انضبط المشهد الداخلي في الساعات الأخيرة على تطوّرين أمنيين يثيران التساؤل عمّا إذا كانا يمهّدان لارتدادات مكمّلة لهما، وهو ما سيتبدّى في الأيام اللاحقة؛ تجلّى الأول في نجاح المسعى الأميركي في حمل إسرائيل على الإفراج عن خمسة أسرى، واما الثاني، فتجلّى في إعلان إسرائيل السيطرة على تلة علي الطاهر. وأما اقليمياً، فالواضح من التوترات الطاغية في الأجواء، أنّ الجبهة الأميركية- الإيرانية منضبطة في مسار حربي، وتتقاطع تقديرات المحللين على أنّ عنف وحجم ومدى ومساحة المواجهات بين الجانبين، ترجح الانزلاق إلى مواجهات أوسع وأقسى، ولكن من دون ان تغفل هذه التقديرات احتمال انبعاث مفاجأة صاخبة في أي لحظة، ربطاً بالأخبار التي تتوالى من واشنطن، وتتحدث عن نقاشات مفتوحة يجريها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب.
إطلاق الأسرى
أكّدت مصادر معنية مباشرة بمسار المفاوضات لـ«الجمهورية»، انّ «بسعي مباشر وإصرار من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وجهود من سفير الولايات المتحدة الأميركية في لبنان السيد ميشال عيسى إن عملية إطلاق الأسرى بالغة الدلالة والأهمية في هذا التوقيت، أولاً لإعادة بعض الأسرى إلى الحرّية، وهي خطوة نريدها فاتحة تمهيدية لإطلاق سائر الأسرى لدى إسرائيل، وثانياً لكون هذه الخطوة التي تمّت بسعي مباشر من قبل الولايات المتحدة الأميركية، تعكس بما لا يرقى إليه الشك، جدّية التزام واشنطن في بلورة إيجابيات تعزز مسار التفاوض أكثر فأكثر، وتفتح الطريق أمام استئناف المسار التنفيذي لمندرجات صيغة الإطار، والانتقال إلى مرحلة تجريبية جديدة».
وبحسب المصادر عينها، فإنّ «الجهات المسؤولة في الدولة تلقّت إشارات أميركية مريحة، تؤكّد رغبة واشنطن في تزخيم مسار التفاوض، والدخول بفعالية أكثر على خط تبديد ما هو قائم من عقبات او التباسات، تعيق الخطوات التنفيذية التالية من صيغة الإطار». وتعتبر المصادر أنّ «الجولة المقبلة للمفاوضات – التي يبدو انّ انعقادها قد حُسم خلال فترة قصيرة – هي محطة تقييمية لكل هذا المسار بوجهيه السياسي والعسكري منذ انطلاقته، يُعوّل فيها على دور أميركي أكثر زخماً، للدفع قدماً بصيغة الإطار نحو توسيع نطاق المناطق التجريبية وبلورة خطوات تنفيذية جديدة بصورة عاجلة.
إشارة هنا إلى انّ واشنطن تنظر باهتمام بالغ إلى الخطوة التي تحققت بإطلاق الأسرى، وكانت لافتة إشادتها بما سمّته «حسن النية» الذي أظهرته «حكومتا لبنان وإسرائيل»، والأهم في ذلك، تأكيد التزامها مجدداً بالتنفيذ الكامل لـ«الإطار الثلاثي»، وتيسير الحوار بين إسرائيل ولبنان يوميًا، وانّها في هذا الصدد، تتطلع إلى الجولة القادمة من المحادثات في روما»
وفي بيان لها أمس، رحّبت السفارة الأميركية لدى بيروت، بـ«إفراج إسرائيل عن السجناء، كجزء من الإطار الثلاثي بين لبنان وإسرائيل. هذه خطوة إيجابية». وقالت: «نحثّ الجانبين على مواصلة البناء على هذا الزخم قبيل الجولة المقبلة من المحادثات».
وفي هذا السياق، قال مسؤول رفيع لـ«الجمهورية»: «الواضح أنّ هناك جهداً مكثفاً لدى الإدارة الأميركية، لإبقاء مسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل على السكة، والمحرّك الأساسي لذلك، كان الوضع الحرج الذي بلغه الاتفاق الاطاري بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، وبدا فيه وكأنّه وصل إلى طريق مسدود، جراء التعقيدات التي افتعلتها إسرائيل، وعطّلت عمداً الانتقال إلى مرحلة مناطق تجريبية جديدة، بالتوازي مع تكثيف الاعتداءات وعمليات النسف والتدمير والإحراق للقرى والبلدات الجنوبية، ما أثار شكوكاً جدّية حول التزامها بهذا الاتفاق، وكادت بذلك أن تقرّب الجانب اللبناني من التساؤل عن جدوى الاستمرار في طريق مسدود، وبالتالي إعادة النظر بهذا المسار برمته».
وفي رأي المسؤول الرفيع، «فإنّ واشنطن على ما يبدو مارست ضغوطاً جدّية على إسرائيل لإطلاق دفعة من الأسرى لديها، الّا انّ هذه الخطوة على أهميتها، تبقى ناقصة او بلا أي وزن او معنى إن بقيت يتيمة، إنْ لم تُستتبع بخطوات اخرى بصورة عاجلة، أكان في ملف الأسرى، او في ما خص سائر مندرجات صيغة الإطار».
ورداً على سؤال أكّد المسؤول الرفيع، انّه «لا يخرج من حسبانه تكرار المماطلة الإسرائيلية حول أي مسألة»، واستدرك قائلاً: «المماطلة التي تعتمدها إسرائيل، سواء في تعطيل تنفيذ «الإطار»، او في وضع اشتراطات وما إلى ذلك من تعقيدات، ليست بوجه لبنان فحسب، بقدر ما هي بوجه واشنطن التي تريد إنجاح الإتفاق الإطاري. ولكن مهما تمادت المماطلة الّا انّها لا تستطيع أن تتجاوز السقف الأميركي. ولذلك، فإنّ التعويل يبقى على قوة الدفع الأميركي في الخط المعاكس للمماطلة الإسرائيلية».
الصليب الاحمر
عملية الإفراج عن الأسرى أُنجزت بالأمس، عبر اللجنة الدولية للصليب الاحمر، التي اعلنت انّه «بناءً على طلب الأطراف المعنية، سهّلنا نقل 5 أفراد أطلقت إسرائيل سراحهم إلى لبنان». وأشارت إلى انّه «تمّ نقل شخص واحد يوم الخميس وأربعة أشخاص الجمعة. ودور اللجنة في هذه العملية كان إنسانياً، حيث عملت كوسيط محايد بين إسرائيل ولبنان»، مشيرة إلى «أننا نُجري حواراً ثنائياً وسرياً مع السلطات المعنية لمعالجة القضايا المتعلقة بالأشخاص المحتجزين أو المتوفين والمفقودين».
عون يرحّب
إلى ذلك، أعرب رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون عن «شكره لكل المساعي والجهود التي بُذلت، لا سيما من جانب الولايات المتحدة الأميركية بقيادة رئيسها دونالد ترامب، والجهات الدولية، وفي مقدّمها الصليب الأحمر الدولي، والتي أدّت اليوم (أمس) إلى تحرير الدفعة الأولى من المحتجزين اللبنانيين من قبل الحكومة الإسرائيلية».
ورأى الرئيس عون، أنّ «هذه الخطوة الأولى تجدّد التأكيد على جدوى الموقف اللبناني الصلب، بكل مكوناته، كما على ضرورة استكمال الخطوات المطلوبة، والتي نصّ عليها إطار العمل الثلاثي. وصولاً إلى استعادة السيادة اللبنانية الكاملة، غير منتقصة شبراً من أرضنا، ولا ناقصة انساناً من شعبنا»
وختم الرئيس عون بتوجيه التهنئة بالحرّية لكل من الأسرى المحررين، كما إلى أهلهم وعائلاتهم. مجدداً «العهد على استمرار النضال لتحقيق المطالب والأهداف الوطنية كاملة. ليحيا اللبنانيون جميعاً بكرامة في وطن حرّ، لا سلاح على أرضه إلّا لقواهم الشرعية وحدها، ولا سيادة على أبنائهم إلّا لدولتهم الحامية الضامنة القادرة والعادلة».
واستقبل رئيس الجمهورية السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى وأعضاء من لجنتي الشؤون الخارجية والقوات المسلحة في الكونغرس الأميركي، وفق رئاسة الجمهورية. وجرى عرض الأوضاع الحالية والتطورات الأخيرة، لاسيما تحرير دفعة من المحتجزين اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، إضافة إلى التحضيرات لانعقاد الجولة المقبلة من المفاوضات اللبنانية -الأميركية- الإسرائيلية. وشكر عون عيسى على «الجهود التي بذلها من أجل تحرير عدد من المحتجزين اللبنانيين في إسرائيل»، مؤكّداً على «ضرورة السعي لتحرير ما تبقّى من هؤلاء، وذلك وفقاً لما تمّ الاتفاق عليه خلال المفاوضات الثلاثية ومتابعة لمسار صيغة الإطار».
وكان رئيس الجمهورية قد وقّع أمس، قانون العفو العام، وتلقّى اتصال شكر من رئيس الحكومة نواف سلام. فيما أعلن رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل «أننا سنطعن بهذا القانون حمايةً للعدالة، واحترامًا للشّهداء، وتصدّيًا لجريمة… ولكي يبقى في هذا الوطن من يجرؤ أن يقول «لا»، حفظًا لكرامة وبقيةً لعنفوان وتحيّةً لجيش».
علي الطاهر
وفي موازاة التساؤلات عمّا اذا كانت لخطوة إطلاق الأسرى مكملات لها على هذا الصعيد، تعجّل بإطلاق سائر الأسرى لدى الجيش الإسرائيلي، تتراكم في أجواء علي الطاهر مجموعة كبيرة من الأسئلة: متى تمّت سيطرة إسرائيل عليها، وكيف حصل ذلك؟ وهل هذه السيطرة فعلية أم انّها سيطرة إعلامية او بمعنى أدق دعائية؟ وهل هي سيطرة كاملة أم سيطرة جزئية؟ وهل هي سيطرة بالنار ام بالاحتلال المباشر؟ ولماذا لم تُبث صور لهذا الموقع بعد السيطرة عليه، أسوة بمواقع اخرى اقل أهمية توالت حولها الصور بشكل مكثف من الجانب الإسرائيلي؟ وماذا عن موقف «حزب الله» من هذا الأمر؟ ولماذا لم يصدر بعد أي بيان توضيحي من قبله يؤكّد سيطرة إسرائيل على التلة او ينفيها؟ وما هو مصير عناصر الحزب الذين كانوا متواجدين في علي الطاهر؟ على أن السؤال الأهم: ماذا بعد علي الطاهر؟
لا خبر واضحاً واكيداً حتى الآن، إزاء ما حصل في علي الطاهر. فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قال إنّ تلة علي الطاهر لم تعد تشكّل تهديداً، ووزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس حسم السيطرة عليها، فيما المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية، أعلنت أنّ «قوّات الفرقة 36 عملت خلال الفترة الأخيرة، على تطهير مسارَين تحت الأرض في منطقة مرتفعات علي الطاهر الواقعة ضمن المنطقة الأمنيّة»، مدّعيةً أنّ «القوّات حقّقت سيطرةً عملياتيّةً على منطقة المرتفعات فوق الأرض وتحتها، وطهّرت المنطقة من عناصر «حزب الله»، إذ تمّ اغتيال بعضهم وفرّ آخرون من المنطقة».
وقال كاتس أمس: «إنّ السّيطرة على مرتفعات علي الطاهر تمثّل نهاية استكمال المنطقة الأمنيّة في جنوب لبنان»، مؤكّدًا «أنّنا لن ننسحب من المنطقة الأمنيّة في لبنان حتى يسلّم «حزب الله» سلاحه».
وأفادت القناة 12 العبرية، بأنّ إسرائيل رفعت مستوى التأهّب تحسباً لاحتمال حدوث تصعيد على الجبهة الشمالية، عقب الإعلان عن السيطرة على تلة علي الطاهر في جنوب لبنان. وبحسب القناة، فإنّ السيناريوهات المحتملة تتراوح بين تصعيد محدود والدخول في أيام من القتال، رغم أنّ احتمال تحقق هذه السيناريوهات لا يزال غير مرتفع. وقالت: «الجيش الإسرائيلي يواصل الحفاظ على حالة تأهّب عالية، بالتزامن مع إجراء حوار وثيق مع الجانب الأميركي».
ويأتي ذلك في وقت نقل فيه الإعلام العبري عن مصادر أمنية، تخوفها من أنّ «حزب الله» يواصل جمع المعلومات الاستخباراتية عن مقاتلي الجيش الإسرائيلي، ودراسة أساليب عملهم، ورسم خرائط لمواقعهم، وتحديد أساليب عملياتهم، استعداداً لسيناريو يستأنف فيه القتال على شكل عمليات تسلل وكمائن وإطلاق طائرات مسيّرة متفجّرة وزرع عبوات ناسفة.
وقالت صحيفة «معاريف» العبرية «إنّ تلال علي الطاهر وأنفاق «مدن الملجأ» فيها شكّلت، وفق التقديرات الإسرائيلية، «خط الدفاع الأخير لـ«حزب الله» في جنوب لبنان»، وزعمت «وجود مخاوف لدى الحزب من أن تتيح السيطرة على التلال للجيش الإسرائيلي التحرك شمالاً باتجاه مناطق أخرى، بينها البقاع وبيروت». ونقلت الصحيفة تقديرات إسرائيلية بأنّ عدداً من العناصر الذين كانوا داخل الأنفاق قُتل، فيما تمكّن آخرون من الفرار. كذلك، قدّر الجيش وجود جثث لنحو 10 إلى 15 عنصراً داخل الأنفاق، مرجحاً أنّ معظمهم قُتل بنيرانه، فيما يُحتمل أن يكون بعضهم لم يصمد نتيجة البقاء فترة طويلة من دون طعام ومياه.
ووضعت الصحيفة العبرية «التطورات في علي الطاهر ضمن سياق أوسع يتجاوز السيطرة على الأنفاق نفسها، عبر طرح تساؤلات بشأن الخطوة العسكرية الإسرائيلية التالية، وإمكان انتقال العمليات إلى مناطق أخرى في لبنان».
موقف الحزب
إلى ذلك، في موازاة عدم صدور بيان توضيحي من قبل «حزب الله»، قال عضو كتلة «حزب الله» النائب إيهاب حماده: «لا تزال هناك ضبابية حول واقع سيطرة إسرائيل على تلة علي الطاهر»، وقال في مداخلة عبر إذاعة «سبوتنيك»: «كيف يمكن للعدو الإسرائيلي أن يدّعي السيطرة على تلة علي الطاهر وهو لا يزال يقوم بقصفها والإغارة عليها بشكل متواصل، علماً أنّه يسيطر عليها من الجو او من خلال الإحاطة بها من الجهات كافة جغرافياً، وذلك من دون أن تتمكن قواته من الدخول إلى المنشأة او السيطرة الميدانية عليها». مضيفاً: «إسرائيل لم تنشر صوراً تؤكّد استيلاءها على علي الطاهر او الأسلحة اللوجستية التي تحدثت عنها، في ظل ادّعائها أيضاً عن قتل أعداد كبيرة من المقاتلين وفرار آخرين، وكيف لذلك ان يحدث وهي تقوم بإطباق محكم في الجو او على الأرض؟».
ورأى انّ «إسرائيل تحاول ان تصور من تلة علي الطاهر انّها الحصن الأخير لـ«حزب الله»، ليتمكن نتنياهو من استثماره كورقة في الانتخابات، لكنها مثل أي موقع آخر او تلة في جنوب لبنان، له قيمته الوجودية المقدّسة. وسيطرة الإسرائيلي عليها ليست بكارثة في الواقع العسكري، كما انّها ليست آخر المطاف، بخاصة انّ المقاومة قامت بمواجهة اسطورية في علي الطاهر، ولكن الآن يوجد خطوط حمراء لمعرفة مسار الإسرائيلي».
الجمهورية





