جوانا فرحات
المركزية – على صفحات التواصل الإجتماعي يتم تداول شريط مصور عن مشاركة عنصر من حزب الله في معارك عبرا في وقت كانت التقارير الأمنية والتصاريح التي صدرت لاحقا عن عسكريين متقاعدين شاركوا في المعارك تؤكد أن الجيش اللبناني وحده خاض المعارك في وجه مجموعات أحمد الأسير الإرهابية.
البعض يبرر توقيت هذا الشريط باقتراح قانون العفو العام ومنهم من يجزم بأنه “مركّب” لأهداف تتعلق بملف الأسير والمطالبة بضرورة إلحاقه بقانون العفو العام. أو إعادة المحاكمة بعدما رفضت المحكمة العسكرية الأخذ بالأدلة والتسجيلات التي تقدم بها مدير برنامج الدعم القانوني في مركز سيدار للدراسات القانونية المحامي محمد صبلوح والتي تثبت أن مجموعات تابعة لحزب الله شاركت في معارك عبرا وتسببت في استشهاد عدد من العسكريين في الجيش اللبناني.
هذه الثغرات القضائية التي لا يزال يتمسك بها صبلوح عادت إلى الضوء مع النقاشات التي بدأت في أيار الماضي حول اقتراح قانون العفو العام وتخفيض بعض العقوبات بصورة استثنائية، وكان يمكن أن تحرز تقدماً ملحوظاً خصوصاً وأن صيغة وُصفت بالتوافقية كانت بدأت تتبلور بين الكتل النيابية المختلفة، بعد أكثر من ثماني جلسات من البحث والتفاوض. وبحسب المصادر كان هناك توجه مؤكد لإقرار القانون قبل عيد الأضحى، وقد أدرِجَ على جدول أعمال الجلسة التشريعية التي دعا إليها رئيس المجلس نبيه بري، وسط توقعات بأن يشكل ذلك محطة حاسمة في مسار الملف.
إلا أن المشهد انقلب بصورة مفاجئة مع تصاعد الاعتراضات الشعبية والسياسية على بعض بنود المشروع، واندلاع تحركات احتجاجية في عدد من المناطق اللبنانية. وقد دفعت هذه الأجواء رئيس المجلس إلى تأجيل الجلسة التشريعية التي كانت مخصصة لاستكمال مناقشة القانون، مبرراً القرار بالحاجة إلى الحفاظ على التوافق الوطني وتجنب تحويل الملف إلى مادة انقسام طائفي أو مذهبي.
حتى الآن، لا يوجد قرار رسمي بإسقاط مشروع العفو العام أو سحبه من التداول، لكن الملف لم يعد مطروحاً بصورة عاجلة كما كان قبل الجلسة المؤجلة. وعليه تصف مصادر قانونية الوضع الحالي بأنه تأجيل مفتوح أكثر منه تجميداً نهائياً للمشروع بانتظار توافر توافق سياسي أوسع. ومن أبرز العقد المتمثلة تحديد الفئات التي سيشملها العفو، والتمييز بين الجرائم التي يمكن أن تستفيد من أحكامه وتلك التي ينبغي ان تستثنى. كما ترفض بعض القوى أي صيغة قد تُفسَّر على أنها تساهل مع جرائم خطيرة، فيما تتمسك جهات أخرى بضرورة معالجة أوضاع عدد كبير من الموقوفين والسجناء الذين طال انتظار محاكماتهم.
في العمق، تصف مصادر قضائية لـ”المركزية” قانون العفو العام بـ”العشائري” إنطلاقا من التوقيت الخطأ في طرحه وإصرار كل طائفة والعفو عن “موقوفين” محسوبين عليها. وتقول” كان من الأجدى عدم طرح هذا القانون في هذه المرحلة لأنه ساهم في تظهير الإنقسام الطائفي العمودي في البلد.فالشيعة يريدون أن يشمل القانون تجار المخدرات والمروجين، والسنة عينهم على الموقوفين الإسلاميين، والمسيحيون أعادوا فتح ملف اللبنانيين في إسرائيل الذين أبعدوا عن أرضهم منذ العام 2000 بغض النظر عن أحقية عودتهم أم لا”.
من بين الحلول التي يطرحها المصدر القضائي تسريع المحاكمات، وتوسيع استخدام العقوبات البديلة في بعض الجرائم البسيطة، وتحسين أوضاع السجون القائمة، وإنشاء مراكز احتجاز جديدة تتناسب مع الأعداد الفعلية للنزلاء. وفي ما خص الموقوفين السوريين وسواهم من جنسيات أجنبية أخرى دعا إلى تعزيز التعاون القضائي بين لبنان والدول التي ينتمي إليها السجناء ، مما يسمح بتنفيذ الأحكام أو استكمال فترات العقوبة في بلدانهم الأصلية وفق الأطر القانونية المعمول بها.
وفي السياق، برزت تساؤلات حول ما إذا كان تسليم دفعة جديدة من السجناء السوريين يساهم في تخفيف الضغط عن ملف العفو العام أو يغيّر في مساره داخل المؤسسات التشريعية. وتقول المصادر” في العمق العلاقة بينهما ليست مباشرة فملف العفو العام في لبنان أوسع بكثير من قضية الموقوفين السوريين، إذ يشمل نقاشات حول فئات مختلفة من الموقوفين اللبنانيين وغير اللبنانيين، ومنهم من ينتظر المحاكمة منذ سنوات، إضافة إلى جرائم متفاوتة الخطورة من جنح بسيطة إلى قضايا أمنية وجنائية معقدة. أما ملف الموقوفين السوريين، فهو يرتبط بشكل أساسي بالتعاون القضائي بين بيروت ودمشق، وبظروف توقيف مرتبطة أحياناً بالنزاع السوري أو بالدخول غير النظامي أو بجرائم تقع ضمن نطاق القانون اللبناني. وبالتالي فإن أي خطوة باتجاه تفريغ السجون من مجموعات محددة من الموقوفين، مثل الموقوفين السوريين، قد تُستخدم كعامل “تخفيف ضغط” عن النقاش العام حول العفو، خصوصا وأن جزءًا من الخطاب المؤيد للعفو العام يقوم على فكرة الاكتظاظ في السجون اللبنانية وبطء المحاكمات. وبالتالي فإن معالجة ملف الموقوفين السوريين يمكن أن تُقدّم كإجراء جزئي يخفف الحاجة إلى عفو شامل أو يخفف من حدّة المطالبات به.لكن في المقابل، فإن مسألة تسليم الدفعة الأخيرة من الموقوفين السوريين لن يلغي الأسباب التي تدفع نحو طرح العفو العام. فالعفو، بحسب هذه المقاربة، ليس مرتبطاً حصراً بالاكتظاظ، بل هو نتيجة تراكم لأزمة العدالة البطيئة، وارتفاع عدد الموقوفين من دون محاكمات نهائية، إضافة إلى ضغوط اجتماعية من عائلات السجناء اللبنانيين الذين يطالبون بمعالجة شاملة.
فهل تنجح محاولات اللجان النيابية التي تصر على تمرير القانون مع تعديل بعض النقاط في رأب الصدع وإقناع المعترضين عليه بضرورة القبول كمدخل لحل أزمة الإكتظاظ في السجون؟ في انتظار مطرقة المجلس كل الإحتمالات واردة حتى إقراره على قاعدة “عشائرية”





