الملف الإستراتيجي
هل يستعيد لبنان سكة الحديد بالطريقة التي يستعيد بها اليوم كهرباءه وماءه، بحيث تتدبّر كل أسرة وكل بلدة أمورها؟ السؤال طرحه قطار صغير سار في البربارة قبل أيام، وجوابه في حكاية عمرها قرنان.
يُروى أن الأمير بشير الشهابي الثاني أراد جرّ ماء نبع الصفا إلى قصره في بيت الدين. فاستكثر المهندسون المدة واستعظموا النفقة. وكان في قرية شانيه رجل يسمّيه الناس الأخوت، فقال: يقف الرجال صفًا من النبع إلى القصر، ويحفر كل واحد منهم بطول قامته. فأمر الأمير، وجرى الماء.
يحفظ اللبنانيون من الحكاية أن العمل الكبير يسهل إذا قُسم. وينسون شرطها: الخط كان واحدًا، والأمير هو من رسمه وصف الناس عليه. لهذا التقت الحُفَر وصارت قناة.
منذ سنوات، واللبنانيون يحفرون، كلٌ بطول قامته. الأسرة تركب ألواحها الشمسية وتشتري ماءها من الصهاريج. وقد تضاعفت الطاقة الشمسية في البلاد أكثر من خمس عشرة مرة خلال خمس سنوات، من مال الناس وعلى سطوحهم.
وهذا حفر بلا خط. من يملك ثمن الألواح يخرج من العتمة، ومن لا يملكه يبقى مع المولد وفاتورته. وحين يغادر القادرون المرفق العام، لا يبقى فيه من يضغط لإصلاحه. الحُفَر تكثر، والقناة لا تنشأ.
ثم جاء قطار البربارة. في التاسع من تشرين الأول، سار في البلدة قطار كهربائي صُنع في لبنان ويعمل بالطاقة الشمسية. سيّرته البلدية بإذن من مصلحة سكك الحديد، على امتداد ثلاثة كيلومترات ونصف الكيلومتر من السكة القديمة. وحضر وزير الأشغال، ودعا من هناك إلى لامركزية حقيقية تملك فيها البلديات الصلاحيات والمال.
فهل تعود السكة هكذا، بلدةً ببلدة؟
في السكة ما يقرب الجواب من “نعم”. الخط هنا مرسوم سلفًا، والأرض ملك عام من الناقورة إلى طرابلس. مدّ جيش الحلفاء خط الساحل سنة 1942، ثم اشترته الدولة. فالبلدة التي ترفع التعدّيات عن مقطعها وتحرسه تحفر بطول قامتها على خط واحد، وحفرتها تلتقي بحفرة جارتها. هذه طريقة الأخوت بشرطها.
وفيها ما يجعل الجواب ناقصًا. فالقطار لا يعبر من بلدة إلى أخرى إلا إذا توحّدت المواصفات: الإشارات والجسور وقواعد السلامة. وهذه لا تقرّرها بلدية. وقطار البربارة يقطع أقل من اثنين في المئة من خط الساحل، بسرعة دراجة هوائية.
ثم إن الخط مقطوع في مواضع لا تصلها يد بلدية. فجسر نهر الكلب فُكك سنة 1995 لتوسعة الطريق السريع، والتي فككته هي الدولة صاحبة الخط.
الجواب إذن من شقين. البلدات تستطيع أن تسترد المسار مقطعًا بعد مقطع، وهذا نصف العمل وأصعبه. أما القطار الذي يحمل الناس من طرابلس إلى بيروت، فيحتاج إلى جهة واحدة تضع المواصفات وتصل المقاطع وتسيّره.
واللامركزية التي دعا إليها الوزير لها اختبار بسيط: هل ينتقل المال والصلاحية مع المسؤولية؟ إن انتقلا، فهي تفويض. وإن انتقلت المسؤولية وحدها، فهي انسحاب.
حكاية الأخوت لم تكن عن الحفر، بل عن الخط الذي سبق الحفر. في الكهرباء والماء، لدى لبنان حافرون بلا خط. وفي السكة، لديه خط ينتظر من يصفّ البلدات عليه.





