ماكرون في دمشق: محطة تاريخية تعيد فرنسا إلى الشرق الأوسط!؟

يولا هاشم

المركزية – في السادس من تموز الجاري، يسجّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون محطة تاريخية بوصوله إلى دمشق، في أول زيارة لرئيس أوروبي منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024. وتأتي هذه الخطوة، التي تسبق قمة حلف شمال الأطلسي في تركيا، لتضع حداً لقطيعة دبلوماسية امتدت ثمانية عشر عاماً منذ زيارة نيكولا ساركوزي عام 2008، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الانفتاح السياسي بين باريس والعاصمة السورية. فماذا تحمل هذه الزيارة؟

المحلل السياسي الدكتور خالد العزي يؤكد لـ”المركزية” ان “انفتاح الرئيس الاميركي دونالد ترامب ورفعه العقوبات عن سوريا أثار الهواجس لدى الأوروبيين، إذ إن سوريا ستصبح ساحة استثمار واسعة، ما طرح تساؤلات حول موقع الدور الأوروبي، ولا سيما الفرنسي، في منطقة البحر المتوسط، وبالأخص في سوريا ولبنان”.

ويشير العزي الى ان زيارة ماكرون تحمل أبعادًا متعددة تتجاوز الطابع البروتوكولي. فهي تأتي في ظل شعور نسبي بالاستقرار في سوريا، بالتوازي مع موقف فرنسي يتضمن شجبًا للسياسات الإسرائيلية التي تُتهم بتغذية عدم الاستقرار الإقليمي. كما أن باريس تُحمّل إيران مسؤولية مباشرة عن استمرار التوترات في الساحة السورية.

في المقابل، بدأ يتبلور إدراك غربي بأن النظام السوري يسعى إلى الاندماج في المجتمع الدولي، مبتعدًا عن الخطاب الراديكالي والفوضوي. وقد ظهر ذلك في أداء الرئيس السوري أحمد الشرع خلال العام والنصف الماضي، سواء في تعاطيه مع القضية الكردية، أو في مواجهة أزمة الكبتاغون، أو في محاولات معالجة الوضع الاقتصادي. لكن هذا الانفتاح يتزامن مع بؤر توتر داخلية، أبرزها في السويداء، حيث يتقاطع الصراع المحلي مع كباش كبير بين الولايات المتحدة وإسرائيل. الأخيرة وضعت خطًا أحمر على المساس بالدروز في السويداء، فيما صرّح الرئيس ترامب بأن الشرع خط أحمر، وهو ما يعكس غياب الانسجام بين المؤسستين الأميركية والإسرائيلية في مقاربة الملف السوري”.

ويضيف: “هناك مسائل تهم فرنسا، منها وجود جالية سورية كبيرة من الطبقة الوسطى في فرنسا، تضم أطباء ومهندسين وغيرهم من الكفاءات، وقد أصبحوا قطبًا مهمًا في المجتمع الفرنسي، لكن رفض هؤلاء العودة إلى سوريا يشكّل تحديًا بالنسبة للفرنسيين لأنه يفرض ضغطًا فعليًا على الاقتصاد والمجتمع الفرنسي. وهناك أيضًا نوع من الاستثمارات التي تريد فرنسا أن تكون جزءًا منها، بدءًا من النفط وصولًا إلى بناء البنى التحتية، والقمح، والسلة الغذائية للمنطقة، إضافة إلى أنابيب النفط الخلفية التي يسعى الخليج إلى تمريرها عبر خطوط بدأ العراق بمدّها عبر الأراضي السورية.

كما يسعى ماكرون أيضًا إلى المشاركة في إدخال شركات فرنسية، مثل شركة “توتال”، للتنقيب عن النفط في المتوسط والحقول السورية، واستكشاف فرص اقتصادية جديدة. وفي المجال الاقتصادي، هناك شركات تستعد لمرحلة إعادة الإعمار في سوريا. وهنا يبرز السؤال: ما هو الدور الفرنسي في عملية إعادة الإعمار، خاصة وأن سوريا تسعى لأن تكون جزءًا من التطور التكنولوجي والصحي، ومن الحياة الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالعولمة والانفتاح على الدول الأخرى؟”

ويتابع العزي: “تُعتبر زيارة ماكرون قبل انتهاء ولايته في العام الجديد خطوة مهمة، يريدها، من خلال هذا الاستقطاب للدخول إلى منطقة الشرق الأوسط عبر البوابة السورية، بعد أن فشل في لبنان وإفريقيا وعرّض مصالح فرنسا للخطر، واضطر في النهاية الجيش الفرنسي إلى الخروج من إفريقيا.

اليوم تجد فرنسا نفسها أمام ضرورة العودة إلى الشرق الأوسط من خلال سوريا، وبالتحديد من المناطق التي ينبغي أن تركز فيها حضورها، خاصة في ظل الاشتباك الفرنسي ـ الإسرائيلي الذي بلغ حدًّا مأزومًا. فبعد أن أُخرجت فرنسا من لبنان، تسعى الآن إلى العودة عبر تثبيت دورها في الدولة السورية الجديدة”.

ويرى العزي ان “النقطة الأهم أن العلاقات المأزومة بين ترامب وماكرون يجب أن تصل إلى قواعد مشتركة، وربما يكون الاتفاق على الدور الفرنسي في الشرق الأوسط بالتوافق مع الولايات المتحدة أمرًا بالغ الأهمية. كما أن الجانب الأساسي يتمثل في أن ماكرون يعاني من مشاكل شخصية مع ترامب، وقد ينعكس جلوسه معه في قمة السبع إيجابًا على إعادة الدور الفرنسي إلى المنطقة.

نحن إذًا أمام مسألة بالغة الأهمية من خلال هذه الزيارة التي تعيد تعويم الدور الفرنسي، خصوصًا أن الأوروبيين، وفرنسا تحديدًا، تلقوا صفعة كبيرة في الاتفاق الذي عقد في إسلام آباد حيث تم تهميشهم. وكان ترامب يصرّح بأن “من لم يشارك معي سيدفع ثمنًا باهظًا”، وهو حديث موجّه بالدرجة الأولى إلى الفرنسيين، خاصة أن ماكرون كان يراهن على بناء استراتيجية قائمة على أي تفاوض مع إيران، معتبرًا أن الاستثمارات الواعدة هناك ستسمح له بإنعاش وضعه الاقتصادي. لذلك قدّم تنازلات كبيرة في موقفه تجاه حزب الله في لبنان، بما في ذلك التوقف عن متابعة قضية تفجير المرفأ، بعدما حصل على “هدية” في لبنان هي المرفأ، لكن فرنسا لن تستطيع إعادة بنائه وفقًا لواقع الدولة اللبنانية”.

ويشير الى ان “ماكرون خسر أوراقًا كثيرة نتيجة غياب الرؤية الاستراتيجية الواضحة، ورهانه الضمني على إيران. وقد ظهر ذلك في الخلاف بينه وبين الأوروبيين حول إدراج حزب الله بجناحيه الأمني والسياسي على لائحة الإرهاب، وهو ما منح الحزب هامش حركة واسعًا في فرنسا وأوروبا.

أما في الملف السوري، فقد اتسم موقف ماكرون بالغموض، إذ تعامل مع النظام السوري بعدم ثقة، وركّز على الأكراد الذين انتهى وضعهم بسقوط مؤلم. وعندما زار مظلوم عبدي فرنسا، تم استقباله بطريقة بروتوكولية متواضعة، من دون حضور الخارجية أو الوفد الدبلوماسي، وهو ما أعطى إشارات بأن فرنسا، شاءت أم أبت، ستتعامل مع الدولة السورية الحديثة. هذا التحول قد ينعكس إيجابًا على العلاقة مع لبنان والمنطقة بأسرها”.