أزمة ثلاثية الابعاد في اوكرانيا: زيلينسكي بين الجيش والمصانع والشارع

يولا هاشم

المركزية – في خطوة سياسية لافتة وسط الحرب المستمرة مع روسيا، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن بلاده تواجه مشاكل دفاعية وعسكرية تتطلب حلولًا حاسمة، مؤكدًا أن كييف تسعى إلى زيادة الضغط على روسيا لدفعها إلى وقف الحرب والموافقة على وقف إطلاق النار.

في الموازاة، أعلن زيلينسكي عن تعديل وزاري واسع يشمل استبدال رئيسة الوزراء يوليا سفيريدينكو وعدداً من رؤساء أجهزة إنفاذ القانون، دون أن يكشف عن الأسماء البديلة أو أسباب القرار. التعديل تزامن مع استقالة وزير الدفاع ميخايلو فيدوروف، الذي يحظى بشعبية كبيرة بسبب دوره في تحديث الجيش، ما أثار موجة احتجاجات في كييف ومدن أخرى، حيث رفع المتظاهرون الأعلام الأوكرانية والأوروبية مطالبين بعودته.

هذه التطورات تفتح الباب أمام تساؤلات حول توازن القوى داخل الحكومة والجيش، وتأثيرها على مسار الإصلاحات العسكرية وثقة الشارع الأوكراني بالقيادة السياسية. فماذا في التطورات على الساحة الاوكرانية؟

المحلل السياسي الدكتور خالد العزي يؤكد لـ”المركزية” ان “وزير الدفاع الأوكراني لم يستقل، لكن قبل أسبوعين ظهرت إشادة من زيلينسكي برئيسة الوزراء الأوكرانية، وكأنها اتفاق ضمني على الاستقالة. فاستقالة رئيسة الوزراء تعني استقالة الحكومة كاملة، وبالتالي على الرئيس أن يكلّف شخصية جديدة بتشكيل حكومة تعرض أسماء الوزراء على البرلمان للموافقة. إقالة وزير الدفاع جاءت ضمن هذا المخطط، لكن خلفها أسباب كبيرة وخطيرة مرتبطة بالصراع الداخلي في الطبقة العليا التي تحاول استغلال الحرب لتحقيق مكاسب”.

ويشير العزي الى ان “الصراع ثلاثي الأبعاد: الجيش الذي لا يريد الخضوع للقوننة والرقابة المؤسسية، والتصنيع الأوروبي الذي يرفض الضوابط والشفافية ليستفيد من المساعدات الضخمة الموجهة لأوكرانيا. كلا الطرفين يرفض الشفافية، ما وضع الرئيس زيلينسكي تحت ضغط شديد. فهو لا يستطيع الدخول في مواجهة مع الجيش خشية انهيارات في الجبهة، ولا يريد خسارة المصانع الأوروبية لأنه بحاجة إلى السلاح والتصنيع السريع لاستمرار الحرب.

ويستطرد: “وزير الدفاع، البالغ من العمر 36 عامًا، يُعرف في أوكرانيا بـ”العقل التكنولوجي” الذي حقق إنجازات بارزة في الحرب الإلكترونية ضد روسيا منذ توليه منصبه. وقد طبّق برنامجًا صارمًا للشفافية يشمل الإنفاق والمصاريف والسلاح، ما أثار صدامًا مع الجنرالات العسكريين من جهة، ومع موردي السلاح من جهة أخرى. وفي فترة وجيزة ارتفعت شعبيته بشكل كبير، حتى خرج الأوكرانيون إلى الشارع مطالبين بعدم إقالته، معتبرين أن إنجازاته خلال ثمانية أشهر تعادل ما تحقق في خمس سنوات”.

ويضيف: “أمام هذا الواقع، وجد زيلينسكي أن المخرج الوحيد هو إقالة الحكومة وتشكيل أخرى جديدة، لتجنّب صراع مباشر مع وزير الدفاع الذي قد يشكّل لاحقًا تهديدًا سياسيًا بسبب شعبيته. لكنه في الوقت نفسه لا يريد مواجهة مع الجيش أو مع المصانع الأوروبية، ولا مع الشارع الأوكراني الرافض للتعديل الوزاري. لذلك يسعى إلى ترتيب الأوضاع الداخلية بتعيين رئيس وزراء جديد ووزير دفاع قد يكون مقربًا من الوزير السابق، في رسالة تهدف إلى تهدئة الأطراف الثلاثة”.

ويرى العزي ان “المهمة الأساسية لزيلينسكي اليوم هي الحفاظ على توازن دقيق: عدم إضعاف المؤسسة العسكرية، وعدم تعطيل التصنيع الحربي الذي تحتاجه أوكرانيا لتطوير الصواريخ والطائرات المسيّرة، وفي الوقت نفسه تجنّب أن يُتهم عهده بالفساد الذي قد يهدد استمرار الدعم الدولي. لذلك يُرجَّح أن يُمنح وزير الدفاع السابق منصبًا جديدًا يتيح له متابعة برنامجه الإصلاحي بطريقة لا تُحرج الرئيس، وتساعد على حماية النظام من الانقسامات الداخلية”.

ويعتبر ان “المشاكل التي دفعت زيلينسكي إلى هذه الخطوة دفاعية بالدرجة الأولى، فهو بحاجة إلى تطوير منظومات صاروخية، خاصة بعد أن أجاز الرئيس الأميركي دونالد ترامب في قمة أنقرة التعاون الغربي–الأوكراني لتطوير صواريخ باتريوت. هذا التعاون يفتح الباب أمام أموال ضخمة لتحسين أوضاع المؤسسات التصنيعية، لكنه أيضًا يفتح الباب أمام الفساد. ومع ذلك، فإن الحاجة العسكرية تفرض نفسها: أوكرانيا إن لم تطوّر قدراتها ستستنزف، وروسيا ستستغل الثغرات لتكثيف ضرباتها على البنى التحتية والمدن الكبرى. قدرات الطائرات المسيّرة الأوكرانية عطّلت نحو 25% من القدرات الروسية، لكنها لا تكفي لصياغة استراتيجية متكاملة”.

ويشدد على ان “المطلوب هو سلاح جديد يحقق توازنًا على الأرض، ويدفع روسيا في النهاية إلى الجلوس على طاولة المفاوضات. أوكرانيا ترى اليوم أن لديها فرصة ذهبية عبر المساعدات الأوروبية والموافقة الأميركية الضمنية على تطوير صناعات دفاعية متقدمة، ما يضع روسيا أمام أمر واقع”.

ويختم العزي: “زيلينسكي ربما لا يعالج الأزمة بطريقة مثالية، لكنه يحاول تدوير الزوايا وتفادي صراعات داخلية وخارجية قد تطيح بمشروعه لتطوير الصناعات العسكرية والدفاعية. إشادته برئيسة الوزراء كانت مدخلًا لتغيير حكومي محسوب، يهدف إلى احتواء الصراع بين وزير الدفاع ورئيس الأركان والجنرالات، ومنع تفجر أزمة قد تهدد استقرار البلاد في هذه المرحلة الحساسة”.