من طوفان الأقصى إلى طوفان الموت

  • الروابط * جورج كريم

من طوفان الأقصى إلى طوفان الموت: ثلاث سنوات من الحرب… فمتى يأتي طوفان السلام؟

في السابع من تشرين الأول 2023، لم يكن العالم أمام يوم عادي في تاريخ الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. كان أمام زلزال سياسي وأمني وإنساني هزّ المنطقة بأسرها، حين شنّت حركة حماس هجومًا واسعًا على إسرائيل، سقط خلاله نحو 1200 قتيل واقتيد 251 شخصًا رهائن إلى قطاع غزة، وفق أرقام إسرائيلية أوردتها مصادر دولية.
كان ذلك هو «طوفان الأقصى».
لكن الطوفان لم يتوقف عند حدود غزة.
فتح ذلك اليوم أبواب حربٍ واسعة، تحولت سريعًا من مواجهة فلسطينية ـ إسرائيلية إلى صراع إقليمي متعدد الجبهات. وغزة التي دخلت الحرب تحت عنوان الرد على هجوم 7 تشرين الأول، تحولت إلى مسرح هائل للموت والدمار والنزوح، بينما امتدت النيران شمالًا إلى لبنان، حيث دخل حزب الله الحرب معلنًا مساندة غزة، لتتحول الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية إلى جبهة مفتوحة استمرت أكثر من عام.
وهكذا انتقل الشرق الأوسط من طوفان الصواريخ إلى طوفان الدم، ومن طوفان الدم إلى طوفان الخراب.

الجنوب اللبناني…أرض ضحية.

في لبنان، لم تكن الحرب مجرد أرقام تُسجَّل في نشرات الأخبار.
كانت قرى تُفرَّغ من أهلها، وبيوتًا تُهدم، وأرزاقًا تُقتلع من جذورها، ومدارس تُغلق، وحقولًا زراعية تُترك خلفها، وعائلات تنزح وهي لا تعرف إن كانت ستعود إلى البيت أم إلى ما تبقى منه.
وفي حرب امتدت أربعة عشر شهرًا، نزح نحو 1.4 مليون شخص، وتعرضت مناطق واسعة في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت للدمار، فيما قدّر البنك الدولي الأضرار والخسائر بنحو 8.5 مليارات دولار.
وهنا يصبح السؤال أكبر من سؤال من انتصر ومن انهزم.
ماذا ربح لبنان؟
وماذا ربح الجنوب من حربٍ عاد فيها الناس إلى بعض قراهم، فوجدوا بيوتهم ركامًا وحقولهم مهددة ومؤسساتهم وبنيتهم التحتية مثقلة بآثار الدمار؟

الحرب قد تمنح طرفًا شعورًا بالنصر، لكنها لا تعيد إلى أمٍّ ابنها، ولا إلى طفلٍ مدرسته، ولا إلى عائلةٍ بيتها، ولا إلى مزارعٍ أرضه التي احترقت.
إسرائيل أيضًا لم تخرج من الحرب بلا جراح
وفي الجانب الآخر، لم يكن المجتمع الإسرائيلي بمنأى عن الكارثة.
فـ7 تشرين الأول ترك جرحًا عميقًا في الوعي الإسرائيلي، ليس فقط بسبب عدد القتلى، بل بسبب انهيار الإحساس بالأمان الذي شكّل أحد أعمدة الدولة الإسرائيلية. وما زالت آثار الصدمة حاضرة بقوة بعد ثلاث سنوات، ولا يزال ملف الرهائن جزءًا مركزيًا من الذاكرة السياسية والإنسانية الإسرائيلية.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
كل طرف يحمل جرحه، وكل طرف يروي مأساته، وكل طرف يرى نفسه صاحب الحق في الدفاع عن وجوده… بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر.
فهل تستطيع الحروب أن تصنع أمنًا دائمًا؟
التاريخ يقول إن الحرب قد تؤجل المشكلة، وقد تغير موازين القوى، وقد تفرض وقائع جديدة، لكنها نادرًا ما تستطيع وحدها أن تصنع سلامًا مستدامًا.
لبنان لا يستطيع أن يبقى ساحة
والمشكلة اللبنانية أعمق من جبهة عسكرية مع إسرائيل.

فلبنان بلد صغير، محدود الموارد، مثقل بأزماته الاقتصادية والسياسية، ولا يحتمل أن يتحول في كل مرة إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
وقد أظهر اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024 أن الحلول الدبلوماسية ممكنة عندما تتوافر الإرادة السياسية والضغوط الدولية، إذ نَصَّ الاتفاق على وقف الأعمال القتالية، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني، في إطار الالتزام بالقرار 1701.
لكن وقف إطلاق النار ليس سلامًا.
إنه فقط إطفاء مؤقت للنار.
أما السلام الحقيقي فيحتاج إلى معالجة جذور الصراع، وإلى ضمان أمن لبنان، وأمن إسرائيل، وحقوق الفلسطينيين، وإلى قيام الدولة اللبنانية بدورها الكامل على أرضها، بحيث لا يبقى قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الدستورية للدولة.

من «طوفان الأقصى» إلى «طوفان السلام»
بعد كل هذه السنوات، ربما آن الأوان لأن نطرح السؤال الذي تخشاه الحروب:
ماذا لو كان الانتصار الحقيقي هو ألا يموت أحد ؟
ماذا لو أصبح الهدف ليس كم صاروخًا أُطلق، وكم نفقًا دُمّر، وكم موقعًا سقط، وكم قرية أُخليت، بل كم طفلًا عاد إلى مدرسته، وكم عائلة عادت إلى بيتها، وكم قرية استعادت حياتها، وكم جنديًا عاد إلى ثكنته بدل أن يعود إلى قبره؟
لقد جرّب الشرق الأوسط الحرب مرارًا.وجرّب الصواريخ والطائرات والاجتياحات والاغتيالات والردود والردود المضادة.
وفي كل مرة كانت النتيجة واحدة:
قبور أكثر، وركام أكثر، وأحقاد أكثر، وسلام أبعد.
لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس أن ينتصر طرف على طرف، بل أن ينتصر الإنسان على الحرب.
أن ينتصر لبنان على فكرة أن أرضه ساحة مفتوحة للحروب.
وأن ينتصر الفلسطيني على فكرة أن مستقبله لا يمكن أن يُبنى إلا فوق الركام.
وأن ينتصر الإسرائيلي على خوفه الدائم من المستقبل.
وأن تنتصر المنطقة كلها على منطق أن الأمن لا يتحقق إلا بالقوة.
فربما يكون الشرق الأوسط بحاجة إلى طوفان جديد…
ليس طوفانًا من الصواريخ،
ولا طوفانًا من الدم،
ولا طوفانًا من الدمار.
بل طوفان من السلام.
حمامة بيضاء فوق الجنوب المدمّر، تحمل غصن زيتون، قد تبدو اليوم صورة رومانسية أمام مشهد الخراب.
لكن التاريخ كله بدأ أحيانًا بصورة حلم.
طوفان الأقصى هز عروش انظمة عربية بما طالها من صواريخ بعيدة المدى وترك انهيارات اقتصادية واسعة على مساحة بلدان الخليج وأخرج قمقم مضيق هرمز الى صراع إقليمي / دولي لم تعرف بعد نهاياته لا لا حربا باردة ولا ساخنة وقد ادخل الإقتصاد العالمي في دوامة ارتفاع الأسعار وانعكاساتها على حياة المواطن في اي بلد كان …

وربما آن الأوان لأن نحلم، مرة واحدة، بحربٍ تنتهي قبل أن تبدأ.

فليس المهم من ينتصر في الحرب؛ المهم أن يبقى وطنٌ يستحق أن يعيش فيه المنتصر والمهزوم معًا.
٧ تشرين الاول ٢٠٢٦