حامل الوزنات: بين الرسالة النيرة والعتمة التقنية واليأس | د. بيار الخوري

بيروت يا بيروت

في التاسع من شهر آذار من كل عام، يُطلّ لبنان على عيد المعلم كما يُطلّ المسافر على واحةٍ في وسط الصحراء؛ يرى فيها ما يريد أن يرى، ويصمت عمّا لا يُطيق قوله. يُزيَّن الفصل بباقة من الورود، وتُرفع اللافتات تعبيراً عن الامتنان، وتُقال الخطب الرنّانة عن قداسة الرسالة ونبل التعليم.

غير أن خلف هذه الاحتفالية الدافئة، ثمة صمتٌ ثقيل يعرفه كل معلم حين يعود إلى بيته في المساء، حاملاً ما بقي من يومه: الإرهاق، والفاتورة غير المدفوعة، والسؤال الذي لا يجرؤ على الإجابة عنه: «هل ما زال لهذا معنى؟»

المعلم، في جوهره، كائنٌ مسكونٌ بالأمل. لا يستطيع أن يقف أمام صفٍّ من الوجوه الصغيرة دون أن يرى فيها شيئاً من المستقبل. في كل طفلٍ يُمسك القلم للمرة الأولى، وفي كل شابٍّ يُصوِّب سؤالاً ثاقباً، يرى المعلم أثرَ ما بذله من روحه. وهذا الأثر، الخفيّ والبطيء كنموّ الجذور تحت التراب، هو الذي يجعل المهنة محتملة، بل ومقدسة في لحظاتها الأعمق.

فحين يعود إليك طالبٌ بعد سنوات ليقول «أنت من فتح عيني»، لا تحتاج إلى مكافأة أخرى؛ لأنك لمستَ ما لا تلمسه المواسم ولا تُدركه الجوائز.

بيد أن لبنان، في سنواته الأخيرة، حوّل هذا الأمل إلى محنة. الانهيار الاقتصادي لم يترك للمعلم مسافةً آمنة بين وظيفته ومعاشه ووجوده. باتت الرواتب التي كانت شحيحة أصلاً لا تساوي، بعد انهيار الليرة، ثمن يومٍ من احتياجات الأسرة. صار كثيرٌ من المعلمين يُدرِّسون بأجسادهم وأفكارهم في الفصل، بينما عقولهم تحسب الديون وتُراجع الأرقام.

وبات السؤال الوجودي الذي طالما بدا فلسفياً «لماذا أُعلِّم؟» يكتسب طابعاً حادّاً ومريراً. ليس أزمة معنى فحسب، بل أزمة بقاء.المدرسة اللبنانية، تلك المؤسسة التي طالما افتخر بها لبنان واجهةً حضارية، باتت تعاني من نزيف بطيء.

معلم يُغري بالهجرة، ومعلم متبقّي يُصارع الإحباط. الكتب التي لا تتجدد، والمختبرات التي لا تعمل، والطلاب الذين يُتابعون الدرس بأجهزة مكسورة أو في فصول تفتقر إلى أبسط مقومات التعلم، كل ذلك يُثقل كاهل مَن اختار هذه المهنة لأنه آمن بها يوماً ما.

وفي ظل هذا كله، يجد المعلم نفسه في موقع مؤلم: هو يعرف ما ينبغي أن يكون عليه الدرس، لكنه لا يملك ما يُمكِّنه من تقديمه.ثم جاءت الحرب لتُضيف إلى هذا المشهد المُثقَل طبقةً جديدة من الجرح. حين تُقصَف القرى وتُهجَر الأحياء، لا يتوقف الأمر عند تهجير الأسر وتشريد الأطفال، بل يمتد ليطال الفصل الدراسي في صميمه.

المدارس تتحول إلى مراكز إيواء، والطلاب يتفرقون في أصقاع البلاد وخارجها، والمعلم يجد نفسه فجأة أمام واقع لم يتدرب عليه يوماً: كيف تُعلِّم من لا تعرف أين هو؟ كيف تحافظ على تماسك صفٍّ باتت مقاعده فارغة لا بسبب العطلة، بل بسبب الخوف؟ النزوح لا يُعطِّل التعليم فحسب، بل يكسر ذلك الخيط الرهيف الذي يربط المعلم بطلابه، ذلك الخيط المصنوع من الحضور والتكرار والثقة المتراكمة يوماً بيوم.

وفي خضم هذا الواقع، لجأ الجميع إلى ما بدا حلاً سحرياً: التعليم عن بُعد. لكن في لبنان، تتحول الحلول السحرية سريعاً إلى مهازل مؤلمة. المعلم الذي طُلب منه أن ينقل فصله إلى الشاشة وجد نفسه أمام عقبات لا تنتهي: الكهرباء التي تنقطع كل ساعتين أو ثلاث، والإنترنت الذي يتقطع أو يغيب كلياً في مناطق بأكملها، والطلاب الذين يحاولون المتابعة من هواتف تُشاركها أفراد الأسرة كلهم، أو من مقاهي الإنترنت إن توفرت.

يبدأ المعلم درسه فتنقطع الصورة، يُعيد الاتصال فيخسر نصف الصف، يُكمل بالصوت فقط فلا يعرف إن كان أحدٌ يسمع أصلاً. ثم ينتهي الدرس وهو لا يعرف إن كان قد علَّم أو تكلَّم مع الفراغ.

هذه التجربة تحديداً، تجربة التدريس في العتمة التقنية، ضربت المعلم اللبناني في موضع بالغ الحساسية: إحساسه بالإنتاجية. المعلم، كأي إنسان، يحتاج إلى أن يرى أثر عمله. يحتاج إلى أن يُقرأ في عيون طلابه اللحظة التي يفهمون فيها، تلك البريق الخاطف الذي يُعوِّضه عن كل شيء. لكن الشاشة السوداء لا تعكس شيئاً. الطالب الصامت خلف كاميرا مُغلقة لا يُخبرك إن كان يُفكِّر أو نائماً أو غائباً أصلاً.

وحين يُضاف إلى ذلك الانقطاع التقني والفوضى اللوجستية، يجد المعلم نفسه في حالة نفسية بالغة الصعوبة: يعمل كثيراً ولا يرى شيئاً. يبذل جهداً مضاعفاً في إعداد المحتوى الرقمي وتعلّم المنصات والتكيف مع التقنية، لكن النتيجة تبدو دائماً منقوصة، ضبابية، بلا ملامح واضحة. وهذا الفراغ بين الجهد والأثر هو من أخطر ما يُصيب الصحة النفسية للمعلم؛ إذ يولّد شعوراً متراكماً بعدم الجدوى قد يكون أشد وطأةً من الإرهاق الجسدي ذاته.

ومع ذلك، يبقى المعلم اللبناني على قيد الرسالة. وهذا، في حد ذاته، ضربٌ من الاستثناء الإنساني النادر. ثمة شيء في طبيعة هذه المهنة يأبى الاستسلام التام. ربما لأن المعلم يحمل في داخله طالباً قديماً آمن يوماً بأن التعليم يُغيِّر، فيجد نفسه عاجزاً عن خيانة تلك القناعة الأولى. أو ربما لأن الطفل أمامه، حتى حين يكون خلف شاشة متقطعة في بيت نازح، أقوى من كل الضغوط خلفه.

في كل صباح يدخل فيه المعلم فصله، حقيقياً كان أم افتراضياً، يؤدي فعلاً يتجاوز المهنية؛ إنه فعل مقاومة صامت، إعلان بأن الحياة لا تزال تستحق أن تُعلَّم.

لكن هذه المقاومة لها حدودها. واليأس الذي يتسرب في هدوء إلى قلب المعلم ليس ضعفاً أخلاقياً، بل هو نتيجةٌ طبيعية لحالة استنزاف مديدة. حين يُوكَل إلى شخصٍ واحد بناء الأجيال في ظروف شحيحة، دون اعترافٍ حقيقي أو دعمٍ فعلي، فإن الثمن الذي يدفعه من صحته النفسية يكون باهظاً. ليس مقبولاً أن نطلب من المعلم أن يكون بطلاً يومياً بينما يواصل المجتمع والدولة التقصير في واجباتهما تجاهه.

الأمل لا يصمد إلى ما لا نهاية من تلقاء نفسه؛ إنه يحتاج إلى من يُغذّيه.

في عيد المعلم، لا يكفي أن نُهدي الكلمات الجميلة ثم نمضي. الاحتفال الحقيقي لا يُقام في القاعات، بل في السياسات التعليمية التي تُعيد للمعلم كرامته المادية، وفي الاعتراف المؤسسي بأن جودة التعليم لا تنفصل عن جودة حياة مَن يُقدِّمه، وفي القرار الجماعي بأن لبنان الذي يريد مستقبلاً ينبغي أن يبدأ بحماية مَن يصنعون هذا المستقبل داخل الفصول، الفصول الحقيقية والافتراضية على حدٍّ سواء.

حين نُكرِّم المعلم بالفعل لا بالكلام، حين نُعيد إليه الشعور بأن ما يفعله ذو قيمة حقيقية في مجتمعٍ يحترمه، عندها فقط يستعيد الأمل أرضيته، ويمكن لليأس أن يتراجع قليلاً، لا ليختفي تماماً، بل ليترك للمعلم المساحة التي يستحقها كي يتنفس.