بين صناديق الاقتراع وحسابات الميدان أين يقف لبنان بجنوبه؟

ليبانون فايلز

لا يحتاج المراقب إلى كثير من التمعّن ليلاحظ أن الحرب على لبنان لا تُدار بمعزل عن الروزنامة الانتخابية في إسرائيل. فكل صوت يرتفع في تل أبيب عن الأمن والمنطقة العازلة يحمل في طياته رسالة إلى الناخب قبل أن يحمل رسالة إلى الخصم. وهنا بالتحديد يكمن الخطر الذي ينبّه إليه أكثر من متابع. وفي هذا السياق، يحذّر خبير عسكري عبر “ليبانون فايلز” من أن “بنيامين نتنياهو قد يستغل المرحلة الانتخابية لتوسيع عملياته في لبنان، فلا يبقى القصف محصوراً في الجنوب، بل يمتد إلى مناطق أخرى، وتُفرض وقائع ميدانية جديدة يصعب التراجع عنها لاحقاً. والأسوأ، بحسب قراءته، أن هذا النهج القائم على القوة وتوسيع رقعة السيطرة لن يتغير بالضرورة إذا خسر نتنياهو الانتخابات. فالمسألة، في رأيه، لا ترتبط بشخص رئيس الحكومة بقدر ما ترتبط بمدى استعداد واشنطن للضغط على حليفتها. وما دام الموقف الأميركي على حاله، فلا شيء يدفع إسرائيل إلى مراجعة حساباتها”.

يتقاطع هذا الكلام مع ما ورد في تقرير لمجلة “ناشيونال إنترست”، التي تخشى “أن يتحول الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوبي لبنان إلى احتلال طويل الأمد، وربما أوسع بعد الانتخابات. فالمفاوضات بين بيروت وتل أبيب تتعثر، والعمليات العسكرية مستمرة، وإسرائيل متمسكة بمناطق تسمّيها عازلة، فيما يعيش مئات آلاف اللبنانيين في النزوح بعيداً عن بيوتهم وأرضهم”.

ويلفت التقرير إلى “مفارقة مؤلمة: كلما طال الاحتلال، ازدادت حجة حزب الله قوة في التمسك بسلاحه، وصار نزعه أعقد. مذكرة بتجربة السنوات بين 1982 و2000 لفهم كيف يولّد الاحتلال المقاومة ويغذّيها. أما الأخطر، كما يرى التحليل، فهو أن الأحزاب الإسرائيلية الكبرى تتسابق على التشدد الأمني، ولذلك فإن تبديل الحكومة لا يعني تلقائياً نهاية الحرب أو انسحاباً من الأراضي اللبنانية”.

وفي السياق نفسه، استبعد مصدر نيابي “أن تُحدث نتائج الانتخابات الإسرائيلية تغييراً جوهرياً في الوضع الإقليمي. فمقاربة إسرائيل لملف حزب الله، لن تتبدل جذرياً، والمواجهة مع إيران والحزب ستبقى قائمة، خصوصاً إذا واصل الحزب التمسك بسلاحه ودوره كأداة إيرانية في شرقي المتوسط”.

فصل المشهد اللبناني عن المواجهة الأميركية الإيرانية غير ممكن يضيف الخبير العسكري نفسه، “لأن أي اتساع في المواجهة مع طهران سينعكس مباشرة على لبنان، ويفتح الباب أمام تصعيد إقليمي لا يسهل احتواؤه”. كما أن تقرير “ناشيونال إنترست” يتّهم إسرائيل باستخدام ملف سلاح الحزب ورقة ضغط على لبنان لإضعاف موقعه التفاوضي، مستفيدة من قدرتها على تعطيل تنفيذ أي اتفاق. ويحمّل واشنطن جزءاً من المسؤولية، لأنها لا توظّف نفوذها بما يكفي، ولأن الملف اللبناني يتراجع في سلّم أولوياتها. وإن استمر هذا الجمود، فقد يتحول الاحتلال إلى أمر واقع مفتوح، وتصبح الأرض اللبنانية جزءاً من استراتيجية أمنية إسرائيلية بعيدة المدى.

أمام هذا البازل من المصالح والتقاطعات، لا يبدو أن لدى لبنان ترف الانتظار، ويبقى المسار الدبلوماسي الأمل الأساسي، لكنه يحتاج إلى موقف رسمي موحّد وحضور فاعل في العواصم المؤثرة، وفي مقدمها واشنطن. فالجميع، من الخبير إلى التقرير وصولاً إلى المصدر النيابي، يلتقي عند حقيقة واحدة: مفتاح المرحلة المقبلة في يد الولايات المتحدة، وكل رهان آخر يظل معلّقاً بقرارها.

وفي انتظار ما ستفرزه صناديق الاقتراع الإسرائيلية بعيد منتصف هذه الليلة، يبقى الجنوبيون على أرض لا تعرف الاستقرار، يراقبون الأخبار كما يراقبون السماء، ويدركون أن نتائج الانتخابات هناك قد لا تغيّر شيئاً في واقعهم هنا، إن لم يتغير شيء في حسابات القوة التي تحكم المنطقة.