ماذا فعلتم بالوطن ؟ ماذا فعلت به أياديكم الآثمة؟

  • الروابط * جورج كريم

كان أساتذتنا في مادة الأدب العربي أواخر الخمسينات وأوائل الستينات يوم كنّا طلابا في الصفوف الثانوية ننهل العِلم لبِناء المستقبل، يتباهون ” بوطن الأرز “. بجمالاته الطبيعية ومؤسساته الوطنية من عسكرية وإدارية وغيرها. وكان شعراء وأدباء تلك المرحلة وما قَبْلها يتغنّون ببدعة الله على الأرض التي اسمها لبنان ؛ حتى إن غلاتَهم شطحوا ليقولوا لو لم يكن لبنان موجودا ، لكان وجوده من واجب الوجوب.

أساتذتنا الكبار هؤلاء، كانوا يشرحون لنا عن مجتمع الجزيرة العربية الذي ينقسم إلى قسمين : قسم يعرف بالبداوة وناسه من البدو ، وهم على تنقل وترحال. وقسم يعرف بالحضارة، وناسه من الحضر وسكانه في المدن، وعلى إقامة ثابتة.

وكانت السِّمة الجامعة عند أهل البداوة هي التقاتل من أجل الماء والكَلَاء ومن أجل المراعي والمواشي، والغزوات المتبادلة هي عنوان الإعتزاز والإفتخار في السَّبْي والمغانم والإنتصار.

ورغم أنّ أهل الحَضَر كانوا ثابتون في إقامتهم وتجاراتهم، فقد كانوا يخضعون لسلطة عائلة واحدة أو شخص واحد يُملي الأحكام، ويُفتي، ويُدين، ويَحكم حتى بالموت. فلا مؤسسات ديمقراطية تنظم المجتمع ، ولا قوانين وضعية تحمي حقوق المواطنين. تفرد وتسلط وفئوية وتوريث للعرش حتى يتم الإنقلاب أو الغدر او يقضي الله أمرهم ، فينتقل العرش الى عائلة جديدة.

كان أساتذتنا الراحلون يعتزون بوطنهم . بالحرية فيه، بالديمقراطية وتداول السلطة. كانوا فخورين بتنظيم المجتمع وفقا لقوانين وضعية مستقاة من شرعة حقوق الإنسان ، وكانوا يقولون لنا بانه سويسرا الشرق من حيث الضمانة المالية والنقدية والمصرفية، ومن حيث السياحة الدينية والتراثية والبيئية، ومن حيث الرفاه والترفيه، ومن حيث الأمان والإطمئنان، وكان معدّل دخل الفرد فيه من أعلى المستويات بين جيرانه الأقربين والأبعدين وصولا الى داخل الجزيرة العربية.

كان أساتذتنا الراحلون يتغنّون بالمساواة بين الرجل والمرأة في وطنهم، في زمن كانت المرأة تعيش في قهر وظلامية في دول الجوار وأنّ للطفل حقوقا، وللعامل اللبناني أفضلية العمل، وضمانة من الضمان الإجتماعي، وقوانين ترعى علاقاته برب العمل…

كتب أساتذتنا الكبار وعلّموا بأن الحرية والديمقراطية والكرامة الوطنية غير قابلة للتجزئة أو للتنازل مهما كانت الحجج والبراهين. وأنّ الدّين لله والوطن للجميع ، وفصل الدّين عن الدولة هو ” لمصلحة ” الله أولاً، ولمصلحة المواطن ثانيا، والخلط بينهما إساءة للخالق والمخلوق.

ما زلتُ أذكر هيبة هؤلاء الكبار من أساتذتنا وهم يتحدّثون عن خطر قوافل الفلسطينيين يدخلون لبنان على اثر نكبة فلسطين بتواطؤ صهيوني، وصمت عربي وغباء لبناني، وكان ما كان من خراب البلد على أيدي هؤلاء…

وراح زعماؤنا بسياساتهم يشرعون أبواب الوطن لكل جار عدو ماكر وكل قريب طامع جائر فتخلعت أبواب الوطن وسقط بنيان الدولة على رؤوسنا وما زال عقلاؤنا يحذرون واحزابنا وقياداتنا يتماكرون من اجل ” الكراسي ” والمنافع وسلطة دستورية تفتش عن ذاتها بين ركام فائض القوة وقوة ركام الإحتلال .

لو كان أساتذتنا في مادة الأدب العربي ما زالوا أحياء، لهالهم كيف انقلب الجمال في بلدهم الى بشاعة، وكيف حلت شريعة التقاتل السياسي من أجل ” ماء ” المناصب و” كَلاء ” المكاسب. وإن “الغزوات” بين كر وفر، واقبال وإدبار بين ” عشائر النظام” وقد حولوا بلدهم الأخضر ( رحم الله وديع الصافي ) الى صحراء قاحلة، وجعلوا مواطنيه قبائل طائفية متقاتلة ومتقابلة.

لو مَرّ أساتذتنا بطيفهم الروحاني فوق تلك الجزيرة العربية وبلاد الحجاز لظنوا أنفسهم في سويسرا الغرب ” التي أرادوا يوما أن يتمثّلونا إياها في لبنان “سويسرا الشرق .
و لكانوا لعنوا سياسيّينا وأياديهم الآثمة التي حولت وطن الأرز الى خرائب وطَلَل. وجعلوا الدموع في البيوت عنوان كل لبناني.

لو مرّوا فوق دول الخليج والجزيرة العربية لشاهدوا بعيونهم السماوية كيف تحولت أرض البداوة الى جنائن غناء ، وكيف صار وطن النسور سكنى للثعالب والغربان.