أربعون يوما مضت، وأنا أقلّب الصفحات، وأتقلّب على فراش الذكريات، متأوّها، متمتما الصلوات.
أربعون يوما، والعواطف تستيقظ في أعماقي، لتلوح في آفاق أشواقي، أما نار الفراق فتسري في دمي، لأنذف صادحا أمي ثم أمي ثم أمي.
وفي يوم الرحيل، تعطّلت لغة الكلام، وسيطرت لغة الدمع، فأغمي على أفكاري، ورميت أوراقي، لأعود معبّرا بالكلمات المبلّلة بالمشاعر، وبالتعابير المؤجّجة بالحنين، ولأختصر حكاية أم ناسكة في صومعة الخدمة، ومتجاوزة مصاعب الحياة، بالتضحيات وبالاتكال على رب السماوات.
أما اليوم فربما يراد مني قول الكثير، ربما يراد مني أن أملأ الصفحات بالكلمات، وتمنيت لو اختصرتها بكلمة واحدة رددها شقيقي جريس الذي كان نقطة ضعف أمي “وهمّه يأكل معها في الصحن…” كما كانت تقول، حيث قال بعد أن شعر برحيلها وبين الوعي واللاوعي: “أنا زعلان”.
إعذريني أمي، إذا ما تأخرت، أنت يا من شجعتني على الكلمة وقد كنت تعشقينها، حيث بعد كل مناسبة كنت أشارك فيها، وبعد كل كلمة كنت أكتبها أو ألقيها، كنت تنتظرينني كي على مسامعك أتلوها، وبالتأكيد فأنت اليوم من عليائك “تسمعيها”.
إعذريني أمي إذا ما قصّرت في الكلام، لأني لو كنت فعلت قبلا، لما كانت تكفي تلك المسافة بين عيد الحب يوم ملاقاة وجهك للرب، وبين عيد الأم وذكرى أربعينك وافتقادنا ذلك الوجه المُحب، وضياع هدايا العيد التي راحت في نهر الغياب تصبّ.
فحسبي اليوم أن أتوجه بأسمى آيات المحبة إلى روح العائلة التي أنجبت أما مميزة من الأمهات الصالحات، وإلى تلك الأرض الطيبة التي أنبتت شجرة وارفة بين الأشجار المباركات.

وحسبي أيضا أن أعصر المعاني في مكبس الصدق، لأملأ بزيت البركة خوابي الزمان، وأستذكر وجه أمي العابق بالرجاء، والشلال الدافق بالعطاء، تلك القامة المتجلية في إنسانية الإنسان، والأم الخالدة في بال الزمان، والساكنة في ذاكرة الأيام الحلوة.
تلك الأيام التي كانت تتغاوى فيها مواويل الفلاحين مع صياح ديوك الفجر، وتكتمل اللوحة بوفرة الغلال، وعرمة السلال، والرزق الحلال، والأودية والحقول وهي تناغش التلال، وما أروع العيش في أحضان راحة البال.
وتنطلق تلك اليد المعطّرة بالزعتر والقصعين إلى العمل في الحقل، فتنصرف إلى جني مواسم الغار واللوز والزيتون، وإلى قطاف التين والعنب، وحصاد الزرع، وجمّ الحشائش، وتجميع الحطب…
ومن الحقل إلى شغل البيت، فتنقل بين الموائد والمواقد، بين الكد والجد، وبين غسل الثياب على اليد… ثم إلى الخبز على الصاج أو على فرن “الطابونة”، وذلك الرغيف المُقمّر على نار المحبة، والذي بخميرة البركة معجون.
وماذا عن ذلك المنديل المتدلّي على تلك الأكتاف المنحنية تعبا، وعرق الجبين المتسلّل إلى تلك التجاعيد المرسومة بريشة العمر المديد.
أمي
كيف لنا أن ننسى نكهة قهوتك، وأطايب مائدتك، وغنى “زوّادتك”، وصدى ضحكتك، وصدق محبتك؟
وكيف لنا أن ننسى الأيام الغوالي، وسهر الليالي، وكرمك، وقيمك، وشيمك، وهمتك، وتلك اللآلي؟
كيف لنا أن ننسى خوفك علينا من ليالي القرّ، وانتباهك علينا في نهارات الحر؟
كيف لنا أن ننسى صوتك الذي ينادينا كي “نسرّب” من ميادين الشيطنة وملاعب الصبا: “سرّبوا عالبيت وما تتعوّقوا يا ولاد”، ذلك الصوت الذي يدعونا إلى مساعدتك في أعمال الحقل، وفي أشغال البيت.
“طلّوا ساعدوني يا ولاد”.
وكم كانت تطيب في حضرتك الجلسات، وتستفيق على وعيك الذكريات، وتلك الذاكرة المتّقدة والتي لم تنطفئ مع تراكم السنوات، فأضحت للماضي مرجعا وللزمن الجميل مرتعا.
ما أروع الحياة بقربك، وما أصعب الحياة بغيابك، يا منبع الإيمان ويا روض العطف والحنان. يا من عملت وتعبت وصبرت واحتملت وجع رحيل والدنا المبكر، فأكملت الدرب بالاتكال على الرب، وكنت بمثابة الأم والأب، ورغم أن القلب كان مجروحا، أبقيت على البيت مفتوحا..
فبالقامة والنعمة والحكمة، كبرنا بين يديك، واستعنّا بنخوة ساعديك، واستنرنا ببريق عينيك… وبقينا أطفالا في ناظريك.
نعم، وبقينا في ظلك أولادا، طالما كانت تداعب أحلامنا، وتلاعب أيامنا، وتسكر مشاعرنا كلمة “يا صبي” أو “يا بنت”، وبعد رحيلك شعرنا بأننا هرمنا وكبرنا مع هذا العمر الفاني، وصرنا في المقلب الثاني.
وطمحنا دائما إلى نيل رضاك، منذ أن كنا على غمرك وحتى نهاية عمرك، وفي لحظاتك الأخيرة، ومع دقات قلبك السريعة والخطيرة، وأمام وجوهنا اللاهفة وقلوبنا الخائفة، رحت تنقلين أناملك عازفة على حبيبات مسبحتك صلاة “الأبانا والسلام”، وأنت تتمتمين من شفتيك المرتجفتين كلماتك الأخيرة، ومع طلوع الروح، طلعت منك: “الله يرضى عليكم يا ولادي وانشالله ما يدقوا حدا منكم شوكة”.
وأنت تعبرين إلى دار البقاء، وفي حضن أمك العذراء، ارمقينا بنظرة من العلياء.
باسم الشقيقات والأشقاء، وباسم الأهل والأصدقاء، نشكر حضرة الآباء، وخاصة الكاهن الأديب وسيم أبي فرام على كلمته البليغة والصادقة، كما حضرة الخوري بيار الخوري كاهن الرعية على وقفته إلى جانبنا، مع الخوري جاد الحاج، كما رفيقة النشاطات الإيمانية الأخت جوزفين الحكيم، كما الأخت دنيز عقل، والأخت فاديا لحود، وجميع الحاضرين، وكل من واسانا بالأمس واليوم، كما نشكر جميع الأوفياء.
ولوالدتي الراحة في السماء، ولكم من بعدها طول البقاء.
غانم إسطفان عاصي
حصارات في 22/03/2026





