نظام الأوعية السياسية المتصلة.

  • الروابط * جورج كريم

منذ نشأته الى اليوم لم يسلم النظام السياسي اللبناني البرلماني الديمقراطي من الدعوات الى التطوير والتحديث ، وصولا عند البعض الى الإستبدال والتبديل.

في عهد الرئيس الشيخ بشارة الخوري تفشّى الفساد الإداري وسطع نجم شقيقه الشيخ سليم بقبضته على مفاصل الإدارات والوزارات وشكّل دويلة التوظيفات والترقيات وفساد الإدارات، ولُقّب بالسلطان سليم . واضطر الرئيس إلى الإستقالة بعد التمديد له، فاستقال، وبقي النظام.

في عهد الرئيس كميل شمعون أطاح عن طريق قانون الإنتخابات بالزعماء السياسيين التقليديين من كل الطوائف، وانتهى عهده بثورة لتغيير النظام ، فبقي النظام وبقي الرئيس حتى آخر دقيقة من ولايته، وهدأت الثورة .

مع الرئيس اللواء فؤاد شهاب حصل انقلاب الحزب السوري القومي الاجتماعي على السلطة لتغيير النظام”، وباء بالفشل. وكان لتدخلات الشعبة الثانية” في كل شاردة وواردة بما فيها التوظيفات والتعيينات والمناقلات وتقييد الحريات وتسييس الإنتخابات الأثر المباشر لنشوء نقمة شعبية عارمة .

وقام الحلف الثلاثي يطالب بإدخال تعديلات على بنية النظام السياسي وإبعاد العسكر عن السياسية ، وبقي نظام الأوعية السياسية المتصلة” أقوى من كل الإنتفاضات المسلحة، والثورات الشعبية، والنتائج الإنتخابية.

مع بداية الحرب الأهلية عام ۱۹۷۵ وقيل فيها “حرب الآخرين على أرضنا”، وحرب الفلسطينيين لإستلام السلطة والوطن البديل ، الى حرب المحرومين، والحرب على المارونية السياسية” والإمتيازات…

من دخول لبنان الى جامعة الدول العربية ودول عدم الإنحياز ، ومن حلف بغداد وجامعة الدول الإسلامية، من المحور الغربي وزعيمته أميركا إلى المحور الشرقي وزعيمته روسيا، وصولا اليوم الى محور السعودية، ومحور ايران بقي النظام السياسي للأوعية المتصلة” هو الأقوى والأكثر ثباتا بين معظم أنظمة الدول العربية .

بقي النظام السياسي اللبناني حافظا للكيان والشعب والمؤسسات ولو بدرجات متفاوتة ، ولم تقدر عليه لا العواصف الخارجية ولا الرياح الداخلية، ولم يتمكن طامع من ابتلاعه ولا مستعمر من اقتلاعه.

وبقي النظام السياسي اللبناني القائم على مرتكزات القوى الطائفية، وعلى الإقطاع السياسي المرتبط عضويا بمراكز القرار الطائفي من جهة، ومراكز القوى الإقتصادية من جهة ثانية ثابتا، واستمر قائما على ليونة لا تنقطع وعلى صلابة لا تنكسر، وذلك بفضل ترابط “أوعية” المصالح الطائفية والإقتصادية والمالية بين أهل السلطة
والسياسة من جهة، وبين أهل الطوائف والاقتصاد من جهة ثانية ، في عملية تبادل للأدوار كما هي الحال بين الأوعية المتصلة حيث لكل واحد منها فضل على الآخر في الوجود والبقاء وفي الدور والمكاسب.

رغم مرونة النظام السياسي البرلماني لم يتمكن بعد من تحقيق ممارسة الديمقراطية الصحيحة في العدالة والمساواة وتحرير الناخب من الارتباطات المذهبية والطائفية والحاجاتية” بفعل المتوارثين عليه، والتلازم بين “الأوعية المتصلة” الطائفية والإقتصادية والمالية ، فبقي صوت الشعب النابض في واد وآذان المسؤولين الصمّاء في واد آخر ؟

بقي الفساد مستشرٍ والتغييرُ
والإصلاحُ حكاية من حكايات جدّاتنا في الليالي الدافئات.