شراكة سعودية-فرنسية جديدة إقليمية بـ6 مليارات يورو

كرّست زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى باريس ولقاؤه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رغبة القيادتين في إعطاء زخم جديد للعلاقات التاريخية بين البلدين، سياسياً واقتصادياً. وعكست حفاوة الاستقبال والانسجام الشخصي بين الرجلين الأهمية التي أولتها فرنسا للزيارة.

وترأّس الزعيمان الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي – الفرنسي، بعدما حضرا ختام كأس العالم للرياضات الإلكترونية. وأقام ماكرون عشاء دولة في قصر الإليزيه شارك فيه وزراء وكبار رجال الأعمال الفرنسيين، ثم سار مع ضيفه من القصر إلى مقر اجتماع مجلس الأعمال الفرنسي – السعودي في جادة فوبور سان أونوريه، التي أخليت من المارة.

وضم الوفد السعودي وزير الطاقة الأمير عبد العزيز بن سلمان، ورئيس “أرامكو” أمين الناصر، ووزراء الإعلام والثقافة والاستثمار، في حضور عكس الثقل الاقتصادي للزيارة إلى جانب بعدها السياسي.

تصدّر الملف الإيراني المحادثات، إذ شدد الجانبان على ضرورة عودة طهران إلى المسار التفاوضي مع الولايات المتحدة تفادياً لمزيد من التصعيد والحرب في المنطقة. فاستمرار المواجهة يعرّض إيران لمزيد من العقوبات الأميركية التي يُرجّح أن تلتزم بها دول كثيرة، ويضاعف الضغوط الاقتصادية عليها.

وأكد الزعيمان ضرورة التوصل إلى حل ديبلوماسي يضمن الطابع السلمي للبرنامج النووي الإيراني، وعودة طهران إلى التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وسط مخاوف غربية وإقليمية جدية من إمكان استخدام برنامجها النووي لأغراض عسكرية.

وفي ملف مضيق هرمز، أدانا الهجمات على السفن والتهديدات لأمن الممرات البحرية، وشددا على إعادة الملاحة إلى وضعها الطبيعي قبل 28 شباط/فبراير، بما يضمن حرية العبور وانتظام حركة السفن من دون رسوم مباشرة أو غير مباشرة أو قيود على المرور.

وفي الملف اللبناني، توافق الجانبان على دعم الرئيس جوزف عون وحكومة الرئيس نواف سلام في إعادة بناء مؤسسات الدولة وحصر السلاح بيدها، إلى جانب دعم الجيش اللبناني لتمكينه من بسط سلطته، والتشديد على انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي اللبنانية.

وعلمت “النهار” أن فرنسا وإيطاليا تنسقان لبحث إمكان مشاركتهما في ترتيبات ما بعد انسحاب “اليونيفيل”. وتؤكد مصادر فرنسية أن الإدارة الأميركية لن تغيّر موقفها الرافض لتمديد مهمة القوة الدولية، في ظل الرفض الإسرائيلي لاستمرارها.

وفي القضية الفلسطينية، أدانت فرنسا والسعودية عنف المستوطنين وسياسة الاستيطان في الضفة الغربية، لما يشكلانه من تهديد لحل الدولتين، ورحبتا بالإعلان عن انتخابات تشريعية ورئاسية فلسطينية. ويعوّل البلدان على تماسك حركة “فتح” وتجديد قيادة السلطة الفلسطينية، كما رحبا بالإعلان عن اتفاق على نزع سلاح “حماس” ودعوا إلى تنفيذه.

وبشأن اليمن، أكد الجانب الفرنسي تضامنه الكامل مع السعودية ورفضه استفزازات الحوثيين وأي اعتداء على أراضي المملكة. وشدد البلدان على وحدة سوريا واستقرارها وتعافيها الاقتصادي، وبناء إطار مؤسساتي قوي يتيح تكثيف الاستثمارات، ودعوا إلى إنهاء الأزمة في السودان ووقف التدخلات الخارجية.

وحضر الاقتصاد بقوة في الزيارة التي شهدت الإعلان عن أكثر من 22 اتفاقاً ومذكرة تفاهم في قطاعات تشمل الطاقة والنقل والدفاع والصحة والذكاء الاصطناعي والترفيه، إلى جانب تمديد الشراكة الفرنسية – السعودية حول العلا حتى عام 2035.

وبرز خصوصاً مشروع سعودي بقيمة 6 مليارات يورو لتطوير مجمع ترفيهي ضخم في سيرجي – بونتواز، شمال غربي باريس. ويتضمن المشروع ما يصل إلى 3 وجهات رئيسية وفنادق ومرافق ثقافية ورياضية، بينها مدينة مستوحاة من “دراغون بول”، على نطاق قارنه ماكرون بديزني لاند باريس.

وأظهرت الزيارة متانة العلاقة بين البلدين والتقارب بين قيادتيهما. ومع دخول ماكرون الأشهر الأخيرة من ولايته، تتعامل الرياض مع فرنسا كشريك استراتيجي أوروبي طويل الأمد، بما يضمن رسوخ الشراكة أياً كانت هوية ساكن الإليزيه المقبل.