رغم ترقب ما يمكن أن يشهده جنوب لبنان من تطورات ميدانية تتعلق بعزم إسرائيل على تحقيق إنجاز عسكري في تلة علي الطاهر بحجة أنها تضم أنفاقاً استراتيجية لـ«حزب الله»، إلا أن ما شهده مجلس النواب من منازلات سياسية قبل أيام على خلفية نقاش قانون العفو العام أعاد إلى حد ما إحياء الاصطفاف السياسي بين عدد من الكتل النيابية، وذهب البعض إلى تشبيه هذا المشهد بإصطفاف 8 و14 آذار/مارس لولا وقوف رئيس مجلس النواب نبيه بري مع كتلته في منزلة بين المنزلتين ومراعاة الواقع الطائفي والمذهبي في البلد من خلال تسوية أفضت إلى إقرار العفو بأكثرية نيابية بعد انسحاب تكتل «لبنان القوي» وكتلة «الوفاء للمقاومة» من الجلسة.
وإذا كان المشهد النيابي يدل على شيء فعلى فقدان «حزب الله» قدرته على التحكم باللعبة تحت قبة البرلمان وتعطيله الاستحقاقات كما كان يفعل بانتخابات رئاسة الجمهورية. وخسارة «الحزب» معركة العفو ما كانت لتتم لولا التحولات الكبرى التي حصلت منذ حرب «إسناد غزة» وبعدها حرب «إسناد إيران» ولولا سقوط نظام بشار الأسد في سوريا. واللافت أن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام لعب دور رأس الحربة في هذه المواجهة، وانتفض دفاعاً عن صلاحياته، وأسقط من ساحة النجمة ما حصل في صخرة الروشة مستنداً إلى وحدة موقف سنية تمثلت باصطفاف كل من فؤاد مخزومي وفيصل كرامي وأسامة سعد وعبد الرحمن البزري وابراهيم منيمنة وجهاد الصمد وعدنان طرابلسي ووليد البعريني ونبيل بدر وبلال الحشيمي وسواهم ممن كانوا أقرب لمواقف «حزب الله»، خلف صيغة العفو التي كانت لتشمل الإفراج الفوري عن إمام مسجد بلال بن رباح الشيخ أحمد الأسير لولا تطيير النصاب والتوصل إلى صيغة وسطية تتيح خروجه منتصف ايار/مايو 2028.
وقد أدى وقوف نواب «القوات اللبنانية» والتغييريين إلى جانب الأكثرية السنية إلى إحداث تغيير في ميزان القوى داخل المجلس النيابي، ووفّر موقف رئيس حزب «القوات» سمير جعجع الغطاء السياسي المسيحي لهذه القضية، وكان لافتا تصريح النائبة ستريدا جعجع لدى وصولها إلى المجلس دفعاً لهذه المسألة من خلال وضعها في إطار المظلومية السياسية التي تعرّضت لها «القوات» في زمن الوصاية السورية، وربطها بالمظلومية السياسية التي لحقت بالموقوفين الإسلاميين. فما كان يصدر من أحكام عن المحكمة العسكرية يطرح سؤالاً مشروعاً حول العدالة المبتورة التي مورست في مرحلة سابقة وحول الأحكام التي بقيت موضع نقاش واعتراض واستنسابية وحول التوقيف الاحتياطي الذي تحوّل من إجراء استثنائي إلى عقوبة امتدت لسنوات طويلة قبل صدور الأحكام.
أما المزايدات بمحبة الجيش ودماء شهدائه وكأنه مُلك لفريق لبناني ووضعه في مواجهة فريق آخر، دفعت ببعض النواب السنة والمسيحيين إلى استحضار وقائع حصلت في مراحل سابقة لم يتم فيها الدفاع عن شهداء للجيش سقطوا سواء بإطلاق النار من قبل «حزب الله» على طوافة سقط فيها الرائد الطيار سامر حنا وإخراج المتهم بإطلاق النار بعد شهرين، أو من خلال ترحيل عناصر من «داعش» بباصات مكيّفة بعد معركة فجر الجرود شرق لبنان أو من خلال استهداف اللواء فرنسوا الحاج وسواه من القادة الأمنيين الذين تولوا التحقيق في اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
من هنا، انتقدت أوساط سياسية عدم ثبات الموقف عند بعض الأفرقاء من المؤسسة العسكرية وتبدله بحسب الظروف والتحالفات السياسية، مستذكرين الحملات التي طالت بشكل خاص الرئيس العماد جوزف عون حين كان قائداً للجيش. وهكذا تحوّل النقاش من مضمون القانون وتداعياته إلى سجال سياسي حول الجيش، ودور وزير الدفاع، ومن يملك حق الكلام باسم المؤسسة العسكرية.
وجاء موقف رئيس الحكومة الرافض «لن يزايد أحد علينا في حرصنا على الجيش ووفائنا لشهدائه الأبرار»، كما قال داخل مجلس النواب وفي جلسة مجلس الوزراء ليضع حداً لمحاولة التأثير على الرأي العام ولعدم السماح بأي تأويل قد يوحي بأن الجيش فريق في لبنان أو أنه على خلاف مع أي طرف لبناني وتحديداً الطائفة السنية التي كانت في طليعة من قدمت الشهداء في صفوف الجيش وخصوصاً في معركة نهر البارد. فالجيش جيش كل لبنان وعلى مَن يحرص فعلاً على المؤسسة العسكرية أن يتوقف عن المزايدات.
أما مَن تلطى خلف وزير الدفاع اللواء ميشال منسى ليصوّب على الحكومة ورئيسها والمتاجرة بدماء الشهداء وافتعال أزمة صلاحيات أو إحراج رئيس الجمهورية وإحداث شرخ بينه وبين رئيس الحكومة بسبب منع الوزير منسى المحسوب على الرئيس عون من الكلام، فلم ينجح في محاولته خصوصاً في هذه المرحلة من المفاوضات مع إسرائيل التي يحتاج فيها لبنان إلى تماسك مؤسساته وإلى الشراكة بين الرئاسات. ومَن يدافع عن الجيش عليه احترام هيبته وقرارات السلطة السياسية ببسط سيطرتها على كل الأراضي اللبنانية وتسليم السلاح غير الشرعي لتبقى بندقية الجيش وحيدة وحصرية لا شريك فيها. فالذي مع الجيش يكون مع قرارات السلطة السياسية ومع حصرية السلاح ولا يعتبر الجيش ضعيفاً أو يتلكأ في تنفيذ قرارات 5 و7 آب/أغسطس و2 آذار/مارس، ولا يحاول توظيف الجيش مع وزير الدفاع في مواجهة رئيس الحكومة.
من هنا، فإن معركة قانون العفو تحوّلت إلى معركة سياسية غير منفصلة عن معركة انتخاب الرئيس جوزف عون وما يخوض على رأس الدولة من تحديات لاسترجاع القرار اللبناني الحر والسيّد بمعزل عن أي رهانات جديدة على نفوذ السلاح أو محاولات استغلالية للجيش اللبناني الذي يبقى خاضعاً لقرار السلطة السياسية وإحدى الأدوات الأساسية لقيام الدولة.
سعد الياس – القدس العربي




