انعقدت الهيئة العامة للمجلس المذهبي لطائفة الموّحدين الدروز في جلسة استثنائية اليوم في دار الطائفة في بيروت، بدعوة من سماحة شيخ العقل – رئيس المجلس الشيخ الدكتور سامي ابي المنى، وحضور الاستاذ وليد جنبلاط، لمناقشة ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب تيمور جنبلاط، ووزيري الاشغال العامة والنقل فايز الرسامني والزراعة الدكتور نزار هاني، والنواب: مروان حمادة، أكرم شهيب، هادي أبو الحسن، فيصل الصايغ، وائل أبو فاعور، والنائب السابق غازي العريضي، إضافة الى مشاركة رؤساء الأركان وقادة امنيين سابقين ومقربين، ورئيس وقضاة محاكم الاستئناف والمحاكم المذهبية، ومشايخ وأعضاء المجلس.
استهل الرئيس وليد جنبلاط كلمته بتقديم مذكرة خاصة الى المجلس المذهبي حول اتفاق الإطار والثغرات الكامنة في بنوده، قائلا: ان اتفاق الإطار “ليس اتفاقًا ثلاثيًا، بل أحاديًا أملته إسرائيل والولايات المتحدة، التي هي ليست بالقوى الضامنة التي يُركن إليها”.
وقال إن “إسرائيل أملت هذا الاتفاق على فريق لبناني في الخارج والداخل يتمتع بخبرة محدودة في القانون والدبلوماسية، وبعض الموظفين، وتلاقوا مع جماعة بعبدا والسراي”.
وأضاف: “أيّدت بالأساس التفاوض، لكن ليس لنصل إلى هذا الاتفاق أو الإطار الذي لن يؤدي إلى وقف إطلاق النار”، معتبرًا أن “الحديث عن سلام مع إسرائيل مستحيل”، ومستشهدًا بكلام الأمير تركي الفيصل، الذي وصفه بأنه “مهم جدًا” بشأن سياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وإسرائيل.
وقال: “فلنُقلع عن كلمة سلام احترامًا لأنفسنا وللتاريخ”.
وشكر جنبلاط “استضافة بني معروف أهلنا في الجنوب”، داعيًا الدولة إلى “التحضير بأسرع وقت لمراكز إيواء جديدة في الجنوب إذا أمكن”. كما حيّا “جهد سماحة الشيخ في القمة الروحية والبيان الصادر عنها”، لافتًا إلى أن “كلمة العدو الصهيوني، التي لم نسمعها من بعض من هم في الداخل، وردت في البيان الذي دان العدوان الصهيوني الثابت والمستمر”.
واعتبر أن “مذكرة الإطار أطاحت بكل مقومات اتفاق الطائف، وهذا أمر خطير جدًا”، مشيرًا إلى أنه “منذ اتفاق الهدنة عام 1949 وصولًا إلى اتفاق الطائف وكل القرارات الدولية، ورد الانسحاب من الجنوب اللبناني، إلا في هذه المعاهدة وهذا الإملاء”.
وأضاف: “هذا ما وصلنا إليه عندما يُسلَّم مصير البلاد إلى جماعات لا خبرة لها بالسياسة الدولية، وهمّها السلطة فقط”.
وتوجّه جنبلاط إلى رؤساء البلديات في الجنوب، داعيًا إلى “رفض دعوات الالتحاق بإسرائيل، والتضامن مع أهلنا في الجنوب”.
وكان افتتح اللقاء أمين السر في المجلس المذهبي المحامي رائد النجّار بكلمة ترحيبية أشار فيها إلى “استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان وتهجير السكان والتدمير الممنهج لكل مقومات الحياة في الجنوب، كان وسيبقى الهاجس الأساس لدى طائفة الموحدين الدروز، مؤكداً وجوب مناقشة بنود “اتفاق الاطار” والبحث في مضامينه.
شيخ العقل
ثم القى سماحة شيخ العقل كلمة قال فيها: الأستاذ وليد بك جنبلاط، الأخوة الوزراء والنواب والقضاة وأعضاء المجلس الكرام، في القمة الروحية التي عُقدت هنا منذ شهر وخمسة أيام قلنا: “علينا أن نكونَ على مستوى المسؤولية والتحدّي، نشدُّ أزر بعضِنا بعضاً، ونحتكم إلى دستور البلاد، ونُحْيي في شعبنا روحَ الصمود والثبات وصيغةَ العيش الواحد المشترَك. إذا قاومنا فمن أجل لبنان، وإن تحاورنا في ما بيننا فمن أجل لبنان، وإن تفاوضنا بثقةٍ فلِخَلاص لبنان، ولاؤُنا يجبُ أن يكونَ للوطن وللدولة”، وإن “أقوى دروع الصمود هو درعُ الوحدة الوطنية”.
أضاف: “وهذا ما نعود ونؤكِّد عليه اليوم في خضمّ ما يواجهنا من تحدّيات، وما يجري حولنا من نقاشات أثارها توقيع اتفاق الإطار؛ من الدار ذاتها ومن القاعة ذاتها، حيث الوسطية والوطنية والعقلانية والاعتدال، وقد التقينا للتشاور وقول الكلمة الواضحة الجامعة، وتأكيد تعلُّقِنا بالثوابتِ الوطنية، والعيشِ الواحد المشترَك، مُدركين أننا بحاجة إلى موقفٍ موحَّد، لا إلى تخوين أحدٍ منَّا أو استقواءِ أحدٍ على أحد، فكلُّنا لبنانيون، وليس هناك من غريبٍ بيننا، وما علينا إلّا أن نحترم دستورَنا وصيغةَ التنوّع في الوحدة التي تُميّزُنا، وأن نُراعيَ هواجسَ بعضنا بعضاً، وإلَّا كيف يمكننا أن نعيشَ الحالةَ الوطنية في لبنانِنا الكبير الذي ناضل أجدادُنا لقيامِه، وكيف يمكنُنا أن نحافظَ عليه؟
في كلِّ مرحلة مفصلية من تاريخِنا القديم والحديث، نكتشف أنّ الواقعَ اللبناني بحاجة إلى تنسيقٍ عميق بين عائلاته الروحية وقواه الوطنية، وإلى سياسة حكيمة تعزّز الصمود، اقتصادياً واجتماعياً وثقافيّاً ودبلوماسياً. ونحن نُدركُ أن هناك في الخارج من لا يبالي إذا بقي لبنانُ ساحةَ صراع، ولكننا نُدرك في الوقت ذاتِه، أنّ إسرائيلَ باحتلالها للأرض أو بهيمنتِها على السماء، دخلت وتدخل بشراسةٍ على الواقع اللبناني محاولةً تمزيقَه من الداخل، عبر قواتها العسكرية وغرفها السوداء ووسائل التخريب الاجتماعي التي تُحرِّكُها”.
تابع: “وها قد وصلنا إلى ما وصلنا إليه بعد حربٍ ضروس مدمِّرة، نأمل أن تنتهي وأن يحلَّ بعدها السلام، ولكن أين هو السلام؟ وكيف سيتحقّق إذا لم يكن هناك ثباتٌ داخلي وسعيٌ حثيثٌ وضغطٌ دولي لاستعادة الحقوق؟ والجميع يعرف أن الدولة ذهبت مرغَمة إلى التفاوض للخروج من المأزق الكبير الذي أُوقِعت فيه، وهي محتاجةٌ من الجميع إلى مؤازرتها في تحمُّل مسؤولياتِها، والوقوف إلى جانب رئاسة الدولة في سعيِها الدؤوب لحماية لبنان ودفع الأذى عنه، وللوصول إلى اتّفاقٍ مُطَمْئنٍ للبنانيين جميعاً، بتوضيح ما يجب توضيحُه، وإعادة النظر بما أُثير الالتباسُ حولَه، والتفاهم مع جميع الأطرافِ على مسارٍ وطنيٍّ موحَّد، بهدف الوصول إلى الغاية الموحَّدة، وهي تحرير الأرض واستعادة الحقوق، وتفادي الانزلاق إلى مزيد من المواجهات، والعمل على تثبيت مسار السلام بصدقٍ واقتناع، كي لا يبقى لبنانُ ساحةً مُستباحة، وكي لا يكون جنوبُه جائزةَ ترضية في زمن الحروب العبثية في المنطقة.
صحيح أن أمننا من أمن المنطقة، وما يُصيب اخوانَنا العرب يصيبُنا ويُصيب أبناءنا المنتشرين في الخليج، ولا يمكن الفصلُ التامّ بين ما يجري عندنا وما جرى ويجري هناك، لكن علينا أن نعالجَ مشاكلَنا أولاً، بما نملكُه من قدرةٍ على إدارة شؤوننا في ما لو توحَّدنا، وبما لدينا من علاقاتٍ وصداقات على مستوى العالمَين العربي والدولي، وعلى الولايات المتحدة الراعية للاتفاق أن تُثبتَ مصداقيتَها، بالضغط على إسرائيل أولاً لمنعها من الاستمرار بعملياتها العسكرية، وبمساعدة الجيش اللبناني ودعمِه لتمكينه من تنفيذ مهمته في تأمين الاستقرار وسيادة الدولة في الجنوب وفي كل أرجاء الوطن، وعلى الأمم المتحدة والدولِ المعنية التدخّل والقيام بدورها، لتكون شاهدةً، على الأقلّ، على تنفيذ الانسحاب واستعادة الحقوق، ومنع أيّ خرق أمني وأيّ غزوٍ جديد”.
وقال: “من البديهي القول أن هناك ثوابت وطنية لا تتبدّل مهما كثرت الضغوطات وتضاعفت التحدّيات، ولكن لا بدّ من التكيُّف مع الواقع المُتغيِّر، فالتاريخ لا يُمحى، والمستقبلُ رهنُ ثباتِنا ومرونَتِنا، ومن الحكمة تقييمُ الإطار بدقّةٍ وواقعية وروحٍ وطنية، على ضوء إمكانية تحقيق الهدفِ الوطني منه، بإزالة العدوان ووقف النزيف، وبتحقيق التوازن الفعلي بين الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية وبين بسط سيادة الدولة بجيشها على تلك الأراضي، وإلّا فلماذا التفاوضُ ولماذا الاتفاق إذا لم تُحسم هذه الجدلية ولم يلتزم الجميعُ بالمسار الصحيح!”
تابع: “يحقُّ للبنانيين التساؤل عن مدى التزام إسرائيل بأيِّ إطارٍ أو اتفاق، وهي التي لا حدود لأطماعها، لا في الزمان ولا في المكان، فهل التزمت باتفاق الهدنة الموقّع عام 1949، وقد نقضت مبادئه وتحدَّت الشرعيةَ الدولية بانتهاكاتها؟ ومن يقول إن اتفاق 17 أيار، لو تمَّ، كان سيُوقف إسرائيل عن ممارسة عدوانها، وهي التي كانت لا تتورّعُ عن إيجاد الذرائع لنقضه؟ كذلك الحال بالنسبة للإطار الثلاثي الحالي الموقّع تحت التهديد بالنار والدمار، والذي يُخشى كذلك من التحايل عليه وتفسيره كما يحلو لها، والذي لا بد من استدراك مفاعيلِه السلبية بموقفٍ صارم لتطويق حرية إسرائيل المعتادة على اختلاق الذرائع والحجج لإطالة أمد احتلالها وهيمنتها وتحقيق أحلامها التوسُّعية”.
أضاف: “أمّا السؤالُ الأهمُّ الذي يجب أن نتوقَّفَ عنده، فهو: أين نحن من هذه التحدّيات؟ وهل يجوز أن يتحوَّلَ الصراعُ مع العدوِّ إلى صراعٍ داخليّ في ما بيننا نتيجةَ المواقفِ المتقابلة من هنا وهناك؟ وهل يجوز بعد اليوم الاستفرادُ بالقرارات المصيرية والاستقواءُ على الدولة والتجرّؤُ على مؤسساتها الرسمية؟ وهل يجوز في الوقت نفسه الاستخفافُ بالنوايا العدوانية لإسرائيلَ والرضوخُ لمطالبها بطواعيةٍ وتصديق؟ أما آن لنا أن نتضامن للحدِّ من التأثير الخارجي السلبي على قراراتِنا الوطنية، وأن نعملَ لتحقيق التفاهم الوطني أولاً قبل التفاهم مع أيِّ جهةٍ صديقةٍ أم عدوَّة؟”.
وقال: “إننا إذ نُعيد التأكيد على ما قلناه في بيان القمة الروحية، من وجوب “اعتماد الحكمة والشورى في مقاربة القضايا المصيرية التي تواجه لبنان، ومن “ضرورة ترسيخ ميثاق الشراكة الروحية الوطنية بين العائلات اللبنانية، وتأكيد أحقية الدولة في بسط سلطتها على الأراضي اللبنانية كافة”، فإننا نرجو أن يلتفَّ الجميعُ حول الدولة لتحقيق ما هو ممكن وأساسيّ، مُدركين أن هذا الإطار “التوجيهي” غير مثالي، كما قال فخامة الرئيس، وقد جاء في ظروفٍ معقّدة ومختلفة عن السابق، على أمل أن يُحقِّقَ ما يتوخّاه الرئيس عون من إنهاءٍ لحالة الحرب المتكرّرة وصون شرعية الدولة، بما لديه من شجاعةٍ ووطنية، وما يُصرّ عليه الرئيس برّي من رفضٍ للفتنة ودعوة إلى ضبط النفس، بما لديه من حكمةٍ واتّزان، وما يسعى إليه الرئيس سلام من تثبيتٍ لهيبة الدولة وتحمُّل مسؤولية الإصلاح والإنقاذ، بما لديه من ثقةٍ والتزام، دون أن يكون في ذلك أيُّ تنازلٍ عن حقوق لبنان، بل سعيٌ لبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، تأكيداً من الجميع بأنّ هذا الإطارَ المثيرَ للجدل ليس اتفاقاً نهائياً للسلام، بل هو سبيلٌ لإنهاء حالة الحرب والاعتداء على البلاد، ولتحقيق الاستقرارِ على جانبَي الحدود، على أمل ألّا يشكّلَ أيُّ بندٍ منه خروجاً عن اتفاق الطائف الذي يؤكّد على الالتزام باتفاقية الهدنة كقرار دولي متوازنٍ ومعقول يُرسي العقدَ الاجتماعي والسياسي اللبناني على طريق “استعادة السيادة وإعادة بناء مؤسسات الدولة”، وعلى حذرٍ من أن يتحوَّلَ اتفاقُ الإطار هذا إلى إطارٍ لأزمة جديدة في لبنان، ولهذا نحن هنا اليومَ للتشاور في ماهية الدور الذي يمكن أن نقومَ به مع شركائنا في الوطن، تفادياً لتداعياتٍ سلبيةٍ نحن بغنى عنها، وتأكيداً على رسالة وطنية نتشاركُ في حملِها بوعيٍ ومسؤولية، حريصين مع وليد بك ومع كلِّ المخلصين على صيانة السلم الأهلي وعلى حفظ الثوابت الوطنية. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاتُه”.
وكان قد ناقش أعضاء المجلس والحضور بنود المذكرة المقدمة من جنبلاط، حيث أكد المجلس على مضامينها، والتي تتلخص بالتنبيه الى خطورة “اتفاق الإطار” باعتبار ان ذلك لا يكمن فقط في بنوده، بل في الفلسفة التي يقوم عليها، اذ أسقط جميع الاتفاقات والقرارات الدولية التي تحمي لبنان من العدو الإسرائيلي، بدءا من اتفاقية الهدنة ووصولا الى القرار 1701. فهو لا يعالج الاحتلال بوصفه سبباً مركزياً للنزاع، بل يحوّله إلى نتيجة مشروطة بالوضع الداخلي اللبناني. ولا يحفظ حق لبنان في مقاومة الانتهاكات قانونياً وسياسياً، بل يضع قيوداً فضفاضة على تحركه الدولي. ولا يعيد الاعتبار لاتفاقية الهدنة التي كانت تمنح لبنان حماية قانونية أممية، بل يستبدلها بإطار أميركي ـ إسرائيلي يفتح الباب أمام وصاية أمنية وسياسية جديدة.
وتخلص المذكرة الى التحذير من مغبة ان يصبح لبنان جرّاء الاتفاق أمام معادلة خطيرة، قوامها: إما الدخول في مواجهة داخلية حول السلاح قد تهدد السلم الأهلي، وإما القبول ببقاء الاحتلال والتهجير والاعتداءات تحت عنوان عدم اكتمال شروط التنفيذ. وفي الحالتين، تكون إسرائيل قد حصلت على ما تريده، اي تحويل احتلالها من خرق واضح للقانون الدولي إلى مسألة تفاوضية مرتبطة بالداخل اللبناني، وهذه هي أخطر نتائج الاتفاق.





