تاريخ فغال وتراثها – الحلقة ٩: فغال في التيتانيك.شعنينة جرجس وهبه، الناجية من كارثة السفينة



تبقى قصّة التيتانيك أسطورة العالم منذ السنة ١٩١٢، يوم غرقت وهي الأُعلِن عنها “السفينة اللا تغرق ولا تُحرق”. لكنّها اصطدمت بجبل الجليد قبيل وصولها إلى نيويورك ليل ١٤ – ١٥ نيسان العام ١٩١٢، ثلاثة أيّام على انطلاقها من لندن، وعلى متنها ركّابٌ من مختلف بلدان العالم.

وراقَ للمسافرين إلى العالم الجديد خوضُ تجربة التيتانيك، السبقَ اسمُها حلمَهم بالسفر على متن المدينة العائمة… ولأنّنا في بداية العقد الثاني من القرن العشرين، لمّا كان الشرق يرزح تحت حكم السلطنة العثمانيّة وجَورها، كان اللبنانيّون يفتّشون عن متنفّس تخلّصيّ، وجدوه في الهجرة إلى الأمريكتين خصوصًا، فبدأوها منذ الربع الأخير للقرن التاسع عشر. في تلك السنة، أراد أبناء لبنان إصابة “عصفورين بحجر واحد”: الهجرة إلى أميركا والسفر في التيتانيك. فشدّ من استطاع منهم الرحيل، رحالَه لتحقيق الحلم المزدوج أعلاه.

هنا، تدخل فغال قصّةَ التيتانيك من بابها العريض. “شعنينة” كنّة فغال، سجّلت في تلك الحادثة صورةً جميلةً من جهة وتوثيقيّة من جهةٍ أخرى.

شعنينة، ابنة طنّوس جرجس أبي صعب وكتّورة ديب أبي صعب، المولودة في تحوم قضاء البترون، يوم أحد الشعانين في ٢٩ أذار ١٨٧٤، اقترنت بجرجس يوسف وهبه من فغال، الذي عُرفت باسمه “شعنينة جورج وهبه”. تقول الرواية إنّها هاجرت للمرّة الأولى مع أولادها الأربعة العام ٢٠٠٦ مع عائلتها بهدف جمع ثروة تمكّنها من العيش الرغيد. وبعد وفاة زوجها العام ١٩٠٨ بقيت في ولاية أوهايو مع أولادها جوزف، توماس، روز وماري.

عادت شعنينة إلى لبنان حيث ابنها توماس الذي مرض في أميركا ونصحها الأطبّاء بنقله إلى لبنان ذي المناخ المناسب لشفائه. لكنّ توماس لم يمتثل للشفاء ووافته المنيّة في لبنان. فعادت أمّه لوداعه ودفنه.

استفادت شعنينة من رحلة التيتانيك لتعود إلى عائلتها. واستطاعت النجاة من الموت في حادثة غرق السفينة التي ضاهت أهميّتها الكارثيّة شهرة الباخرة وعظمتها. تسجّلت شعنينة في سجلّ الناجين من غرق التيتانيك وأكملت في سفينة انتشلتها من قارب الإنقاذ الذي عانت فيه من الجليد ليلة الكارثة، إلى حيث لاقت أولادها الثلاثة في أوهايو الولايات المتّحدة. عشر سنوات على نجاتها من كارثة التيتانيك، جاءت شعنينة إلى لبنان في زيارة العام ١٩٢٢، والتقت أقاربَها في فغال، وكان حديثهم الأساسيّ قصّتها مع التيتانيك وتفاصيل نجاتها. وبعد عودتها إلى أميركا، عاشت فيها حتى العام ١٩٤٧، ودُفنت هناك…

تميّزت رحلة شعنينة في التيتانيك بأمرين جليّين: الأوّل وبحسب المراجع، التقت اللبنانيّين المسافرين على متن السفينة وأحصتهم واحدًا واحدًا، ليكون العدد المعتمد بفضلها ١٦٥ لبنانيًّا، نجا منهم ثمانية وعشرون مسافرًا.

الأمر الثاني، كان إعادة الطفل طومي ابن السنوات الخمس إلى حضن أمّه في السفينة التي انتشلتهم من قوارب الإنقاذ بعدما وجدته مع ممرّضة تحمله في غطاءٍ من صوف. تقول: “كان اللقاء مؤثّرًا جدًّا… لن أنساه أبدًا”.

تفصيلٌ صغير أيضًا، عندما ركبت متن الباخرة كان شعر شعنينة أسود بكامله. بعد الحادثة بشهرٍ أو بسنة واحدة (تختلف المراجع) وُجدت بشعرٍ أبيض تمامًا…


المراجع:


كرم، ميشال، اللبنانيّون في التيتانيك بالوثائق والصور، الطبعة الأولى، 2000، 275 ص.





سلهب، طانيوس أديب، فغال حضارةً وتاريخًا، دار الجيل، الطبعة الأولى، 2000، 344 ص.



د. عماد يونس فغالي

24 نيسان 2026

Imad Younes Feghali