رأس البطريرك الماروني الكردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس أحد الأبرار والصدّيقين في كنيسة الصرح البطريركي في بكركي.
وبعد الانجيل المقدس، ألقى عظة بعنوان “جعت فأطعمتموني” (متى 35:25)، جاء فيها: “هذا النص الإنجيلي يبيّن البعد الاجتماعي للكرازة بالإنجيل. هذا البعد يعني إنماء الشخص البشري إنماءً شاملاً، وتحريره من كل العوائق التي تحدّ أو تعرقل نموّه الإنساني والثقافي والاقتصادي والأخلاقي. هذه العوائق هي ستة: الجوع والعطش والغربة والعري والمرض والسجن، بمفهومها المادي والروحي والمعنوي. يتماهى الرب يسوع مع هذه الحاجات، ولذلك يقول: “جعت فأطعمتموني” (متى: 25: 35).
يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا، لنحتفل معًا بتذكار الأبرار والصدّيقين الذين عاشوا المحبة الاجتماعية التي سنُدان عليها في مساء الحياة. وأرحّب بنوع خاص بعائلتين نسيبتين، عائلة المرحومة تريز سمعان زيادة أرملة المرحوم جرجي سمعان عازار التي ودعناها مع عائلتها وأهالي عرمون العزيزة في 11 كانون الثاني الماضي، وهي والدة عزيزنا النائب روجيه عازار؛ وعائلة المرحوم الشيخ ريمون أديب الهاشم المعروف “بطوني” الذي ودعناه مع عائلته وأهالي العاقورة العزيزة في 14 كانون الثاني، وهو شقيق عزيزنا الأب جان الهاشم المدبّر العام في الرهبانيّة المارونيّة المريميّة. نقدّم هذه الذبيحة لراحة نفسيهما، ولعزاء أسرتيهما.
يحدّد الرب يسوع الحاجات بستٍّ هي: الجوع والعطش والغربة والعري والمرض والأسر. وهي لا تقتصر على المستوى المادّي فقط، بل تشمل المستوى الروحي والثقافي والأخلاقي.
الجائع هو الذي يحتاج إلى طعام وأيضًا إلى علم وروحانية. العطشان هو الذي يحتاج إلى ماء وأيضًا إلى عدالة وعاطفة إنسانية ومعرفة. العريان هو المحتاج إلى ثوب وأثاث بيت وأيضًا إلى صيت حسن وكرامة وعدالة. المريض هو الذي يعاني من مرض في جسده وأيضًا في نفسه، أو الذي هو في أخلاقية شاذة كالبخل والطمع والنميمة والكبرياء، أو المدمن على المخدّرات أو المسكرات أو لعب الميسر. الغريب هو العائش في غير بلده أو بلدته وأيضًا في محيط لا ينسجم معه، وهو الغريب بين أهل بيته الذي يعاني من عدم قبولهم أو تفهمهم له. السجين هو العائش وراء القضبان، وأيضاً من هو أسير أمياله المنحرفة، أو مواقفه غير البنّاءة؛ ومن هو مستعبد لأشخاص أو لإيديولوجيات.
كل هذه الحالات الست تشمل الأفراد والجماعات، وتقتضي عمليّة تحرير. الكرازة بالإنجيل دعوة لتحريرهم، لأنّ المسيح حرّرهم بكلمته وآياته، وبموته افتداهم، وبقيامته حطّم قيود الخطيئة والموت، فحرّرنا منها، وبعث فينا إنساناً جديداً”.
أضاف: “جعت فأطعمتموني”. بهذه العبارة يفتح الربّ يسوع مشهد الدينونة الأخيرة. لا يفتتحه بعقائد معقّدة، ولا بتفاصيل لاهوتية مجرّدة، بل بأفعال يوميّة بسيطة: طعام، ماء، كساء، زيارة، حضور. وكأنّ المسيح يقول بوضوح لا يقبل التأويل: في نهاية التاريخ، لن يُسأل الإنسان عمّا قاله عن الله، بل عمّا فعله من أجل الإنسان حبًّا بالله.
يسوع لا يقول: «كنتُ جائعًا فآمنتم بي»، ولا «كنتُ عطشانًا فصلّيتم»، بل «فأطعمتموني… وسقيتموني…». الإيمان الحقيقي يُترجم بالأفعال، والصلاة الصادقة تتحوّل خدمة، والرجاء الحيّ يصير محبّة ملموسة. لذلك، هذا الإنجيل هو مرآة، نقف أمامها بلا أقنعة، وبلا تبريرات.
الدينونة الأخيرة، كما يصوّرها يسوع، ليست امتحان معرفة، بل امتحان محبة. ليست سؤالًا عن الإيمان المعلن، بل عن الإيمان المُعاش. فالخلاص يُكتب بأفعال الرحمة، ويُقاس بمدى اقترابنا من الإنسان المتألّم.
يربط يسوع ذاته بالجائع والعطشان والغريب والعريان والمريض والمسجون. وكأنه يقول لنا بوضوح: إن أردتم أن تعرفوا أين أنا، فابحثوا عني هناك. الإيمان الذي لا يمرّ عبر الإنسان يبقى ناقصًا، والمسيحية التي لا تترجم بالمحبة تتحوّل إلى كلام بلا روح.
ليتورجيًا، إنجيل اليوم يُتلى فيها لأنّها ليست طقسًا معزولًا عن الحياة، بل تدريبًا يوميًا على العيش بحسب منطق الملكوت. في هذا الإنجيل، نكتشف أن المسيح حاضر حيث لا نتوقّع. حاضر في الجوع، في العطش، في العري، في المرض، في السجن. وبالتالي، فإن المشاركة في الليتورجيا لا تكتمل إن لم تتحوّل إلى التزام عملي تجاه الإنسان في حاجته.
إنجيل اليوم يدين كل نظام لا يضع الإنسان في المركز الأول من اهتماماته. يدين كل سياسة تبني ذاتها على حساب الضعفاء. يدين كل مسؤول يرى في السلطة امتيازًا لا خدمة. فالأبرار، في هذا الإنجيل، ليسوا أصحاب مناصب، بل أصحاب ضمائر. لا تقوم الأوطان بالقوة، بل بالمحبّة. لا تقوم بالفساد، بل بالأمانة. لا تقوم باللامبالاة، بل بالمسؤولية المشتركة.
لبنان بحاجة اليوم إلى ثورة ضمير، لا إلى تبديل وجوه فقط. بحاجة إلى صدّيقين في السياسة، والى أبرار في الاقتصاد، والى أمناء في الإدارة، والى رحماء في المجتمع. حين يصبح الجائع أولوية، لا عبئًا، وحين يصبح الإنسان غاية، لا وسيلة، يمكن للوطن أن ينهض.
إنجيل الأبرار يذكّرنا أن الله لن يسألنا: كم أبنية شيّدتم، بل كم ضعيف وكم محتاج احتضنتم. لن يسأل: كم ربحتم، بل كم أعطيتم. وهذا هو التحدّي الأكبر أمام وطننا اليوم.
وتابع الراعي: “زارنا أوّل من أمس المجلس التنفيذي لنقابة أوجيرو وعرضوا علينا مطالبهم وهي:
أولًا: تعديل المادة 49 من القانون 431 الصادر في 2002، فمرور أكثر من عشرين عامًا على القانون يضع الموظفين بوضع حرج خاصة تجاه المادة 49 من قانون تنظيم قطاع الاتصالات، التي باتت تشكّل إجحافًا مستمرًّا بحقهم لتناقضها مع الواقع الاقتصادي الراهن ومع القوانين اللاحقة.
ثانيًا: أثر الخصخصة وحماية صندوق التعويضات (القانون 161) فأكدوا على حقوق الموظفين، وعلى الدور المحوري لصندوق التعويضات الذي تستفيد منه المؤسسات العامة بموجب القانون 161. إننا نناشد المسؤولين العمل على تحصين هذا الصندوق ضد أي قرارات قد تمس بديمومته.
ثالثًا: إنصاف المياومين بمعالجة قانونية فورية لدمجهم وتأمين استقرارهم الوظيفي والاجتماعي.
وختم: “أيها الاخوة والاخوات الأحباء، نرفع صلاتنا إلى الرب، أيها الإخوة والأخوات الأحبّاء، سائلين أن يمنحنا قلوبًا تشبه قلبه، وعيونًا ترى المتألّم، وأيدٍ لا تتردّد في العطاء. نصلّي من أجل كل فقير، وكل مريض، وكل مهمّش. نصلّي من أجل لبنان، ليولد فيه جيل من الأبرار والصدّيقين، يبنون الوطن بالمحبّة، لا بالمصالح. فنرفع المجد والشكر لله الآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين.




