ثمنُ المولّد وثمنُ الانتظار: قروض الشمس وإعادة رسم قطاع الطاقة | بقلم د. بيار الخوري

الملف الإستراتيجي

كلما اتّسع اكتفاء المناطق ذات الأسطح الواسعة بطاقتها الموزّعة، تراجع الضغط على شبكة مؤسسة كهرباء لبنان.

أعلن وزير المال ياسين جابر، في السابع والعشرين من تشرين الأول 2026، أنّ الوزارة تُعدّ برنامجاً للقروض الميسّرة المخصّصة للطاقة الشمسية. تبلغ المساهمة الأولية للخزينة نحو عشرين مليون دولار، ومن المحتمل أن يوفّر البنك الدولي منحة مماثلة. يبدو الخبر إجراءً تمويلياً محدود الحجم، لكنه يطرح سؤالاً يتجاوز الطاقة المتجددة والائتمان معاً: هل يملك لبنان، بعد عقود من انتظار المعامل المركزية، فرصة لإعادة بناء قطاعه الكهربائي انطلاقاً من الأسطح؟

لم يأتِ هذا السؤال من فراغ. فقد أنتجت الأزمة، بقرارات فردية متفرقة، قدرة شمسية موزّعة تُقدَّر بنحو ألف وخمسمئة ميغاواط. ركّبت الأسر والمؤسسات هذه القدرة من مدخراتها، بلا تخطيط عام ولا تمويل مصرفي ولا معايير موحّدة. والبرنامج المقترح يستطيع أن ينقل هذا التحوّل من ردّ فعل على الانهيار إلى سياسة منظّمة، تُبنى فوق ما أُنجز وتسدّ ثغراته.

يقوم المنتج الذي تقترحه هذه المقالة على قرض متخصّص، مستقل عن برنامج الحكومة، يتيح للأسرة شراء نظام شمسي متكامل بالتقسيط، تموّله المصارف من الجزء الذي تتيحه الأطر القانونية والتعاقدية من ودائعها النقدية الجديدة (الفريش)، ضمن سقوف تحفظ السيولة وتراعي مخاطر الائتمان. فالأسرة تدفع أصلاً كل شهر اشتراكاً للمولّد يتبدّد ولا يترك أثراً. وإذا وُجّه جزء منه إلى سداد القسط، تحوّل إلى ملكية أصلٍ تستمرّ منفعته بعد انتهاء القرض.

كلفة اشتراك المولد مقارنة مع الطاقة الشمسية

تبلغ كلفة اشتراك الخمسة أمبير اليوم، وفق التسعيرة الرسمية الأخيرة، نحو مئة وخمسة وعشرين دولاراً شهرياً لاستهلاك يقارب مئتي كيلوواط ساعة. وهذه الكلفة ليست ثابتة، فقد ارتفعت بنحو العُشر في شهر واحد مع صعود أسعار المازوت. هنا يكمن الفارق الجوهري بين الخيارين: فاتورة المولّد رهينة سوق الوقود العالمية وتقلّباتها، أما قسط النظام الشمسي فمبلغ ثابت يتراجع وزنه الفعلي مع كل ارتفاع جديد في سعر المازوت. فالقرض الشمسي بهذا المعنى ليس تمويلاً لاستهلاك، بل تحوّط تملكه الأسرة ضد صدمات الطاقة.

في مثال مفترض، يبلغ ثمن نظام متكامل يشمل الألواح والعاكس والبطارية والتركيب، بقدرة سبعة عشر كيلوواط ذروة، نحو أربعة آلاف دولار. فإذا استُغني عن ذلك الاشتراك أو خُفِّض، بلغ الوفر الإجمالي نحو ألف وخمسمئة دولار سنوياً، ما يشير إلى استرداد الكلفة في أقلّ من ثلاث سنوات، وتقصر هذه المدة كلما ارتفع سعر الوقود. أما الوفر الصافي فيتحدّد بمقدار التغذية المستغنى عنها فعلاً، وبكلفة التشغيل والصيانة، وبأيّ اشتراك متبقٍّ. ويُحدَّد حجم النظام وفق الاستهلاك الفعلي لكل أسرة، لا وفق قدرة نموذجية واحدة.

ويبقى ضمان القرض شرطاً لعودة الثقة بين المصرف والمقترض. فالنظام الشمسي وحده ضمانة محدودة القيمة، لأنه يُثبَّت على سطح ولا يسهل استرداده أو إعادة بيعه بقيمته الأصلية. لذلك يمكن أن يرتكز المنتج على ضمانات مكمّلة، في مقدمتها تحويل الراتب إلى المصرف المُقرض، بحيث يُقتطع القسط من المصدر ويتراجع خطر التعثّر. ولمن لا يملك راتباً منتظماً، يمكن قبول رهن أصل ثابت كسيارة أو عقار، على أن تتناسب قيمة الضمان مع حجم القرض المحدود، فلا يتحوّل التمويل الشمسي إلى عبء رهنٍ يفوق قيمته.

ويختلف هذا المسار عن الخطة المتداولة بقيمة ملياري دولار لتحفيز الاستهلاك والإنتاج، المقترح توزيعها بين قروض للأفراد والشركات. فتلك الخطة لا تزال موضع نقاش، وقد نفى مصرف لبنان موافقته على تمويلها. أما التمويل الشمسي فيرتبط بأصل ملموس ويخفّض نفقة متكرّرة، فيعزّز قدرة المقترض على السداد بدلاً من استنزافها في استهلاك عابر. وتلك بالضبط هي المعادلة التي يحتاجها مصرف يريد أن يُقرض من جديد دون أن يكرّر أخطاء ما قبل الانهيار.

اتساع الطلب يحمل خطر تسرّب الدعم إلى هوامش أرباح المورّدين. ويُضبط هذا الخطر بمواصفات فنية واضحة، ومنافسة أوسع، وأسعار مرجعية منشورة، واتفاقيات شراء جماعية تُعقد باسم كتل منظّمة من المقترضين: أعضاء النقابات المهنية، وموظفي الشركات الكبرى والمؤسسات العامة، والمنتسبين إلى التعاونيات. تمنح هذه الكتل قوة تفاوضية على السعر والضمان والصيانة، وتخفّض مخاطر التعثّر حين يرتبط السداد بتوطين الراتب. ويبقى تجنّب الهوامش الاعتباطية شرطاً لحماية جودة المعدات.

العقبة الأعمق جغرافية واجتماعية. فالأسطح المناسبة وافرة في المناطق ذات الأبنية المنخفضة، وشحيحة في المدن المكتظة. وهنا تكتسب مشاريع المزارع الشمسية قيد التنفيذ أهميتها، إذ تستطيع أن تخدم المناطق الكثيفة حيث تعجز الأسطح، إلى جانب الأنظمة المشتركة على أسطح المباني وآليات الانتفاع المشترك بالطاقة. ويستدعي ذلك دراسة إقرار حقٍّ لكل وحدة سكنية في مساحة محدّدة من السطح المشترك وفق معايير فنية عادلة، ومن دون اشتراط موافقة جميع السكان في كل حالة. والمقصود تخصيص مساحة للاستخدام، لا تملّك جزء من السطح، مع احترام الملكية المشتركة ومتطلبات السلامة الإنشائية والحريق، والتحقق من التعديلات التشريعية اللازمة.

اهمية الطاقة الشمسية بتراجع الضغط عن مؤسسة الكهرباء

وللمسألة وجه آخر يتجاوز الأسرة المقترضة. فكلما اتّسع اكتفاء المناطق ذات الأسطح الواسعة بطاقتها الموزّعة، تراجع الضغط على شبكة مؤسسة كهرباء لبنان، فاتّسعت قدرتها على توجيه إنتاج المعامل الحرارية والقدرات الجديدة والطاقة المائية نحو المدن المكتظة. بهذا تتكامل الأطراف والمركز بدلاً من أن يتنافسا على شبكة شحيحة، ويغدو الاستغناء عن المولّد احتمالاً واقعياً في المدينة كما في الريف.

الخطوة الأولى برنامجٌ طموح ولكن تجريبي، تشارك فيه المصارف والمورّدون والجهات العامة، يقيس معدلات السداد والتعثّر، والوفر الصافي للأسر، والقدرة المضافة إلى الشبكة الموزّعة، وأثرها في ساعات التغذية العامة، ثم يتوسّع على أساس البيانات.

غير أنّ الرهان الأكبر يتخطّى البرنامج نفسه. فإذا نجح، يفرض إعادة النظر في المقارنة الشاملة بين نموذجين: قطاع مركزي ينتظر معامل لم تأتِ، وقطاع موزّع يبنيه المواطنون سطحاً بعد سطح، ويحرّر الشبكة العامة لمن لا سطح له. وعندها تصبح الشمس أداةً لإعادة بناء الثقة بالائتمان، ودرعاً للأسر في وجه تقلّبات الوقود، ومدخلاً لإعادة رسم بنية الكهرباء في لبنان.