لم يكن التفجير الذي ضرب منطقة الحجاز قرب القصر العدلي في دمشق، وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى، حدثاً أمنياً معزولاً. فالهجوم أعاد إلى الواجهة أسئلة قديمة تتعلق بقدرة التنظيمات الجهادية، وعلى رأسها تنظيم داعش، على استعادة جزء من حضورها داخل سوريا، وحدود التهديد الذي ما زالت تمثله خلاياه بعد سنوات من خسارته السيطرة المكانية.
حتى الآن لم يصدر بيان من وزارة الداخلية السورية يوضح تفاصيل عملية التفجير، وكذلك لم تتبنَّ أي جهة المسؤولية عن التفجير، إلا أن الحادثة جاءت في توقيت اعلان تشكيل مجلس الشعب السوري والذي يراه تنظيم الدولة من أبرز مظاهر الكفر والتحاكم للطاغوت، ويرافق ذلك تصاعد نشاط التنظيم وسط انتشار واسع للسلاح في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة. وبينما تبدو دمشق بعيدة نسبياً عن مسرح العمليات التقليدي للتنظيم، فإن ما يجري في الجزيرة السورية يطرح مجدداً سؤالاً حول مدى قدرة التنظيم على استثمار الفوضى الأمنية وإعادة بناء قدراته.
انسحاب سريع وفراغ أمني
وقال مصدر مطلع لـ”المدن”، إن تجارة السلاح تنتشر بشكل واسع في السوق السوداء في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة بعد انسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) عقب هجوم واسع شنته مجموعات عشائرية وترافق مع انهيار سريع في خطوط السيطرة خلال أقل من 48 ساعة. بدا للوهلة الأولى أن المشهد يتجه نحو إعادة ترتيب خريطة النفوذ في شرق سوريا، إلا أن التطورات اللاحقة كشفت أن التحدي الحقيقي لم يكن فقط في تبدل الجهة التي تمسك بالأرض، بل في الفراغات الأمنية التي خلّفتها عملية الانسحاب السريعة.
فخلال سنوات سيطرة قسد أُنشئت عشرات المستودعات والمقار العسكرية ونقاط التخزين الخاصة بالأسلحة والذخائر. ومع تسارع الأحداث العسكرية في كانون الثاني/يناير الماضي، لم يتم إخلاء جميع هذه المستودعات، وبقيت كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر داخل المواقع أو في محيطها، لتصبح لاحقاً جزءاً من واحدة من أكثر القضايا الأمنية حساسية في شرق سوريا.
فوضى السلاح في الجزيرة السورية
وأفاد مصدر “المدن”، بأن عدداً من المستودعات التي جرى تركها خلف خطوط الانسحاب احتوى على أسلحة خفيفة ومتوسطة وكميات من الذخائر لم تُنقل قبل مغادرة القوات المنسحبة.
وفي ظل ضعف السيطرة الأمنية خلال المرحلة الانتقالية واتساع الرقعة الجغرافية التي احتاجت إلى الانتشار العسكري والإداري، بدأت تجارة السلاح تنشط بصورة غير مسبوقة.
وتحولت تدريجياً بعض المناطق إلى أسواق شبه مفتوحة لتداول الأسلحة، وظهرت شبكات محلية ضمت وسطاء وتجاراً ومهربين عملوا على شراء وبيع ونقل الأسلحة بين المدن والبلدات والقرى.
وساعدت الطبيعة الجغرافية لشرق سوريا، واتساع المسافات بين التجمعات السكانية، على تسهيل عمليات إخفاء السلاح وإعادة بيعه ونقله عبر طرق فرعية بعيدة عن الرقابة الأمنية.
ولم تعد تجارة السلاح مجرد نشاط هامشي مرتبط بعمليات التهريب التقليدية، بل تحولت تدريجياً إلى اقتصاد موازٍ نشأ مستفيداً من الفوضى الأمنية. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في انتشار السلاح بين الأفراد فحسب، بل في الجهة التي قد ينتهي إليها هذا السلاح.
داعش يراقب الفوضى
في شرق سوريا، لا يحتاج داعش إلى السيطرة على مدينة أو رفع راياته فوق المؤسسات الحكومية لإثبات وجوده. فمنذ خسارته آخر معاقله المكانية، اعتمد التنظيم بصورة أساسية على الخلايا الصغيرة والعمليات الخاطفة والانتشار المرن في المناطق الصحراوية والريفية.
وأفاد مصدر خاص “المدن”، بأن التنظيم تمكن بالفعل من الحصول على كميات من الأسلحة عبر السوق السوداء وشبكات التهريب المحلية، مستفيداً من وفرة المعروض وانخفاض الأسعار مقارنة بالسنوات السابقة.
ولا يحتاج التنظيم، في مرحلته الحالية، إلى ترسانات كبيرة من السلاح. فاستراتيجيته الراهنة تقوم أساساً على حرب العصابات والاغتيالات والعبوات الناسفة والكمائن السريعة، وهي تكتيكات تجعل الحصول على أسلحة خفيفة ومتوسطة وذخائر بكميات محدودة أمراً كافياً لإعادة تنشيط الخلايا ورفع وتيرة النشاط الميداني.
كذلك وفرت مرحلة إعادة الانتشار الأمني التي أعقبت انسحاب “قسد” هامشاً أوسع لحركة التنظيم وإعادة ترتيب شبكاته. فالمناطق الصحراوية الممتدة بين دير الزور والرقة وصولاً إلى جنوب الحسكة كانت تاريخياً من أبرز مسارح عمليات التنظيم، نظراً لاتساعها وصعوبة مراقبتها بشكل دائم، فضلاً عن وجود طرق فرعية ومساحات مفتوحة تسهل التنقل والتخفي.
وفي الوقت الذي لم تشهد فيه دمشق خلال عام 2026 سوى عدد محدود من الحوادث والتهديدات المرتبطة بالتنظيم، بقيت محافظات الجزيرة السورية تمثل الثقل العملياتي الأساسي لخلاياه ونشاطه الأمني.
أرقام تعكس تصاعد النشاط
تكشف المعطيات الميدانية خلال النصف الأول من عام 2026 عن عودة تدريجية لنشاط التنظيم. ووفق بيانات متخصصة برصد النزاعات المسلحة، تم تسجيل 83 حادثاً أمنياً مرتبطاً بتنظيم الدولة في سوريا منذ كانون الثاني/يناير وحتى حزيران/يونيو 2026.
استحوذت دمشق على ثلاث هجمات، أما محافظة دير الزور فتحملت وحدها نحو نصف هذه الحوادث، بما يعادل 42 هجوماً وحادثاً أمنياً. أما محافظة الرقة فسجلت نحو 17 هجوماً، أي ما يقارب 20 في المئة من إجمالي الحوادث.
وفي الحسكة، ورغم عدم وجود رقم مستقل معلن، شهدت المحافظة عدداً من الحوادث المرتبطة بخلايا التنظيم، شملت استهداف مواقع أمنية وتحركات في بعض المناطق الريفية ومحاولات لتنشيط الخلايا النائمة.
وبذلك تكون محافظات دير الزور والرقة والحسكة قد شهدت ما لا يقل عن ستين حادثاً أمنياً مرتبطاً بالتنظيم خلال أقل من ستة أشهر.
كما أفاد شهود عيان “المدن” بأنه يتم رفع راية تنظيم داعش باستمرار في مناطق دير الزور علنا بدون أي خوف أو رادع أمني.
ولا تعني هذه الأرقام أن التنظيم بات قريباً من استعادة تجربة عام 2014 أو العودة إلى السيطرة على المدن والبلدات، لكنها تكشف بوضوح أنه ما زال قادراً على الحفاظ على مستوى من الحضور العملياتي واستثمار الثغرات الأمنية متى توفرت الظروف المناسبة.
تكتيك الاستنزاف بدل السيطرة
يدرك تنظيم داعش أن البيئة الحالية لا تسمح بإعادة إنتاج تجربة “الخلافة” التي أعلنها قبل أكثر من عقد. لذلك، يبدو أنه يتجه نحو استراتيجية مختلفة تقوم على الاستنزاف التدريجي.
وتشمل هذه الاستراتيجية تنفيذ عمليات اغتيال، وزرع عبوات ناسفة، ونصب كمائن، واستهداف دوريات أمنية ونقاط عسكرية معزولة، ثم الانسحاب بسرعة قبل وصول التعزيزات.
ويحقق هذا النمط من العمليات عدة أهداف في آن واحد؛ فهو يثبت أن التنظيم لا يزال موجوداً على الأرض، ويستنزف القوى الأمنية، ويبعث برسائل إلى أنصاره بأنه قادر على الاستمرار، كما يمنحه الوقت الكافي لإعادة تنظيم شبكاته واستقطاب عناصر جديدة.
وفي بيئة تنتشر فيها الأسلحة خارج السيطرة الرسمية، تنخفض تكلفة هذه العمليات بصورة كبيرة، بينما ترتفع قدرة التنظيم على تعويض خسائره اللوجستية والبشرية.
وأعاد تفجير دمشق، رغم غياب أي دليل حتى الآن يربطه بالتنظيم، التذكير بحقيقة أساسية مفادها أن الخطر لا يُقاس فقط بعدد الهجمات التي ينفذها التنظيم داخل العاصمة، بل بقدرته على الاحتفاظ ببيئات رخوة في الأطراف السورية تسمح له بإعادة بناء قدراته تدريجياً.
“المدن”





