة الخاطفة. فالإنهيار السريع قد ينهي المواجهة، لكنه قد يترك للدولة مؤسسات قابلة لإعادة البناء، ولمجتمعها فرصة لإلتقاط أنفاسه واستعادة تماسكه. أمّا الإستنزاف الممتدّ، فيمكن أن يراكم الخسائر على مراحل، ويستنزف الاحتياطيات، ويُضعف الاقتصاد، ويُرهق السكان، ويحوّل الأزمات المؤقتة إلى واقع دائم يصعب الخروج منه.
    وليس معنى ذلك أنّ كل حرب طويلة تُدار بالضرورة وفق مخطط مسبق لإدامتها؛ فقد تتشابك فيها المصالح، وتتضارب الحسابات، وتتعثّر التسويات. لكنّ النتيجة قد تكون واحدة: دول منهكة، ومجتمعات مستنزفة، وأجيال تدفع أثماناً باهظة لصراعات لا ترى لها نهاية واضحة.
    حين تصبح الأزمات جبهةً أخرى للحرب.
    وعندما يعجز البلد عن تأمين الكهرباء والمياه والدواء والتعليم وفرص العمل، تصبح معاناة الناس جزءاً من المشهد الاستراتيجي، سواء كانت نتيجة مباشرة للحرب، أو نتيجة سوء الإدارة والفساد والانقسامات الداخلية، أو حصيلة تفاعل هذه العوامل مجتمعة.
  • وهنا تكمن خطورة التآكل البطيء: فالدولة لا تفقد قوتها دفعة واحدة، بل تخسر، يوماً بعد يوم، جزءاً من قدرتها على أداء وظائفها. والمؤسسات التي تضعف تدريجياً تصبح أقلّ قدرة على مواجهة الأزمات، فيما يجد المواطن نفسه محاصراً بين حاجاته اليومية ومخاوفه من الغد.
  • أخطر الجبهات: الانقسام من الداخل:

إنّ المجتمعات المنقسمة تكون أكثر عرضة للاستغلال السياسي والأمني. وحين تتحوّل الاختلافات السياسية والطائفية والمناطقية إلى عداوات وجودية، تتراجع القدرة على إنتاج موقف وطني جامع، وتصبح معالجة الأزمات رهينة الحسابات الفئوية والمصالح الضيقة.
وقد تستفيد أطراف خارجية من هذه الانقسامات، فتدعم فريقاً على حساب آخر، أو توظّف الصراعات المحلية لخدمة مصالحها، أو تستثمر في ضعف الدولة لتوسيع نفوذها. لكنّ المسؤولية لا تقع على الخارج وحده؛ إذ إنّ الانقسامات الداخلية، حين تتغذّى من الفساد وغياب العدالة وضعف المؤسسات، تهيّئ البيئة التي تسمح للآخرين بالتدخل والتأثير.
ولذلك، فإنّ أخطر ما يمكن أن تتعرّض له دولة ليس مجرّد خسارة معركة، بل فقدان قدرتها على التمييز بين خلاف سياسي مشروع وصراع يهدّد وجودها، وبين الاستعانة بصديق وارتهان القرار لقوة خارجية، وبين الدفاع عن مصالح جماعة وحماية المصلحة الوطنية المشتركة.
فالدولة لا تُهزم دائماً عندما يخترق العدو حدودها؛ قد تبدأ هزيمتها حين تفقد وحدتها الداخلية، ويصبح أبناؤها أدوات في صراعات لا يملكون قرارها الكامل، وحين يتقدّم الولاء للمحور على الولاء للوطن.

  • من العراق وسوريا واليمن وليبيا إلى لبنان:
    لا تحتاج قراءة تجارب منطقتنا إلى افتراض وجود غرفة واحدة تدير جميع الأزمات، أو مخطط واحد يفسّر كل ما جرى ويجري. فالوقائع أكثر تعقيداً من ذلك، وتتداخل فيها حسابات القوى الإقليمية والدولية، والصراعات المحلية، وأخطاء الحكم، والتدخلات الخارجية، والمصالح الاقتصادية والاستراتيجية.
    لكنّ المشهد العام يكشف قاسماً مشتركاً يستحقّ التأمّل: حروب تطول، وتسويات تتعثر، ومؤسسات تضعف، ومجتمعات تتشرذم، وأعباء إعادة الإعمار تتراكم، فيما تتراجع قدرة المواطن على التأثير في مصيره.
    في العراق، تركت سنوات الصراع والعنف آثاراً عميقة على المجتمع ومؤسسات الدولة. وفي سوريا، خلّفت الحرب دماراً هائلاً ونزوحاً واسعاً وتحديات جسيمة أمام استعادة الاستقرار. وفي اليمن، امتدّ النزاع لسنوات، وتفاقمت معه الأزمات الإنسانية والاقتصادية. أمّا ليبيا، فما زالت تعاني آثار الانقسام السياسي والأمني وتنافس مراكز السلطة.
    وتختلف ظروف كل بلد عن الآخر، ولا يجوز اختزال مآسيها في تفسير واحد. غير أنّ هذه التجارب جميعها تطرح سؤالاً أساسياً: من يستفيد من استمرار الانهيار؟ ومن يدفع الثمن الحقيقي عندما تتحوّل الدول إلى ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات؟

إنّ المستفيدين من النزاعات ليسوا بالضرورة جهة واحدة، كما أنّ استمرار الصراع لا يثبت وحده وجود قرار مسبق بإدامته. لكنّ تضارب المصالح قد يجعل إنهاء الأزمات أقلّ إلحاحاً لدى بعض الأطراف من الاحتفاظ بأوراق النفوذ التي تمنحها إياها.
وهنا يصبح السلام الحقيقي أكثر من مجرّد وقف لإطلاق النار؛ إنّه استعادة لسيادة الدولة، وإعادة بناء للمؤسسات، وضمان لحقوق المواطنين، وتحرير للقرار الوطني من الارتهان.

  • لبنان: هل يتحوّل الانهيار الاقتصادي إلى عامل استنزاف؟
    أمّا لبنان، فله في هذه المعادلة موقع بالغ الحساسية. فقد عانى انهياراً مالياً واقتصادياً عميقاً، وتراجعاً في الخدمات العامة، وهجرة للكفاءات، وتصدّعاً في الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم. ثم جاءت الحروب والاعتداءات والدمار والنزوح لتزيد الأعباء على بلد يعاني أصلاً هشاشة مالية ومؤسساتية.
    ومن الخطأ ردّ كلّ ما أصاب لبنان إلى عامل خارجي واحد، كما أنّه من الخطأ تجاهل أثر التدخلات الخارجية والصراعات الإقليمية في مساره. فالأزمة اللبنانية نتاج تداخل طويل بين اختلالات داخلية، وفساد وسوء إدارة، وانقسامات سياسية، وارتهان متبادل للمحاور، وضغوط وتدخلات تتجاوز حدود الوطن.
    والنتيجة أنّ المواطن اللبناني يجد نفسه أمام استنزاف متعدد الوجوه: اقتصاد يقيّد قدرته على العيش، ومؤسسات تحتاج إلى استعادة فاعليتها، وانقسامات تُضعف إمكان التوافق، ومخاوف أمنية تهدّد ما تبقّى من استقرار.
    وهنا تبرز مسؤولية الدولة والقوى السياسية في منع تحوّل هذا الاستنزاف إلى مسار دائم. فلا يمكن حماية لبنان بالشعارات وحدها، ولا باستدعاء الخارج كلما تعذّر التفاهم في الداخل، ولا بتحميل طرف واحد جميع المسؤوليات فيما تُعفى الأطراف الأخرى من المحاسبة.
    إنّ حماية لبنان تبدأ باستعادة القرار الوطني، وتقوية المؤسسات الدستورية، وإقرار الإصلاحات الضرورية، ومحاسبة المسؤولين عن الفساد، وحصر القرارات السيادية ضمن الأطر الشرعية، وتأمين شروط الاستقرار الذي يحتاج إليه الناس لإعادة بناء حياتهم.
  • إدارة الأزمة ليست بديلاً من حلّها:
    من أخطر ما يمكن أن يصيب الدول أن تعتاد أزماتها، وأن يتحوّل الاستثناء إلى قاعدة، والتدبير المؤقت إلى سياسة دائمة، والخلاف إلى نمط حياة سياسية.
    فإدارة الأزمة قد تكون ضرورة مرحلية لتفادي الانفجار، لكنها لا تصبح حلاً لمجرد أنّها تؤجّل الانفجار. وإذا غابت الرؤية التي تقود إلى التسوية، تحوّلت إدارة الأزمة إلى دوران في حلقة مفرغة: تهدأ جبهة لتشتعل أخرى، تُعالج مشكلة لتظهر مشكلات أشدّ تعقيداً، وتُعقد تسوية مؤقتة سرعان ما تنهار أمام أول اختبار للمصالح المتعارضة.
    ولا يعني ذلك أنّ كلّ تهدئة مناورة، أو أنّ كلّ تسوية تخفي نيات مبيّتة. فالتهدئة قد تكون خطوة ضرورية نحو السلام، شرط أن تُستكمل بمعالجة الأسباب التي أدّت إلى الصراع، وأن تستند إلى ضمانات واضحة، وإرادة سياسية صادقة، ومؤسسات قادرة على تنفيذ الالتزامات.
    أمّا حين تُستخدم الهدن لإعادة ترتيب القوى، من دون معالجة جذور النزاع، فإنّها قد تتحوّل إلى فواصل بين جولات متعاقبة من العنف، يدفع المدنيون ثمنها في كل مرة.
    والتحدّي الحقيقي ليس في إبقاء الأزمات تحت السيطرة فحسب، بل في تفكيك أسبابها، وإعادة الاعتبار إلى القانون، وبناء الثقة، وتقديم مصلحة الشعوب على حسابات النفوذ والمكاسب الضيقة.
  • هل نتعلّم قبل فوات الأوان؟
    إنّ الدرس الأهمّ من حروب الاستنزاف ليس الاستسلام لنظرية المؤامرة، ولا اعتبار كلّ حدث جزءاً من مخطط خفيّ لا يمكن التحقق منه.
    إنّ مواجهة الاستنزاف لا تكون بالصراخ وحده، ولا بتبادل الاتهامات، ولا بتبرئة الذات وإلقاء المسؤولية كاملة على الآخرين. تكون ببناء دولة عادلة وقادرة، واقتصاد منتج، ومؤسسات شفافة، ومجتمع يحترم الاختلاف من دون أن يسمح بتحويله إلى أداة اقتتال.
    كما تكون بوعي سياسي يرفض أن تتحوّل الشعوب إلى وقود لحروب الآخرين، ويرفض في الوقت نفسه أن تُستخدم المخاوف الخارجية ذريعة لتغطية الفشل الداخلي أو مصادرة حقوق المواطنين.
    فالأوطان لا تسقط دائماً تحت وطأة الضربة الكبرى؛ قد تتراجع ببطء حين تُستنزف مواردها، وتُشلّ مؤسساتها، ويُهجّر شبابها، ويُفقد أبناؤها الثقة بقدرتهم على التغيير. لكنّ هذا المسار ليس قدراً محتوماً، ما دامت هناك إرادة وطنية قادرة على المراجعة والإصلاح واستعادة القرار.
    فهل نكتفي بمراقبة التآكل من حولنا، أم نبدأ بمواجهة أسبابه في الداخل والخارج؟
    إنّ الوقت لم يعد يسمح برفاهية الانتظار. فكلّ يوم يُهدر في تعميق الانقسام هو فرصة جديدة لإضعاف الدولة، وكلّ أزمة تُترك بلا حلّ تُراكم كلفة الخروج منها، وكلّ جيل يفقد ثقته بوطنه يجعل استعادة الأمل أكثر صعوبة.
    يا ليت شعوبنا تدرك أنّ أخطر الحروب ليست دائماً تلك التي تُسمع فيها أصوات المدافع، بل تلك التي تستنزف الإنسان بصمت، وتُضعف الدولة تدريجياً، وتُقنع أبناء الوطن بأنّ الانهيار أمر لا مفرّ منه.
    فالأوطان لا يحميها الوعي وحده، لكنه يفتح الطريق إلى حمايتها؛ ولا ينقذها كشف المخاطر فحسب، بل تحويل هذا الوعي إلى دولة ومؤسسات ووحدة وطنية وإرادة لا تستسلم.