نقلاً عن صفحة كاهن رعيّة سيّدة عمشيت الخوري شربل الخوري :
في ظلّ المشاهد المؤلمة التي رأيناها في مدرسة الليسيه في بيروت من تصرّفات لا تشبه التربية ولا رسالة العلم، يعود بي الحنين إلى زمنٍ كان للمدرسة فيه هيبة، وللإدارة حضور، وللتربية معنى.
أستذكر اليوم الأستاذ جوزيف مخايل، مدير ثانوية جبيل الرسمية (سابقاً)، وكنت أستاذاً للتعليم المسيحي آنذاك لطيلة ١٠ سنوات، الرجل الذي لم يكن مجرّد مدير مدرسة، بل كان مؤسسة قائمة بحدّ ذاتها.
حوالي ألف طالب كانوا في عهدته، وكان يعرف كيف يحتضنهم، يضبطهم، يحميهم، ويوجّههم. كان يسهر على أدقّ التفاصيل، يتابع كل شيء بهدوء وحزم، بهيبة لا تحتاج إلى صراخ، وبحضور يفرض الاحترام.
كان المدير، نعم… لكنه كان أيضاً الأب والأم.
وثق به الأهالي ثقة كاملة، لأنهم كانوا يعلمون أنّ كل قرار يتخذه، وكل موقف يقفه، هدفه الوحيد مصلحة الطلاب.
والأجمل أنّه داخل أسوار الثانوية، لم يكن هناك مسلم ومسيحي، ولا ابن غني وابن فقير، ولا ابن عائلة نافذة وابن عائلة بسيطة.
كان الجميع متساوين أمامه، لأنّه كان يرى في كل طالب إنساناً يجب أن يتربّى ويحترم ويكبر على القيم.
لم يسمح يوماً للغة الطائفية أن تدخل إلى المدرسة، ولا لمنطق التمييز أن يكسر صورة العدالة داخلها. وهذه كانت عظمة التربية في زمنه.
في تلك الأيام، لم يكن أحد يتجرّأ على كسر صورة المدرسة أو إهانة رسالتها، لأنّ هناك رجالاً يحملون التربية كرسالة لا كوظيفة.
وأعترف اليوم:
حين غادر الأستاذ جوزيف مخايل الثانوية، غادرتُ معه في نفس اليوم.
ولم أندم يوماً على ذلك، لأنني كنت أشعر أنّ جيلاً كاملاً، من دون رجال من طينته، سيصل إلى ما نراه اليوم من فوضى وفلتان وضياع للهيبة والقيم.
لسنا بحاجة فقط إلى مدارس حديثة…
بل إلى مربّين كبار!





