المسيحي المشرقي… رسول سلام وبناء وحرية

  • الروابط * جورج كريم

منذ حرب عام 1975، حرب التهجير على أرضنا، وحرب الأخوة في ما بيننا، وحروب المناطق التي مزّقت أرضنا وشتّتت أبناءنا، واللبنانيون يهاجرون قسراً، ويُهجَّرون من ديارهم، وينتشرون في أصقاع الأرض، من سوريا ومصر والأردن وقبرص، وصولاً إلى أقاصي دنيا الله الواسعة.
ورغم ما حملته هذه الهجرات من آلام ومعاناة، وما خلّفته الحروب من مآسٍ وتهجير واقتلاع من الجذور، بقيت صورة اللبناني في بلاد الانتشار مرتبطة، في جوهرها، بالسعي إلى الحياة والعمل والإنتاج وبناء العلاقات الإنسانية.
ولم نعتد أن تكون الجريمة أو الاعتداء أو السلب والنهب وسيلة اللبناني في التعامل مع الآخرين، أو أن يكون القتل بدافع السرقة، والخطف من أجل الابتزاز، والاعتداء بسبب الاختلاف الديني، سلوكاً يعبّر عن هويته. في المقابل، شهدت مجتمعات أخرى، في ظروف مختلفة، ممارسات عنيفة تمثّلت في القتل والسرقة والخطف والابتزاز ومصادرة الممتلكات والاعتداء على الآخرين، تحت تأثير الحقد والتعصّب، أو نتيجة ثقافة أحادية لا تتقبّل الآخر، ولا تعترف بحق المختلف في الوجود والكرامة.
إن المسيحي لا يحمل إلا غصن الزيتون، رمز السلام وبشرى الطمأنينة، كما في قصة النبي نوح، وكما في بستان الزيتون الذي شهد صلاة السيد المسيح وتأمّله في آلام البشرية. فالزيتون في الوجدان المسيحي ليس مجرد شجرة، بل هو رمز متجذّر للسلام والثبات والبركة والحياة.

لقد هُجّر المسيحي المشرقي من أرضه بفعل الغزوات ذات الخلفيات الدينية والتوسعية، لكنه، رغم مرارة التهجير وقسوة الاحتلال والاغتصاب، ظلّ متمسكاً بقيم الأخوّة والرحمة الإنسانية، وتعاطى مع الآخر، حتى حين كان مغتصباً أو محتلاً لأرضه، بمنطق التعايش والسلام، لا بمنطق الانتقام والإلغاء.

وكان همه الدائم ازدهار المدن، ورفاه الإنسان، وبناء المجتمعات، من دون أن يستثني من خير هذا البناء حتى من اختلف معه أو احتل أرضه. فالإيمان الحقيقي لا يُقاس بمدى القدرة على إقصاء الآخر، بل بمدى القدرة على احترام إنسانيته وحقه في الحياة.

ويطول الكلام إذا أردنا التوقف عند إسهامات المسيحيين في المشرق، في العالم العربي والمغرب العربي، وما قدّموه، وما زالوا يقدمونه، من علوم ومعارف وثقافات وإبداعات، أسهمت في مواكبة الحضارة والحداثة والتمدّن، وفي بناء مؤسسات التعليم والطب والصحافة والفكر والثقافة، وترسيخ قيم الانفتاح والتنوّع.

وفي هذا السياق، يلفت الانتباه ما أقدم عليه بالأمس الصحافي اللبناني الكبير جهاد الزين، بإصداره كتاباً بعنوان «الأزمة الثقافية للمسيحية السياسية اللبنانية وصحوتها»، والذي يقدّمه، وفق ما نُقل عنه، بوصفه كتاب اعتذار عن خمسين سنة. وقد أشار إلى أن المقاربة المسيحية اللبنانية جوهرية وصحيحة، لكن ممارسة الأحزاب وأداءها كانا خاطئين.

وهنا تكمن أهمية التمييز بين جوهر القضية وممارسات القوى التي ادّعت تمثيلها؛ فالقيم والمبادئ شيء، والأخطاء السياسية والحزبية شيء آخر، ولا يجوز أن تُحمَّل الفكرة مسؤولية إخفاق من أساءوا تمثيلها.

وخلاصة هذه العجالة أن المسيحي، أينما كان، مدعوّ إلى أن يكون رسول حياة وسلام، ورسول بناء وفرح وعمران، وحاملاً مشعل العلم والإبداع والعطاء. والأهم من ذلك كله، أن يبقى مدافعاً عن الحرية وكرامة الإنسان، وعن حق كل إنسان في أن يعيش آمناً، حراً، مصون الكرامة، بعيداً عن التعصّب والإقصاء والاضطهاد.

فالمسيحية المشرقية ليست حكاية تهجير وانكسار، بل تاريخ من الحضور والعطاء، ورسالة إنسانية عنوانها السلام، وجوهرها المحبة، وغايتها الإنسان.
في ٢تشرين الثاني ٢٠٢٦