د.بيار بولس الخوري
مسام
يصل شي جين بينغ إلى واشنطن يوم الأربعاء، في أول زيارة دولة للولايات المتحدة منذ أحد عشر عاماً، ويلتقي دونالد ترامب يوم الخميس للمرة الثانية هذا العام. تُقاس القمم بالمصافحة، وتُحاسَب بعدها بالروزنامة، والروزنامة هذه المرة لا ترحم: خمسون يوماً فقط تفصل العاصمتين عن العاشر من تشرين الثاني، موعد انتهاء الهدنة التي وُلدت في بوسان قبل عام. وفي هذا الموعد تكمن الحكاية كلها.
فقد قامت الهدنة على مقايضة ذات أجل: تعلّق بكين قيودها على المعادن النادرة سنة كاملة وتستأنف شراء فول الصويا، وتقابلها واشنطن بتهدئة. ومقايضة كهذه تنتهي دائماً إلى سؤال واحد: من يحتاج إلى الآخر أكثر حين يحين الأجل؟ وهذا السؤال، لا الصفقات المعلنة، هو ما سيُقاس به لقاء الخميس. كانت قمة بكين في مايو/ أيار قد خرجت بعبارة، لا بصفقة.
فالاستقرار الاستراتيجي البنّاء صياغة صينية تبنّتها واشنطن وأردفتها بشرط الإنصاف والمعاملة بالمثل، فاتفق الطرفان على الكلمة وتركا مضمونها للخلاف. ولم يصدر بيان مشترك ولا اتفاق تجاري شامل، ولم يتحرك ملف تايوان. وما تحقق كان أقرب إلى دستور للعلاقة منه إلى معاهدة: خط مباشر بين الزعيمين يعلو على مسارات الوزارات، ومجلسان للتجارة والاستثمار، ومئتا طائرة بوينغ ومشتريات زراعية. ونال كل زعيم ما يرضيه.
عاد ترامب بطائرات وحبوب تُروى في المزارع وعلى شاشات الأخبار، وعاد شي باعتراف بأن العلاقة بين ندّين، وعلى هذا الاعتراف تقوم شرعية الدول الكبرى. وقد قبض كل منهما الرمز وأجّل الجوهر، فالطائرات لن تبدأ رحلتها إلى أسطول الصين قبل نحو عام 2030 بحسب تقديرات ما قبل القمة، والمجلسان لم يصدر عنهما تفصيل جديد منذ أن فتح الممثل التجاري الأميركي باب التعليقات العامة في حزيران. فالتأجيل هنا يتقاسمه الطرفان، وإن اختلفت أسبابه.
ثم جاءت الأشهر التالية بروايات تتعدد بتعدد العواصم. تقول أوساط أميركية إن مشتريات الصويا لم تنشط إلا أخيراً، وذكرت تقارير أن صفقة بوينغ تعثرت في تموز لأن بكين تريد ضمانة بألا تصير رهينة علاقة صيانة تستطيع واشنطن تقييدها متى شاءت، أي إن السلاح الذي تحمله واشنطن في يدها هو نفسه ما يُبطئ الصفقة.
وفي مجموعة العشرين وقفت الصين وحدها ضد صيغة تدعو إلى إنهاء “السياسات غير السوقية”، فسقط البيان المشترك. وهكذا يسجّل كل طرف في دفتره ما لم يوفِّه الآخر. ولا تكفي الدفاتر لفهم بقاء الهدنة. فالاعتماد المتبادل بين الاقتصادين ليس صداقة، إنه رهينة مشتركة، والرهائن المتبادلة تصنع هدنات أكثر مما تصنع سلاماً. ما يُبقي الهدنة قائمة هو كلفة انهيارها على الجانبين، لا الثقة بينهما، وهذه الكلفة تُحسب من جديد كلما اقترب الأجل.
أما كلفة الانهيار فليست متساوية، لأن لكل طرف مفتاحاً يمسكه. في يد بكين المعادن النادرة، وتعليق قيودها ينتهي في العاشر من تشرين الثاني، وهي ورقة تزداد ثقلاً كلما دنا الموعد. وفي يد واشنطن الرسوم، وضوابط الرقائق التي يبحث الكونغرس تشديدها، وحزمة سلاح لتايوان تتجاوز أربعة عشر مليار دولار تحتجزها مراجعة البيت الأبيض.
وقد وصف ترامب نفسه مبيعات السلاح لتايبيه بأنها ورقة مساومة جيدة، فدخلت تايوان جدول التفاوض التجاري من باب الرئيس، لا من باب خصومه. ومن هنا تصير المدة موضوع المساومة الأول. تريد واشنطن تمديداً قصيراً يُبقي الرسوم والقيود في متناول اليد، وتريد بكين إطاراً يمتد سنوات ليعرف مصدّروها ومستثمروها ما ينتظرهم. فمن يقصّر الأجل يحتفظ بالسلاح، ومن يُطِله يشترِ اليقين، وقلّ أن يُشترى في التجارة شيء أغلى من اليقين.
وإلى هذه الحسابات أضافت الأشهر الماضية ملفاً لم يكن على الطاولة بهذا الحجم، هو الحرب على إيران. اتفق الزعيمان في أيار على أن طهران لا تملك سلاحاً نووياً وأن هرمز يبقى مفتوحاً، ثم صار الملف ساحة اشتباك: حذّر ترامب بكين من مدّ يد العون إلى طهران، وطاولت عقوبات الخزانة شركات وأفراداً في الصين وهونغ كونغ. والحرب نفسها ترفع سعر الوقود في محطات أميركا، فيصير الملف الواحد سياسة خارجية وضغطاً على الناخب في آن واحد. وتايوان، إلى جانبه، تنتظر عند الباب. تريد بكين من ترامب عبارة أوضح ضد استقلال الجزيرة، وكل إشارة أميركية في هذا الملف تُقرأ في بكين ثمناً يُدفع مقابل شيء آخر، وتُقرأ في تايبيه ثمناً تدفعه تايوان.
أما الحساب الداخلي فأشد على واشنطن مما تُظهر. بلغ التضخم الأميركي 3.4% في آب، وارتفع البنزين 27.4% في عام، ورفع الفيدرالي الفائدة في السادس عشر من أيلول، وجاوز عائد سندات العشر سنوات 5%. وتنقضي الهدنة بعد أسبوع واحد من انتخابات التجديد النصفي، وإدارة تقرأ هذه الأرقام في ضوء صناديق الاقتراع لا تشتهي جولة رسوم جديدة. والصين لا تدخل القاعة مرتاحة. فالإنفاق بالتجزئة لم ينمُ في آب إلا 0.4%، والاستثمار في الأصول الثابتة تراجع 7.2% في ثمانية أشهر، واقتصاد بهذه الملامح يحتاج إلى أسواق تصدير مستقرة ولا يحتمل حرب رسوم جديدة.
ولذلك يصطحب شي وفداً كبيراً من رجال الأعمال، وهذا نادر، فيقول بالتجارة والاستثمار ما لا تقوله المشتريات المعلنة. فالوقت لا يعمل لأحد وحده: ساعة واشنطن انتخابية، وساعة بكين صناعية، وكل منهما يريد الهدنة لسبب يخصه، فيختلفان على مدتها لأن الأسباب مختلفة.
وفي هذا المشهد يدخل اليوان رسالةً. فقد بلغ 6.6957 للدولار يوم الاثنين، أقوى مستوى له منذ نحو ثلاث سنوات ونصف، بعد أن أرخى البنك المركزي قبضته عن سعر الصرف وقوّى التثبيت اليومي ثماني جلسات متتالية. وصعدت العملة بعد رفع الفيدرالي الفائدة، أي في عكس ما تقضي به النظرية. المصدّرون الذين يحوّلون عوائدهم يفسّرون الاتجاه، والبنك المركزي يفسّر التوقيت. وللحركة قراءتان. ترى واشنطن فيها تنازلاً مسبقاً يُسقط تهمة التخفيض التنافسي للعملة، وقد قال وزير خزانتها لمجموعة العشرين إن العالم لا يحتمل صيناً بفائض تجاري قدره 1.2 تريليون دولار. وترى بكين فيها إعلان قوة، فعملة تصعد أمام دولار يرتفع عائده لا تتصرف كعملة تخشى الجلوس إلى الطاولة.
وفي القراءتين معاً، يبقى اليوان الأقوى أرخص ما تقدمه بكين في هذه المرحلة، إذ يمسّ هوامش المصدّرين ولا يمسّ النموذج الصناعي. وهي قوة بلا سند داخلي. فجوة العوائد بين البلدين واسعة وتشدّ الأموال نحو الدولار، والطلب الصيني الداخلي لا يعوّض، وقد حذّر مصرف OCBC من قراءة الحركة بداية دورة صعود مستدامة. وعملة قائمة على فائض تصدير تشكو منه واشنطن تحتاج إلى سلام تجاري كي تبقى قوية، فإن عادت الرسوم انكمشت العوائد التي ترفع اليوان.
ويتوقف حجم الخطر على سبب صعود العوائد الأميركية: إن كان نمواً قوياً خفّ أثره على الأصول الصينية، وإن كان موجة تضخم وعلاوة مخاطر على الدين الأميركي ضغط على اليوان والأسهم والسندات معاً. أما الحزمة المتداولة، وهي تخفيض متبادل لرسوم تبلغ قيمتها 30 مليار دولار على كل جانب في سلع غير استراتيجية بحسب بيسنت، فتمسّ الهامش ولا تمسّ البنية، وخلفها جدار الرقائق الذي لا يجتازه أي تخفيف تجاري.
والأسواق لا تكافئ الخبر السار في ذاته، بل الفارق بين ما توقعته وما نالته، وسقف التوقع مرتفع والمعلن المنتظر متواضع. لهذا لا تُقاس قمة الخميس بالمصافحة ولا بطلبية طائرات جديدة، بل بسؤال ذي شقين: هل تخرج المجالس من البيان إلى العمل وتمتد الهدنة مدة تتيح للشركات أن تخطط بأفق يزيد على أشهر؟ وهل يدخل البلدان الشتاء بقواعد لإدارة الخلاف أم بموعد جديد لانتهائه؟ وأخوف ما تخافه الأسواق ليس الفشل، بل النجاح الشكلي: بيان دافئ وتمديد لأسابيع يعيدان الطرفين إلى الموعد نفسه بأعباء أثقل.
وما يجري في واشنطن لا يخصّ العاصمتين وحدهما، فاقتصادات آسيا التي تمشي عملاتها في ظل اليوان تراقب المشهد، ولا تملك أن تطمئن إلى أن تفاهم القوتين يحمي نظام التجارة الذي تعيش عليه. وبعد القمة تُراقَب أربعة أمور: عائد الخزانة الأميركية، والدولار، وتدفقات رؤوس الأموال إلى الصين، وحجم فائضها التجاري. فإن استقرت، فقد اشترى الطرفان وقتاً، وإن تحركت بدأ دفع الثمن الذي أُجِّل في بكين. وفي الحالتين، الوقت الذي اشتُري في أيار ينتهي في العاشر من تشرين الثاني.
ن





