الدور الأميركي في مفاوضات لبنان-إسرائيل وإشكالية التوقيت

شهد هذا الأسبوع انتكاسة في العلاقة بين رئيس الجمهورية العماد جوزف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري نتيجة اعتراض الأخير على المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل التي يدعمها الرئيس عون. وفيما كان ينتظر البعض صورة ثلاثية في قصر بعبدا تجمع كلاً من عون وبري ورئيس الحكومة نواف سلام للخروج بموقف موحد لبناني موحد من مسألة المفاوضات ووقف إطلاق النار، فقد طار هذا اللقاء بسبب استمرار التناقضات ورفض الثنائي الشيعي ذهاب لبنان إلى مفاوضات ما لم يحصل التزام إسرائيلي بوقف إطلاق النار وحصول انسحاب من 55 قرية جنوبية وإطلاق الأسرى وإعادة الإعمار.

وتجلّى الخلاف بين عون وبري بالبيان الذي صدر عن المكتب الإعلامي لرئيس المجلس النيابي وينفي ما ورد على لسان رئيس الجمهورية من تشاور وتنسيق معه، كما ينفي منح إسرائيل حرية الحركة في اتفاق 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وذلك بعدما قال رئيس الجمهورية أمام وفد الهيئات الاقتصادية «إنني في كل خطوة اتخذتها كنت على تنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب والحكومة، على عكس ما يُحكى في الإعلام. أما بالنسبة للانتقادات بأنّ لبنان وافق من خلال البيان الأمريكي الذي صدر على إثر المحادثات الثلاثية في واشنطن، على منح إسرائيل حرية استكمال اعتداءاتها على لبنان، فأقول إن هذا الكلام وَرَدَ في بيان صدر عن وزارة الخارجية الأمريكية، وهو النص نفسه الذي اعتُمد في تشرين الثاني 2024، والذي وافق عليه جميع الأطراف».

هذا التباين بين أهل السلطة يضعف الموقف التفاوضي للبنان الرسمي، ويُظهر أن لا مشكلة لدى الثنائي الشيعي بشمول لبنان باتفاق وقف النار بين طهران وواشنطن في حال كان صحيحاً رغم ما يعتريه من خروقات إسرائيلية، فيما فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني محور اعتراض ولو أدى وقف النار إلى وقف الأعمال العدائية الإسرائيلية عن بيروت وضاحيتها الجنوبية والبقاع. ولولا هذا الضغط من جانب الدولة اللبنانية لكانت المواجهة لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات. فالجيش الإسرائيلي كان يتقدم، وهو اليوم موجود في عشرات البلدات، ولو استمرت الحرب لكان من الممكن له فرض وقائع جديدة.

وبات معلوماً أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو العمل في لبنان بحذر أكبر وأن تكون الضربات موضعية وأن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي يمكن أن تؤثر وتضغط على تل أبيب وتحد من حرية حركتها في لبنان. غير أن سعي «حزب الله» لاسترجاع معادلة الردع وفرض قواعد اشتباك جديدة ورفضه العودة إلى ما قبل 2 آذار/مارس يرافقه تصعيد إسرائيلي وتوسيع نطاق العمليات سواء عبر الاستهداف المباشر أو من خلال الغارات ويهدد بذهاب إسرائيل إلى أبعد من الخط الأصفر. وهذا ما لوّح به وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس بمعاملة جنوب لبنان كقطاع غزة وجعل أي انسحاب إسرائيلي انسحاباً من أرض محروقة غير قابلة للسكن.

ولافت وسط هذا المشهد، الحملة العنيفة التي يتعرض لها الرئيس جوزف عون من جانب «حزب الله» والتي بلغت حد تشبيه مصيره بمصير الرئيس المصري الراحل أنور السادات. إلا أن هذه الحملة المركزة وهذا التخوين ترد عليها أوساط القصر الجمهوري بأنها لن تدفع الرئيس إلى التراجع.

ولوحظ في الأيام القليلة الماضية أن الحملة المتصاعدة ضد رئيس الجمهورية قابلها تراجع في الحملات على رئيس الحكومة نواف سلام بعدما تكهنات بأن الاستمرار باستهداف رئيس الحكومة السني سيؤدي إلى إشعال فتنة شيعية سنية ليست في مصلحته بدليل ما شهدته الساحة اللبنانية من اصطفاف لدار الفتوى ولقيادات سنية من مختلف التوجهات خلف نواف سلام الذي يستند إلى دعم عربي واسع، فيما استهداف رئيس الجمهورية الماروني لا يؤدي إلى مثل هذا الاصطفاف، ويعتقد أن حدوث فتنة شيعية مسيحية لا يشكل مصدر قلق كبير كالفتنة الشيعية السنية.
ويؤشر الأسبوعان المقبلان إلى مرحلة دقيقة وحساسة بعدما أعلنته السفارة الأمريكية في بيروت عن أهمية عقد لقاء مباشر بين الرئيس عون وبنيامين نتنياهو، بوساطة الرئيس ترامب، معتبرة أن «من شأنه أن يمنح لبنان فرصة الحصول على ضمانات ملموسة حول السيادة الكاملة، وسلامة الأراضي، وتأمين الحدود، والدعم الإنساني وإعادة الإعمار، وإعادة ترسيخ سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها بضمانة الولايات المتحدة». وهذا سيسبّب إحراجاً وتحدياً للرئيس اللبناني الذي كان رفض التواصل هاتفياً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي قبل تحقيق مكسب واضح في ملفي وقف إطلاق النار والانسحاب، ويفضّل أن يكون لقاؤه مع نتنياهو تتويجاً لمسار المفاوضات وليس في بدايتها.
إلا أن الرئيس عون على قناعة أن لا حل إلا بالتفاوض وأن هذا الخيار فُرض على لبنان نتيجة الحروب التي لم يقرّرها، وأن مبادرته تشكل محاولة لاستعادة القرار الوطني، وإنهاء الحرب، وإخراج إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وأن الولايات المتحدة هي الجهة الوحيدة القادرة على ذلك. فإما التفاوض لإخراج لبنان من الحروب والفوضى، أو استمراره ساحةً مفتوحة لإيران و«حزب الله».

ولا يخفى أن أي لقاء بين عون ونتنياهو في البيت الأبيض سيؤدي إلى غضب الشيعة السياسية التي قد تلجأ إلى الشارع للتعبير عن هذا الغضب والتي هددت عبر بعض الأصوات بعدم إمكانية الرئيس عون من العودة عبر مطار بيروت في حال حصول اللقاء.

وعلى مقلب آخر، فإن عدم تلبية عون دعوة ترامب إلى لقاء نتنياهو قد يعني ترك لبنان لمصيره بدل أن يقرر هو بنفسه هذا المصير كما ورد في بيان السفارة الأمريكية التي دعت إلى إغتنام الفرصة، مشيرة إلى أنه «انتهى وقت التردد».

أما الخروج من التردد بحسب المنطق الأمريكي فهو البدء بالانتقال من الأقوال إلى الأفعال والمباشرة بتطبيق قرارات حكومية مفصلية اتخذت أولاً في جلسة 5 آب حول تكليف الجيش بتطبيق خطة حصرية السلاح بيد الدولة، وثانياً في جلسة 2 آذار حول اعتبار الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله خارجة عن القانون.
من هذا المنطلق، يأتي تحّرك رئيس الجمهورية لإعادة الاعتبار لمنطق الدولة، رافضاً اعتبار المفاوضات تنازلاً أو ضعفاً، ورافضاً أي اتهام بالخيانة، معتبراً أن الخائن هو مَن يرفع علماً غير العلم اللبناني ومن يعمل لمصلحة دولة أخرى، ومنطلقاً من أن الدولة أمام خيارين: إما أن تترك «حزب الله» الذي تورّط بالحرب يتحمل وحده مسؤوليتها ونتائجها، وإما أن تسلك طريق التفاوض على أمل إنهاء النزاع وإنقاذ البلد، وهذا هو الخيار الذي تبناه وهو خيار يستند إلى الدستور وصلاحيات رئيس الجمهورية.

المصدر – القدس العربي