8.1 مليارات دولار للمودعين: أين تقع في حساب الـ100 ألف؟ | بقلم د. بيار الخوري

مسام

في ختام اجتماعات بعثة صندوق النقد في 18 أيلول/سبتمبر 2026، قال حاكم مصرف لبنان كريم سعيد إن المودعين سيكونون قد تلقّوا بحلول نهاية العام نحو 8.1 مليارات دولار بموجب التعميمين 158 و166. وفي اليوم نفسه ربط وزير المالية ياسين جابر بدء استعادة أموال المودعين بإقرار قانون الفجوة.

الفعلان مختلفان: أُعيد في الأول، ويبدأ في الثاني. والفرق بينهما يتجاوز اللغة إلى تعريف ما جرى دفعه، وإلى موقعه في الآلية التي سيقرّها القانون.

سبقت هذه الدراسة تغطية كثيفة لسؤال واحد: هل تُحتسب مبالغ التعميمين ضمن الـ100 ألف أم تُدفع إضافة إليها. طرحته سلوى بعلبكي في «النهار» مطلع أيلول، ولاحظت أن المشروع المطروح يضمن أول 100 ألف دولار من دون حسم ما قبضه المودع سابقاً، وأن ذلك يخلق تفاوتاً بين مودع استفاد من التعميمين وآخر لم يستفد. وعالج رياض أسعد هلال في «أساس» بيوم السؤال ذاته، مضيفاً أثر التضخم وتاريخ بدء احتساب السقف. السؤال أُجيب عليه. ما لم يُطرح بعد هو ما يقوله رقم الـ8.1 مليارات نفسه عن طبيعة هذه المدفوعات.

الرقم أولاً. يحدد بيان مصرف لبنان الصادر في 11 أيار/مايو 2026 المدفوعات التراكمية حتى نهاية آذار بـ6.109 مليارات دولار، منها 4.183 مليارات من مصرف لبنان و1.926 ملياراً من المصارف. وسجّلت الدفعات الشهرية 240.4 مليون دولار في آذار، بعد 242.2 مليوناً في شباط.

للانتقال من 6.109 إلى 8.1 مليارات تلزم 1.991 ملياراً في الأشهر التسعة من نيسان إلى كانون الأول، أي نحو 221 مليوناً شهرياً. لو ثبتت الدفعة عند مستوى آذار لبلغ المجموع 8.27 مليارات تقريباً، ولو استمر التراجع المسجل بين شباط وآذار، وهو 0.73 في المئة شهرياً، لبلغ 8.19 ملياراً. الرقم المعلن يقل عن المسارين بما بين 1 و2 في المئة. وهذا متسق مع إعلان المصرف أن 266,166 مودعاً، أي 46 في المئة من المستفيدين، استعادوا كامل ودائعهم في الحساب الخاص المتفرع، وكل رصيد مستنفد يُخرج صاحبه من الدفعات الشهرية.

الرقم إذن قابل للتصديق كتقدير لنهاية السنة. لم يُعثر على بيانات رسمية منشورة لما بعد آذار، فيبقى التحقق الكامل متعذراً. ويعطي المسار نفسه نحو 7.4 مليارات في منتصف أيلول.

وهو رقم تراكمي بتعريف المصرف: ما غطّاه مصرف لبنان والمصارف معاً منذ بدء التطبيق. وتتبدل نسبة الطرفين مع الوقت. فحصة مصرف لبنان 68.5 في المئة من المجموع حتى آذار، لكنها 88.2 في المئة من دفعة آذار وحدها. فإذا ثبتت نسبة آذار على ما بقي من السنة، يكون نصيب مصرف لبنان من الـ8.1 مليارات نحو 5.9 مليارات ونصيب المصارف نحو 2.2 ملياراً. هذا احتساب الدراسة ولا يرد في التصريح. ولا يوضح البيان كيف عوملت الشريحة التي دُفعت بالليرة في المرحلة الأولى من التعميم 158.

ثانياً، طبيعة المال المدفوع. يقول مصرف لبنان إن الدفعات تُموَّل من التوظيفات الإلزامية للمصارف لديه، ويعدّ هذه التوظيفات أموالاً تعود إلى المودعين أنفسهم. وعبارة استعادة الودائع في «الحساب الخاص المتفرع» تعني أن الدفعة تُقتطع من رصيد الوديعة ذاتها.

في الميزانية، ينقص كل دولار مدفوع التزام المصرف تجاه المودع وينقص بالقدر نفسه أصله لدى مصرف لبنان. الفجوة الاسمية بين الأصول والالتزامات لم تتبدل، وتبدلت تركيبة الأصول السائلة المتاحة لما بعد القانون. الدفعة إذن استرداد اسمي لجزء من الوديعة. أما قيمتها بعد سنوات من الانتظار فمسألة أخرى لا يقيسها الرقم. وأما توزيع الخسارة على المودعين فمعلّق على قانون الفجوة الذي لم يُقرّ.

وتبقى مسألة تسمية. الغالبية العظمى من دفعة آذار مسجلة على مصرف لبنان، ومصدرها توظيفات المصارف لديه. في دراسة أعدتها «أنكورا» لصالح جمعية المصارف، تبقى ستة مصارف فقط قادرة على دفع حصتها من الـ100 ألف في الصيغة الأساسية. لكن سيناريو بديلاً يحتسب الاحتياطات الإلزامية، وتقدَّر بنحو 10.7 مليارات دولار، ضمن حصة المصارف ويحسم المبالغ المدفوعة بموجب التعميمين يبدّل النتائج جوهرياً. المدفوعات السابقة تدخل إذن في حساب قدرة القطاع على تمويل الشريحة النقدية. وتصنيف ما دفعه مصرف لبنان من احتياطات المصارف، مساهمةً منه أو منها، يحدد النتيجة.

ثالثاً، النص. أقرّ مجلس النواب قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها، وهنّأ ممثل صندوق النقد الوزير جابر بإنجازه، فيما بقي قانون الفجوة الاستحقاق التالي، مع نقاط لا تزال تحتاج إلى تقريب وجهات النظر. لا يوجد إذن قانون نافذ يحدد مبلغ الـ100 ألف أو يعالج مدفوعات 158 و166. الموجود مشروع الحكومة، وهو قيد التعديل بطلب من الصندوق، ولم يُعثر على صيغة نيابية معدلة منشورة.

يقضي المشروع بأن يحصل المودع أولاً على 100 ألف دولار، ويُعاد الباقي عبر سندات معززة بموجودات مصرف لبنان تستحق بعد 10 أو 15 أو 20 سنة بحسب حجم الوديعة. وعن المدفوعات السابقة، لاحظت قراءة قانونية مستقلة لصيغة كانون الأول/ديسمبر 2025 أن المشروع لا يذكر المبالغ المسحوبة بموجب تعاميم مصرف لبنان، ولا يبيّن هل تُخصم من الـ100 ألف المضمونة. وتقدّم تغطية «النهار» المشروع على أنه يضمن أول 100 ألف من دون حسم ما سبق دفعه. هذا الوصف يقرأ صمت النص حكماً.

التصنيف بحسب المتاح: غير معالج في النص. أما عدم الحسم فاستنتاج صحافي لا يحمل قوة النص. وحتى هذا الاستنتاج يتوقف على تعريف الوديعة المؤهلة وتاريخ احتساب رصيدها، وهو ما لا تكشفه المصادر المتاحة.

اختبار الأرقام يبيّن أين تقع المسألة. مودع رصيده 80 ألف دولار سحب منها 30 ألفاً بموجب التعميمين، فبقي له 50 ألفاً. تسدد الشريحة النقدية هذا الباقي كله في أي قراءة، فيكون قد استرد 80 ألفاً. سؤال الاحتساب لا يُطرح هنا، لأن النتيجة واحدة.

مودع آخر أصل وديعته 250 ألفاً سحب 40 ألفاً، فبقي 210 آلاف. إذا طُبّق السقف على الرصيد المتبقي، تلقّى 100 ألف نقداً و110 آلاف في سندات، أي 140 ألفاً نقداً مع ما قبضه سابقاً. جاره الذي لم يسحب شيئاً يتلقى 100 ألف نقداً و150 ألفاً في سندات. وإذا احتُسب ما دُفع سابقاً ضمن السقف، تلقّى الأول 60 ألفاً نقداً و150 ألفاً في سندات، فتساوى مع جاره. المجموع الاسمي لكل منهما 250 ألفاً في القراءتين. الخلاف إذن على الشريحة التي سُدّد جزء منها مسبقاً: النقدية أم السندات.

وتظهر كلفة الخيارين في التمويل. القراءة الأولى تزيد النقد المطلوب بعد القانون بمقدار ما دُفع سابقاً لمن بقي رصيده المتبقي فوق 100 ألف. وتقدّر «النهار» كلفة إعادة الـ100 ألف لكل مودع بنحو 16 مليار دولار، من دون أن توضح هل الرقم صافٍ من المدفوعات السابقة. ولا ينشر مصرف لبنان توزيع الـ8.1 مليارات بين مودعين دون السقف وفوقه، فلا يمكن قياس الجزء الداخل في هذا الخلاف.

ما تثبته الـ8.1 مليارات محدود. تثبت حجم مدفوعات سابقة على القانون، مصدرها بحسب مصرف لبنان التوظيفات الإلزامية للمصارف، وقد جرى تسجيلها اسمياً على أرصدة الودائع. ولا تثبت أن أي مودع قبض جزءاً من شريحة الـ100 ألف، لأن الشريحة معرّفة في مشروع لم يُقرّ. ولا تثبت أن الفجوة تقلصت، لأن الدفع أنقص الالتزامات والأصول بمقدار واحد. ولا تحسم الاحتساب، لأن مشروع كانون الأول لا يتناوله.

تثبت الأرقام أن المدفوعات بلغت 6.109 مليارات دولار حتى آذار، وأن بلوغها 8.1 مليارات بنهاية العام تقدير متسق مع الوتيرة المسجلة. ويحسم النص أن لا قانون نافذاً بعد يحدد الـ100 ألف أو يوزع الخسائر على المودعين، وأن المشروع الحكومي، في الصيغة المتاحة، لا يعالج موقع مدفوعات 158 و166 من هذا المبلغ.

ويبقى معلقاً تعريف الوديعة المؤهلة وتاريخ احتسابها، وهل تُخصم الدفعات من الشريحة النقدية أم من شريحة السندات، وهل تُحتسب مساهمة مصرف لبنان من احتياطات المصارف عليه أم عليها. أما ما لا يجوز استنتاجه من رقم 8.1 مليارات وحده فأربعة أمور: أنه جزء مدفوع من الـ100 ألف، وأنه يعادل استرداداً بقيمته الحقيقية، وأنه يخفض الفجوة، وأنه يرجّح إحدى القراءتين المتنازعتين.

المصادر

  1. النهار، «اختتام اجتماعات بعثة صندوق النقد إلى لبنان» (تصريح الحاكم)، 18/9/2026
  2. تصريح وزير المالية جابر بعد اجتماع البعثة، 18/9/2026
  3. سلوى بعلبكي، «فجوة التمويل تهدّد الـ100 ألف دولار»، «النهار» عبر بيروت 24، 1/9/2026
  4. رياض أسعد هلال، «كيف ستُحتسب وديعة الـ100 ألف دولار لتحريرها؟»، أساس ميديا، 31/8/2026
  5. بيان مصرف لبنان حول التعميمين 158 و166، 11/5/2026
  6. دراسة «أنكورا» لجمعية المصارف، «وعد الـ100 ألف يتبخّر؟»، ليبانون ديبايت، 4/9/2026
  7. «جابر بحث مع صندوق النقد قانون الفجوة المالية»، اللواء، 12/9/2026
  8. «مشروع قانون الإنتظام المالي واسترداد الودائع: ملاحظات أولية» (قراءة قانونية لصيغة كانون الأول 2025)