- الروابط * جورج كريم
أيّها الحضور الكريم،
حين نتحدّث عن الإمام علي بن أبي طالب، نحن لا نستحضر سيرة رجلٍ مرّ في التاريخ ثم انطوت صفحاته، بل نستحضر قامةً إنسانيةً شامخة، اجتمعت فيها شجاعة الفرسان، وحكمة الحكماء، وبلاغة الشعراء، ونزاهة الحاكم العادل، وضمير الإنسان الذي لم يساوم يومًا على الحقّ، ولم ينحنِ أمام الباطل، ولم يجعل من السلطة امتيازًا شخصيًا، بل أمانةً ثقيلةً ومسؤوليةً أمام الله والناس.
عليٌّ هو ابن مدرسة النبوّة، تربّى في كنف الرسول محمد، فنهل من أخلاقه، وتشرّب مبادءه، وكان من أوائل مَن آمنوا برسالته ووقفوا إلى جانبه في أشدّ اللحظات خطرًا. وحين احتاجت الرسالة إلى قلبٍ لا يعرف الخوف، تقدّم عليٌّ، وحين احتاجت إلى سيفٍ يحميها، كان سيفه حاضرًا، وحين احتاجت إلى عقلٍ يزن الأمور بميزان الحكمة، كان عقله منارةً تهدي الحائرين.
أمّا فروسيته، فلم تكن استعراضًا للقوّة، بل التزامًا أخلاقيًا بالدفاع عن الحقّ. كان شجاعًا في ساحات القتال، لكنّ شجاعته الكبرى ظهرت أيضًا في قدرته على ضبط النفس، وفي امتناعه عن أن تتحوّل القوّة إلى ظلم، أو أن يصبح النصر ذريعةً للانتقام. فالفارس الحقيقي، في مدرسة عليّ، ليس مَن يصرع خصمه فحسب، بل مَن ينتصر على أهوائه، ويملك نفسه حين تشتعل نار الغضب، ويظلّ وفيًّا للمبدأ حتى عندما يكون الثمن غاليًا.
وكان في عليٍّ نبلٌ لا تصنعه الألقاب، وكرامةٌ لا تمنحها المناصب، وعزّةٌ لا تحتاج إلى ضجيج. عاش قريبًا من الناس، يشعر بآلام الفقراء، ويعرف أن دمعة اليتيم ليست أمرًا عابرًا، وأن جوع المحتاج ليس تفصيلًا صغيرًا في حسابات الدولة. لم يكن يرى في الفقير عبئًا على المجتمع، بل أمانةً في عنق الحاكم، ولم يكن يعتبر الضعيف إنسانًا من الدرجة الثانية، بل صاحب حقٍّ ينبغي أن يصل إليه من دون منّةٍ أو إذلال.
وإذا كانت السيوف قد حفظت جانبًا من بطولته، فإنّ الكلمات كشفت لنا عمق روحه. لقد كان عليٌّ فارسًا في الميدان، وشاعرًا في الوجدان، وحكيمًا في القول، بليغًا في التعبير عن تقلّبات النفس البشرية، وعن تقلّب الدنيا، وعن قيمة العلم، وكرامة الإنسان، ومآل الظلم. وقد حفظ التراث الإسلامي أقوالًا وحِكَمًا نُسبت إليه، وجُمعت نصوصٌ كثيرة من كلامه في «نهج البلاغة»، فغدا اسمه حاضرًا في ميادين الفكر والأدب والأخلاق، لا في ساحات الحرب وحدها.
ولعلّ أعظم ما يميّز الإمام عليًّا أنّه لم يفصل بين الإيمان والعدل، ولا بين العبادة والمسؤولية، ولا بين صلاح الفرد وصلاح الدولة. فالعدل عنده لم يكن شعارًا يُرفع في المناسبات، بل ميزانًا تُوزن به القرارات، وتُصان به الحقوق، ويُحاسَب على أساسه الحاكم قبل المحكوم.
أمّا المال العام، فكان في نظره حقًّا للأمّة، لا غنيمةً للسلطة، ولا مكافأةً للأتباع، ولا رصيدًا يُستباح لإرضاء الأقارب والمقرّبين. وقد عُرف عنه التشديد في صيانة بيت المال، ورفض المحاباة في توزيع الحقوق، والحرص على ألّا تتحوّل أموال الناس إلى وسيلةٍ لشراء الولاءات أو تكريس النفوذ. وفي رسائله المنقولة إلى ولاته، ولا سيّما عهده إلى مالك الأشتر، نجد تصوّرًا متقدّمًا للحكم المسؤول، يقوم على رعاية الرعية، واختيار أصحاب الكفاءة، ومراقبة العمّال، وحماية الضعفاء، وإقامة العدل بين الناس.
فأيّ معنى للسلطة إذا لم تكن في خدمة الشعب؟ وأيّ قيمةٍ للحكم إذا صار بابًا للثراء غير المشروع؟ وأيّ شرعيةٍ تبقى لحاكمٍ يطلب من الناس التضحية، فيما يمدّ يده إلى حقوقهم؟ تلك أسئلةٌ يطرحها فكر عليٍّ على كلّ عصر، وتزداد حدّتها كلّما اتّسعت الهوّة بين شعارات المسؤولين وواقع المواطنين.
ولم يكن عدله انتقائيًّا، يُنصف الصديق ويُجافي الخصم، أو يرفع صاحب النفوذ ويُهمل صاحب الحاجة. فالحقّ عنده لا يتبدّل بتبدّل الأسماء، ولا تتغيّر قيمته بحسب القرب والقرابة، ولا يخضع لميزان الطائفة أو القبيلة أو المصالح. إنّ الدولة العادلة هي التي يشعر فيها المواطن أنّ كرامته مصونة، وأنّ القانون يحميه، وأنّ حقّه لا يحتاج إلى واسطة، وأنّ أبواب المسؤولين ليست مفتوحة للأقوياء وحدهم.
ولذلك بقيت سيرة الإمام عليٍّ شاهدًا على أنّ الإنصاف ليس ضعفًا، وأنّ التسامح ليس عجزًا، وأنّ النزاهة ليست ترفًا أخلاقيًّا، بل أساسٌ من أسس استقامة الحكم. فالقوّة التي لا يحكمها العدل استبداد، والسلطة التي لا يضبطها الضمير خطرٌ على المجتمع، والدولة التي لا تصون المال العام إنّما تهدم بأيدي مسؤوليها ما بناه الناس بعرقهم وتضحياتهم.
أمّا موقفه من وحدة المسلمين، فهو من أعمق المحطّات في سيرته وأشدّها دلالة. فقد عاش زمنًا عصيبًا تشابكت فيه الخلافات السياسية والاجتماعية، وكانت الأمّة تواجه تحدّياتٍ تهدّد تماسكها. وقد اختار، في مراحل من تلك الظروف، أن يقدّم مصلحة الإسلام واستقرار جماعته على الاندفاع إلى صراعٍ قد يوسّع الشقاق ويبدّد ما تحقّق من مكاسب الرسالة. ولم يكن ذلك تنازلًا عن قناعته، ولا تخلّيًا عن حقّه كما كان يراه، بل تعبيرًا عن إدراكٍ عميقٍ لخطورة تمزيق الصفّ، وعن إيمانٍ بأنّ الدم المسلم لا يجوز أن يصبح وقودًا لصراعاتٍ لا تنتهي.
وحين تولّى الخلافة، واجه انقساماتٍ وصراعاتٍ انتهت إلى حروبٍ داخلية مؤلمة. وهنا تبرز مأساة عليٍّ الكبرى: رجلٌ حمل مشروع العدل، فإذا به يقف وسط أمّةٍ تتنازعها المصالح والولاءات، ويحاول أن يحفظ الحقّ من جهة، وأن يمنع الانهيار من جهةٍ أخرى. إنّ قراءة هذه المرحلة لا تكتمل بالشعارات ولا بالأحكام المتسرّعة، بل تحتاج إلى وعيٍ تاريخيٍّ يُدرك تعقيد الظروف، وإلى ضميرٍ يرفض تحويل الخلافات القديمة إلى وقودٍ لفتن الحاضر.
لقد كان عليٌّ رمزًا لوحدة المبدأ، حتى حين عجز الواقع عن تحقيق وحدة الصفّ. ومن هنا فإنّ الوفاء له لا يكون بإحياء الخصومات، ولا باستدعاء الأحقاد، ولا بتحويل اسمه إلى رايةٍ تُرفع في وجه مسلمٍ آخر او غير مسلم ، بل يكون بالاقتداء بأخلاقه، وبالتمسّك بالعدل الذي دعا إليه، وبحماية كرامة الإنسان، وبإعلاء مصلحة الأمّة على نزوات الأفراد والجماعات.
إنّ محبّة الإمام عليٍّ لا ينبغي أن تكون جدارًا يفصل المسلمين بعضهم عن بعض، بل جسرًا يجمعهم على القيم التي لا يختلف عليها أصحاب الضمائر الحيّة: الصدق، والعدل، والأمانة، والشجاعة، والرحمة، وصيانة الحقوق. فالإسلام الذي أراد له أن يكون رسالة هدايةٍ ورحمة لا يزداد قوّةً بالفرقة، ولا ينتصر بالتحريض، ولا تُصان كرامته بإهانة الآخرين، بل يسمو حين يسمو الإنسان في أخلاقه، وحين يصبح الاختلاف بابًا للحوار لا معبرًا إلى العداوة.
أيّها الحضور الكريم،
إنّ الإمام عليًّا ليس صفحةً في كتاب التاريخ نقرؤها ثم نطويها، بل سؤالٌ مفتوحٌ في وجه كلّ مسؤول، وكلّ صاحب سلطة، وكلّ من يتصدّى للشأن العام: هل أنصفتم الناس؟ هل صُنتم المال العام؟ هل قدّمتم الكفاءة على المحاباة؟ هل وقفتم إلى جانب الفقير والضعيف؟ هل جعلتم مواقعكم في خدمة الوطن، أم جعلتم الوطن في خدمة مواقعكم؟
إنّ عليًّا يعلّمنا أنّ عظمة الإنسان لا تُقاس بما يجمعه، بل بما يمنع نفسه عنه حين يكون حرامًا؛ ولا بما يملكه من سلطة، بل بما يقدّمه من عدل؛ ولا بعدد الذين يخشونه، بل بعدد الذين يأمنون في ظلال إنصافه.
ويعلّمنا أنّ الفروسية ليست سيفًا معلّقًا على الجدار، بل موقفٌ شجاعٌ في وجه الفساد؛ وأنّ الشعر ليس جمالًا في العبارة فحسب، بل قدرةٌ على كشف الحقيقة وإيقاظ الضمائر؛ وأنّ الإيمان ليس ادّعاءً على المنابر، بل سلوكٌ يوميٌّ يترجم الرحمة إلى فعل، والأمانة إلى ممارسة، والعدل إلى واقع.
لقد رحل الإمام عليٌّ جسدًا، لكنّ السؤال الذي حمله لم يرحل: كيف نبني مجتمعًا لا يُظلم فيه ضعيف، ولا يُهان فيه فقير، ولا يُسرق فيه مال عام، ولا تُباع فيه المبادئ في أسواق المصالح؟
ذلك هو الامتحان الحقيقيّ للوفاء لعليّ؛ لا أن نكتفي بمدحه، بل أن نُدخل شيئًا من عدله إلى مؤسّساتنا، ومن نزاهته إلى إداراتنا، ومن رحمته إلى علاقاتنا، ومن شجاعته إلى مواقفنا.
سلامٌ على عليٍّ، يوم كان الحقّ عنده أغلى من المنصب، والأمانة أثقل من الغنيمة، والعدل أسمى من المصلحة، وكرامة الإنسان أعلى من كلّ اعتبار.
سلامٌ على فارسٍ لم تُلغِ فروسيته رحمته، وعلى حاكمٍ لم تُفسد سلطته ضميره، وعلى حكيمٍ بقيت كلماته تتجاوز الأزمنة، وعلى رجلٍ علّم الأجيال أنّ المجد الحقيقيّ ليس أن ينتصر الإنسان على الآخرين فحسب، بل أن ينتصر للحقّ في نفسه، وفي مجتمعه، وفي وطنه.
عليٌّ ليس مجرّد ذكرى نحييها؛ إنّه قيمةٌ نُختبر بها، وميزانٌ نزن به أعمالنا، ونداءٌ دائمٌ إلى عدالةٍ لا تستثني أحدًا، ووحدةٍ لا تقوم على إلغاء الآخر، وكرامةٍ لا تكتمل إلّا حين تكون مصونةً للجميع.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.”
(كلمتنا في حفل استذكار الإمام علي بن ابي طالب من رجب ٢٠١٥ في الجامعة العربية )





