إيران: خذوا «النووي» وأعطوني «الأذرع»

رفيق أبي يونس – الشرق الأوسط

مع إيران ولاية الفقيه لا حدود للمخاطر على المنطقة، فهي تزيد على أكثرها تخريباً وعدوانية وزنةً. تموّه حدود الفصل بين الشر والخير. عدم التنبه إلى ذلك عند الأكثرية من النخب والدول العربية منذ الإعلان عن «الثورة» وتصديرها، شكّل الخدعة الكبرى، التي انطوت على معاداة أميركا ومحاربة إسرائيل، وفي الطريق الذي لم توصِّل إلى ذلك، اعتدت إيران على العراق، وقاتلت وقسّمت الشعبين السوري واللبناني، وفي المنزلتين استمرّت حكاية اليمن. الآن حان موعد الخليج وأهله.

الإحاطة بدور الأذرع وقدرتها على العبث بالدول الوطنية، شكّلت وجبة النقاش المفتوح والمتّصل بأزمات هذه الدول لأربعة عقود مضت، في كل الخلاصات وصل هذا النقاش إلى اعتبار أن المصير القومي والوطني يتوقف على مدى كشف هذه الأذرع والتصدّي لها. مشاركتها في الحرب كانت تأكيداً أنها انتزعت قرار سيادة هذه الدول خلافاً لإرادة الأغلبيات فيها.

لم يكن سهواً أميركياً، ولا رغبة إيرانية عابرة، أن تنص مذكرة التفاهم «المنتهية» على أفضل ما حققته إيران في هذه الصفقة، عندما تقصّدت تخصيص الأذرع بتعميم وقف إطلاق النار على كل الجبهات لدول لم تختر المشاركة في الحرب. رسالة أخرى تؤكّد أن الأذرع هي بلوى دولنا ومجتمعاتنا قبل غيرها، جاءت من الولايات المتحدة الأميركية عندما فاوضت واتفقت مع الحوثيين على تبادل المُدارات وترحيل الصدام.

إذا حذفنا من الاحتساب ما ترسخ في الإدراك قبل الحرب التي نعيشها، أن الدور الإيراني رُسم واشتغل للإطاحة بوحدة مجتمعات المشرق العربي، وأفاد من هلاله كل من يرغب في إخراج العراق وسوريا ولبنان من معادلة التأثير في الإقليم، وعلى الصعيد الدولي، فإن القادم من التطورات في سياق هذه الحرب والتفاوض حول الحلول للصراع في المنطقة يجب -من منظور المصلحة العربية- أن تكون قضية محاصرة الأذرع وكل الملحقات الإيرانية محط عناية قبل غيرها من الملفات. ليس من المبالغة القول إن فائض الاهتمام في المشرق العربي بالحرب ونتائجها يتركز حول هذا المقطع من الصراع… مقطع الأذرع.

كان لافتاً الإجماع في لقاء الصدفة في بيروت -التي تحاول باستمرار استعادة النقاش في بعض مقاهيها- بين ثلاثة عراقيين وسوريين ولبنانيين وفلسطيني واحد، عملوا بالسياسة وأنتجوا بالثقافة، تتميّز علاقتهم باختلاف تجاربهم وهوياتهم الفكرية، ليس المهم مَن هم لكن المهم على ماذا أجمعوا:

1- حماية مؤسسة الدولة في البلاد العربية مهمّة مركزية في مواجهة الخروقات الإيرانية. تعزيز المقاومة السياسية والشعبية والدبلوماسية في مواجهة التغوّل الإسرائيلي، أولويتان يجب ألا تنافسهما أولوية أخرى عند النخب والمثقفين، من نوع النقاش لطبيعة الأنظمة ولتَحديد الخيارات.

2- التضامن مع الخليج يتجاوز في هذه المرحلة الحرص على تجربة دول مجلس التعاون في الحوكمة والتنمية والاقتصاد والوزن الدولي، بلوغاً لحماية الأمن القومي العربي، حيث الاقتدار الخليجي رهانٌ يكمّله شرط آخر هو القدرة على المواجهة، لا سيّما بعد انصراف دول المشرق لمحاولات النهوض، ومحاصرة الجزر الإيرانية، وبعد انكفاء مصر إلى محيطها المباشر.

3- إذا انتهت هذه الحرب وإيران منزوعة السلاح النووي بالنسبة إلى أميركا وإسرائيل وسائر المنظومة الغربية، فيجب أن تكون منزوعة الأذرع بالنسبة إلى العرب، لا سيّما المسلّحة منها، مع مزيد من التنبّه، إلى أنه إذا ما صمد النظام الإيراني وإن كان منهكاً، فسيكون مسعاه الأخير الحفاظ على أدواته لأغراض المعاودة، ولتعطيل القدرات العربية مرّة أخرى على استثمار التحوّل في الموقف الدولي لمصلحة حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وقد تكون إسرائيل في هذه المقايضة محفوظة الضمانات.

4- في الأولوية الراهنة التحسب «للتشبيك» الميداني وعلى مستويات جديدة ومختلفة بين الحوثي والميليشيات الولائية في العراق، ما يفرض على سائر دول مجلس التعاون الخليجي تمتين المناعة الأمنية والقدرات العسكرية، ممّا يتيح لها دفاعاً مشتركاً وقابليّة اجتماعية لفروض الدفاع الوطني ومواكبة اتفاقات الدفاع المشترك بين السعودية ودول الإقليم. في هذا السياق ليس تفصيلاً ولا جزئياً ولا وقائياً القرار الذي اتخذته قيادة المملكة بمواجهة الشر الحوثي، حمايةً للاستقرار في الخليج ومنطقة البحر الأحمر ولمستقبل العلاقة بين الشعبين اليمني والسعودي.

لقد تقلبت الآراء خلال أشهر الحرب حول كل موضوعاتها. المصدر الواحد صاغ تقديرات مختلفة.

الإدارة الأميركية استمرّت من دون خريطة طريق للوصول إلى أهدافها. إسرائيل كانت تحمل مشروعاً للحرب ليس إلاّ. إيران تتمسك بالإنكار وتدّعي الانتصار. ميزان القوى بقي الثابت الوحيد.

النقاش الذي دار صدفةً واختصرناه، كان مستفيضاً، وخلاصته كانت من الثوابت قبل الحرب وفي أثنائها لنرى بعدها كيف تتخلّى إيران عن «النووي» وتتمسك بـ«الأذرع».