حين يترجّل شاهدٌ من صلب التاريخ

كتب الأب جاد القصيفي ر.ل. م:

التاريخ هو إلتقاء رجل وظروف.
بعض الرجال يعبرون في التاريخ. وبعضهم يعبر التاريخ فيهم.
الأباتي بولس نعمان كان من الصنف الثاني.
يوم الجمعة 11 أيلول 2026، أغمض الرئيس العام الأسبق للرهبانية اللبنانية المارونية عينيه، ووضع جانبًا أثقال خمسة وتسعين عامًا تقريبًا من العمر، وأكثر من ثمانية عقود في الرهبانبة. سكت الرجل الذي أمضى عمرًا طويلًا يسأل التاريخ عن الموارنة، ويسأل الموارنة عن لبنان، ويسأل لبنان عن الحرية.
رحل راهب من زمن مختلف. من زمن كانت فيه العباءة تتّسع للدير والجامعة والوطن معًا. وكان بعض الرهبان يعتقدون أن أسوار الدير لا تعفيهم من سماع هدير التاريخ في الخارج.
الأباتي بولس نعمان. القصة ليست قصة رئيس عام سابق فقط. إنها قصة راهب ومؤرخ وأستاذ ورجل موقف وقرار. وقصة جيل كامل وجد نفسه فجأة أمام وطن يتصدّع، ودولة تتراجع، وحرب تقترب، وكان عليه أن يختار بين الوقوف على الشرفة ومراقبة الحريق أو النزول إلى ساحة الأحداث.
نزل بولس نعمان إلى الساحة.لم يخلع عباءته. حملها معه والصليب.

جاء من شرتون إلى الرهبانية فتى يافعًا، ثم دفعته الرهبانية إلى العلم. ومن الكسليك إلى روما، ومن قاعات الجامعة إلى المكتبات والوثائق، راح ينبش في تاريخ الموارنة. لم يكن التاريخ بالنسبة إليه ترفًا أكاديميًا وفكريًا ولا مقبرةً للسنوات والأسماء. كان يبحث في الماضي عن تفسير للحاضر، وفي الجغرافيا عن سرّ الجماعة، وفي تجربة الموارنة عن ذلك الخيط الرفيع الذي يربط الأرض بالحرية والوجود بالرسالة. كان همّه التقاط الوجدان التاريخي للموارنة، والحفاظ عليه وتركه حيًا في الأجيال اللاحقة.
عاد إلى لبنان في نهاية الستينات، وكان لبنان نفسه يستعدّ للدخول في واحد من أخطر منعطفات تاريخه. عاد حاملًا الدكتوراه في التاريخ، لكن التاريخ لم يسمح له طويلًا بالبقاء بين الكتب.خرج التاريخ من المكتبة وطرق باب الرهبانية.وكان الطرق عنيفًا.تسارعت الأحداث. اهتزت الدولة. ارتفعت المتاريس. كبرت المخاوف. ودخل لبنان ذلك النفق الطويل الذي سيأكل أبناءه ومدنه ومؤسّساته وأحلامه. وجد الراهب المؤرخ نفسه شاهدًا على تاريخ كان يفضّل أن يقرأه في الوثائق، فإذا به يُكتب أمام عينيه بالدم والتهجير والانقسام.
لم يكن بولس نعمان من هواة الوقوف على الحياد حين يشعر أن البيت مهدّد. انخرط في الشأن العام إلى جانب الأباتي بطرس قزي والأباتي شربل القسيس. وشارك في النقاشات واللقاءات ولجنة البحوث. ولاحقًا في جبهة الحرية والإنسان أوالجبهة اللبنانية. كان مقتنعًا بأن الراهب لا يفقد حقه في القلق على شعبه وعلى وطنه حين يدخل الدير، وأن الصلاة من أجل الإنسان لا تعني إدارة الظهر حين يصبح هذا الإنسان خائفًا وقلقًا على أرضه وحريته ومستقبله.

يمكن الاختلاف مع خيارات تلك المرحلة. ويمكن إعادة قراءة الحرب وأدوار رجالاتها بلا نهاية. لكن لا يمكن قراءة الأباتي بولس نعمان خارج زمنه، ولا محاكمته خارج النار التي كان يتحرك فيها. كان ابن مرحلة صعبة، قاسية. وكانت خياراته ابنة أسئلتها ومخاوفها وهواجسها وأحلامها.
في سنة 1980 استدعته الرهبانية إلى موقعها الأول. انتُخب رئيسًا عامًا خلفًا للأباتي شربل القسيس (1974-1980). لم يتسلّم رهبانية في زمن هادئ. تسلّمالمشعل في قلب العاصفة.
كانت الأديرة موزعة على خريطة وطن ممزق. وكان الرهبان يعيشون مع الناس خوفهم وتهجيرهم وقلقهم. وكانت المؤسسات تحتاج إلى من يحميها ويحفظ رسالتها ويعرف كيف يعبر بها بين الألغام. ست سنوات عاشها مستنفرًا، من 1980 إلى 1986، بدت أحيانًا أطول من ولاية رئاسية وأثقل من عمر.فيها وقبلها وبعدها حاور الأباتي بولس نعمان وجالس رؤساء جمهورية وحكومةووزراء ونواب ورؤساء أحزاب وقادة عسكريين ورجال فكر ونخب جامعية.كان يحاكي القمم في عليائها من الندّ إلى الندّ.
في تلك السنوات مرّت أسماء كبيرة وأحداث أكبر. تغيّر وجه لبنان أكثر من مرة. انتُخب بشير الجميل رئيسًا ثم اغتيل. تعاقبت الصدمات والانقسامات والحروب الصغيرة داخل الحرب الكبيرة. وكانت الرهبانية، مثل لبنان، تحاول أن تحافظ على بيتها وأبنائها ومؤسساتها وذاكرتها.كان بولس نعمان حاضرًا.حاضرًا بقوة شخصيته والكاريسما. حاضرًا بقناعاته. حاضرًا بسلاح الكلمة والموقف. حاضرًا على الأرض مع المهجّرين ومع المقاتلين ومع الناس البسطاء.حاضرًا على المعابر وفي الثكانات العسكرية وعلى الجبهات. حاضرًا في زمن لم يكن يسمح للرؤساء بترف الغياب.لم يكن رئيسًا عامًا يعاين الأزمات من نافذة الدير. كان يعرف أن العاصفة إذا اشتدت لا تسأل عن سماكة الجدران. وأن النار إذا التهمت المجتمع لن تبقى الأديرة جزرًا آمنة وسط الرماد.

دافع عن خياراته بشراسة المؤمن بها. ودفع أثمانها أيضًا. فالتاريخ لا يوزّع الأوسمة فقط. يوزّع الجراح وسوء الفهم والخصومات، وأحيانًا الأحكام المتناقضة. والرجل الذي يدخل التاريخ من بابه العريض يعرف أنه لن يخرج بثياب نظيفة من غبار المعارك.لكن بولس نعمان لم يتبرأ من تاريخه.وهنا تكمن إحدى ميزاته.
عاد بعد الرئاسة العامة إلى الكتب. ولم يهمل الشأن العام. كأنّ المؤرخ حاول أن يستعيد الرجل أو بعضًا منه من السياسي، وكأن الراهب أراد أو حاول العودة من ضجيج الساحات إلى صمت المكتبة. لكنه لم يعد الشخص نفسه. فالذي يشاهد التاريخ ليس كالذي يشارك في صنع بعض صفحاته.كتب. بحث. درّس. واستعاد الذاكرة.
راح ينقّب من جديد في جذور الموارنة، في نشأتهم، في علاقتهم بالأرض، في معنى لبنان وفي معنى الحرية. وكان كأنه يريد أن يضع تجربته وتجربة جيله على الطاولة قبل أن يذهب الشهود ويستفرد النسيان بالرواية.
كان يعرف أن أخطر ما يصيب الشعوب ليس الهزيمة وحدها، بل فقدان الذاكرة.لهذا كان مؤرخًا حتى حين مارس المسؤولية، ورجل مسؤولية حتى حين عاد إلى التاريخ.لم تكن المارونية عنده مجرد طقس أو انتماء موروث. كانت ذاكرةً وأرضًا وحريةً ورسالة. ولم يكن لبنان بالنسبة إليه مجرد حدود مرسومة على خريطة. كان فكرة تستحق الدفاع عنها: أن يستطيع المختلفون أن يعيشوا أحرارًا تحت سقف دولة تحترم التعددية المجتمعية، أي من دون أن يبتلع أحدٌ أحدًا.
لهذا يمكن اختصار جانب كبير من فكر الأباتي بولس نعمان وسيرته بثلاث كلمات اختارها هو عنوانًا لمذكّراته: “الإنسان، الوطن، الحرية”. ثلاث كلمات تبدو اليوم أكثر قلقًا مما كانت عليه حين كتبها. عناصر تكاد تكون عصارة فكره ولعلّها تختصر المجتمع أو الوطن الذي أراده وناضل من أجله.
ثلاثةُ معانٍ لا يستقيم واحدٌ منها دون الآخر، كأنّها وجوهٌ مختلفة لفكرة واحدة عن الحياة والكرامة والمصير. فالإنسان ليس رقمًا في جماعة، ولا وقود القضيّة، بل صاحبُ كرامةٍ تسبق الحدود والهويّات، وبها تكتسب كلّ هذه معناها. والوطن، لأنّ الإنسان يحتاج إلى مكانٍ تصبح فيه الحرّيّة حياةً مشتركة، لا عزلةً فرديّة. هو المساحة التي يلتقي فيها المختلفون من دون أن يُطلب منهم أن يتشابهوا، ويصنعون من اختلافهم عقدًا للعيش بحرية وخصوصية لا ذريعة للصراع. وطنٌ يتّسع لإنسانه كما هو، ويمنحه حقّ أن يكون مختلفًا من دون أن يكون غريبًا. وطنًا يدير التنوّع ويحفظ الخصوصيات والهويات. والحرّيّة، لأنّها الروح التي تمنع الإنسان من أن يصير رعيّة، والوطن من أن يصير سجنًا. بها يكون الانتماء اختيارًا لا إذعانًا، والمواطنة شراكةً لا ذمّية، والاختلاف ثراءً لا تهمة.
ثالوث الإنسان والوطن والحرّيّة يختصر، في النهاية، وطنًا جديرًا باسمه: الإنسان فيه قيمة، والوطن فيه بيت، والحرّيّة فيه شرط الاثنين معًا.
عاش الأباتي بولس نعمان طويلًا بما يكفي ليرى لبنان الذي قاتل جيله من أجله يتغير مرات كثيرة. تغيّر رؤساء الجمهورية. تغيّر بطاركة. تغيّر رؤساء عامون. تبدّلت التحالفات والخصومات. انهارت مشاريع وصعدت أخرى. خرجت جيوش ودخلت أخرى. سقطت متاريس وقامت متاريس من نوع آخر. وتحوّل كثير من أبطال الأمس إلى صور، وكثير من المعارك إلى فصول في كتب التاريخ.وبقي هو.بقي شاهدًا من ذلك الزمن.وكان في بقائه شيء من صندوق أسود لمرحلة لبنانية شديدة التعقيد. رجل يستطيع أن يقول: كنت هناك. رأيت. سمعت. شاركت. اختلفت. راهنت. أصبت أحيانًا وأخطأت أحيانًا أخرى، لكنني لم أكن متفرجًا.وهذه وحدها سيرة ثقيلة.
في السنوات الأخيرة ابتعدت الضوضاء عنه. هدأت المعارك، أو ربما انتقلت إلى أماكن أخرى. تقدّم العمر وتراجعت المسافات التي يستطيع الجسد أن يقطعها. وتركت الأيام جرحًا في ذاكرته.
لكن للذاكرة عند الرجال الكبار صوت غريب. كلما خفت صوت الجسد ارتفع صوتها.
اليوم يرحل الأباتي بولس نعمان. اليوم يغيب آخر العمالقة. وتبقى الأسئلة التي رافقته. ماذا يبقى من الموارنة إذا ابتعدوا عن الأرض؟ ماذا يبقى من لبنان إذا فقد حريته؟ وماذا يبقى من الكنيسة إذا أغلقت أبوابها على ذاتها فيما الإنسان يتألّم خارجها؟
أسئلة رجل رحل. لكنها لم ترحل.
غدًا ستستيقظ الرهبانية اللبنانية المارونية وفي ذاكرتها مقعد فارغ جديد. يغيب واحد من الرؤساء العامين الذين حملوا أثقالها في أصعب الأزمنة. وتستيقظ جامعة الروح القدس – الكسليك وقد خسرت واحدًا من رجال جيل تأسيس نهضتها الأكاديمية، رجل طوى معه عصرًا كان فيه متفوقًا بين متفوّقين. ويفقد الموارنة واحدًا من الذين طبعوا وجدانهم التاريخي بالفعل المؤثر وأمضوا أعمارهم ينفضون الغبار عن وثائقه. ويفقد لبنان شاهدًا آخر من شهود زمن النار.مع بولس نعمان لا يُدفن رجل فقط.تُطوى ورقة أخرى من دفتر جيل كبير، جيل كان يختلف كثيرًا، ويقاتل كثيرًا، ويحلم كثيرًا، ويدفع أثمان خياراته كاملة.
غادر الأباتي بولس نعمان بهدوء. هذه المرة لم يعد عليه أن يشرح موقفًا، أو يدافع عن خيار، أو يقرأ وثيقة، أو يصحح رواية، أو يقلق على الموارنة ولبنان.وضع أوراقه على الطاولة.أغلق كتاب التاريخ.ونهض.
لعلّه اكتشف الآن أن التاريخ الذي أمضى عمره يبحث عنه لم يكن سوى مقدمة صغيرة لذلك الكتاب الآخر الذي لا يحتاج إلى مؤرخين ولا إلى شهود.هناك لا جبهات ولا متاريس ولا خرائط ممزقة.هناك فقط الحقيقة.
الأباتي بولس نعمان صار الآن في عهدتها.أما نحن، فنبقى هنا، نقلب أوراقه ونستعيد زمنه ونسأل الأسئلة نفسها.
فبعض الرجال يموتون وينتهي حضورهم.وبعضهم، حين يرحلون، يبدأ التاريخ باستجواب غيابهم.
الأباتي بولس نعمان من هؤلاء.