انتهى اليوم الأول من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في واشنطن بعد ثلاث جولات تفاوضية متتالية برعاية أميركية، من دون أي حديث أو إيحاء من أي من الأطراف أنه يمكن البناء حتى الآن على أي نتائج حاسمة أو إختراقات فعلية، في ظل إدراك الأطراف المشاركة أن المسار لا يزال في بداياته وأن الفجوة السياسية والأمنية بين الجانبين لا تزال واسعة.
في معلومات “المدن”، فإن لبنان دخل المفاوضات واضعاً أولوية تثبيت وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي الكامل ووقف التدمير جنوباً، فيما دخلت إسرائيل المباحثات انطلاقاً من أولوية أمنية تقوم على ما قال وفدها في خلال إجتماعات اليوم الأول “تحييد حزب الله وترتيب واقع أمني جديد على الحدود قبل أي انسحاب أو تهدئة شاملة”. أما الأميركيون، فبدوا معنيين أولاً بمنع انهيار الوضع الميداني وضبط مستوى التصعيد، أكثر من دفع الأطراف نحو تسوية نهائية في هذه المرحلة.
وتخللت اليوم الأول اجتماعات سياسية ودبلوماسية وغداء عمل جمع الوفود المشاركة، فيما تستأنف الاجتماعات صباح الجمعة عند التاسعة بتوقيت واشنطن، بجلسات مخصصة للجانب الأمني والترتيبات الميدانية وآليات مراقبة أي تفاهمات محتملة بين لبنان وإسرائيل في المستقبل.
الاجتماعات عقدت بضيافة وزارة الخارجية الأميركية، التي تمثلت بالمستشار مايك نيدم، والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، والسفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي. في وقت غاب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لوجوده برفقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الصين.
ثلاث جولات تفاوضية وغداء عمل
الاجتماع الأول عقد بين الرابعة والخامسة مساءً بتوقيت واشنطن، قبل أن يمتد حتى الخامسة والنصف، ثم أعقبته جلسة ثانية على طاولة التفاوض، فغداء عمل جمع الوفود المشاركة، قبل عقد جولة ثالثة مساءً. وخُصص اليوم الأول بالكامل تقريباً للجانب السياسي والدبلوماسي بعيد المدى، فيما أُرجئ البحث في التفاصيل الأمنية إلى اجتماعات اليوم الثاني.
الوفد اللبناني الذي ترأسه السفير السابق سيمون كرم، وضم السفيرة ندى حمادة معوض، ونائب السفيرة وسام بطرس، والملحق العسكري أوليفر حاكمة، إلى جانب مستشارين وضابطين من الجيش اللبناني، عرض مطالبه الأساسية التي تمحورت حول تثبيت وقف إطلاق النار بصورة “حقيقية ونهائية”، كما نقل الوفد في خلال الاجتماع، لا مجرد هدنة قابلة للخرق، ووقف الاستهدافات والقتل والتدمير في الجنوب، وتأمين عودة النازحين إلى قراهم، إضافة إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وتثبيت الحدود بما يمنع إقامة أي منطقة عازلة داخل لبنان.
كما شدد الوفد اللبناني على “أهمية الالتزام الكامل” بوقف إطلاق النار من قبل إسرائيل، مع التأكيد أن السيادة اللبنانية الكاملة تشكل أساس أي تفاهم لاحق، وأن تثبيت الحدود بند محوري للتأكيد أن إسرائيل لن تبقى داخل الأراضي اللبنانية، ولن تحتفظ بأي شريط أمني ومنطقة عازلة أو نقاط عسكرية تمهيداً لأي ترتيبات مستقبلية بين الجانبين.
الطرح الإسرائيلي: لا انسحاب قبل تحييد الحزب
في المقابل، مثّل الجانب الإسرائيلي نائب مستشار الأمن القومي يوسي درازنين، والمسؤول في رئاسة الوزراء أوري رزنيك، والسفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل ليتر.
وقد قال الوفد الإسرائيلي بشكل واضح إن إسرائيل ترفض وقفاً كاملاً لإطلاق النار وفق الطرح اللبناني، معتبرة أن تفاهم 27 تشرين الثاني 2024 والإعلانات اللاحقة يمنحانها حق “الدفاع عن النفس” ضد أي تهديد يصدر عن حزب الله. كما أكد المفاوضون الإسرائيليون أنهم يتصرفون عسكرياً لمواجهة تهديدات الحزب على أمن إسرائيل.
وشدد الجانب الإسرائيلي كذلك على رفض أي انسحاب كامل من الجنوب قبل “تحييد حزب الله عسكرياً”، مؤكداً أن إسرائيل لن تنسحب من الجنوب قبل التوصل إلى ترتيبات أمنية واضحة وآليات تمنع أي تهديد مستقبلي. وتركزت الطروحات الإسرائيلية أيضاً على مستقبل آليات نزع سلاح حزب الله والضمانات الأمنية في المستقبل، كي لا يشكل حزب الله أي تهديد متجدد لها في المستقبل أو تحت أي ظرف.
الموقف الأميركي والبحث عن أرضية مشتركة
بطبيعة الحال، بدا الموقف الأميركي أقرب إلى الطرح الإسرائيلي. إذ شدد الوسطاء الأميركيون خلال الاجتماعات على “حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها”، مع التركيز على الحد من نطاق العمليات العسكرية بدلاً من فرض وقف شامل وكامل لإطلاق النار. وفي المقابل، حاول الأميركيون إيجاد أرضية مشتركة تسمح باستمرار المسار التفاوضي ومنع إنهياره في مرحلته الأولى.
كما طُرحت خلال الاجتماعات بصورة غير مباشرة فكرة الانتقال مستقبلاً نحو اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل، إلا أن الأميركيين، وبحسب ما كشفت مصادر أميركية مطلعة لـ”المدن”، باتوا على قناعة أن هذا الهدف غير قابل للتحقق حالياً، وأن أي مسار من هذا النوع يحتاج إلى مراحل طويلة وترتيبات تدريجية تسبق الوصول إلى أي صيغة سياسية نهائية.
اليوم الثاني: الأمن وآليات المراقبة
تؤكد المصادر أن الجلسات لم تشهد أي نقاشات أو أخذ ورد، ومفاوضات تفصيلية معقدة، بل اقتصر النقاش على عرض كل طرف لمطالبه ومواقفه، على أن تبدأ المفاوضات حول الملفات الأمنية خلال اجتماعات الجمعة، ولا سيما الترتيبات الأمنية جنوب لبنان، وآليات “نزع سلاح حزب الله” التي تصر عليها إسرائيل، ومستقبل آلية مراقبة وقف إطلاق النار، والجهة التي ستتولى الإشراف على أي تفاهمات أو ترتيبات لاحقة.
عن اليوم الاول، تصدر وزارة الخارجية الأميركية قراءة رسمية مرفقة بصورة عن الاجتماعات، على أن تصدر قراءة ثانية بعد انتهاء جلسات اليوم الثاني، تمهيداً لاعلان لاحقاً عن “إعلان نوايا” برعاية أميركية، بناء على ما يمكن أن يتحقق في يومي التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل.
بعبدا تواكب
لحظة بلحظة، كان رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون يتابع تفاصيل المفاوضات مباشرة من قصر بعبدا، عبر مجموعة عمل مؤلفة من مستشارين وخبراء تواكب الوفد اللبناني الموجود في واشنطن، مع اعتماد سياسة الغموض والتكتم الكامل باعتبارها الأكثر خدمة للمفاوضات، فيما بقيت إدارة الملف محصورة بالكامل بالرئيس عون.
وفي هذا السياق، جرى إتصال هاتفي دام نحو نصف ساعة بين رئيس الجمهورية ورئيس الوفد اللبناني السفير سيمون كرم بعد إنتهاء الجولة الأولى، حيث جرى وضعه في أجواء نتائج المداولات وتفاصيل ما طرح خلال الاجتماعات، على أن تستمر هذه الآلية بعد كل جولة تفاوض طوال فترة المحادثات.
غير أن ما برز في اليوم الأول من المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية، لم يكن فقط طبيعة الطروحات المتبادلة بين الوفدين، بل أيضاً حجم الانخراط المباشر لرئاسة الجمهورية في إدارة هذا المسار التفاوضي الحساس، في ظل محاولة واضحة لإبقاء الملف بعيداً عن التجاذبات السياسية الداخلية والتسريبات الإعلامية.
وبين إصرار لبنان على تثبيت وقف إطلاق النار والانسحاب الكامل، وتمسك إسرائيل بأولوية “تحييد حزب الله والترتيبات الأمنية” قبل أي إنسحاب، تبدو واشنطن أمام مهمة معقدة عنوانها منع إنهيار الوضع الميداني، من دون امتلاك تصور واضح بعد لشكل التسوية النهائية الممكنة.
ليبقى السؤال الأبرز بعد إنتهاء اليوم الأول: هل تنجح الولايات المتحدة في تحويل إعلان النوايا المحتمل إلى مسار سياسي طويل الأمد، وفي أي توقيت وظرف؟ أم أن التناقض العميق بين أولويات لبنان وإسرائيل سيبقي المفاوضات في إطار إدارة التصعيد لا أكثر؟
ندى أندرواس – “المدن”





