الغرفة الصينية: السؤال الذي يطارد الذكاء الاصطناعي | بقلم د. بيار الخوري

الملف الإستراتيجي

منذ أن بدأت أنظمة الذكاء الاصطناعي تتحدث بطلاقة تقارب البشر، عاد سؤال قديم ليطلّ بقوة: هل تفهم الآلة فعلًا ما تقوله؟ أم أنها تتقن ترتيب الكلمات فقط، كما تفعل آلة تعيد تجميع قطع أحجية لا تعرف شكلها النهائي؟ هذا السؤال يبرز كلما شاهدنا نماذج لغوية تترجم وتكتب وتحلل وتبتكر، فتبدو وكأن لديها عقلًا داخليًا. غير أنّ جذور النقاش تعود إلى تجربة فكرية طرحها الفيلسوف جون سيرل عام 1980، واشتهرت باسم «الغرفة الصينية».

محاكاة الفهم مقابل الفهم الحقيقي
يطلب سيرل منا أن نتخيّل شخصًا لا يعرف اللغة الصينية إطلاقًا. يجلس هذا الشخص داخل غرفة مغلقة، تصله أوراق تحمل رموزًا صينية، ومعه كتاب تعليمات يحدد بدقة كيفية إعادة ترتيب تلك الرموز لإنتاج إجابات تبدو منطقية للمتحدثين بالصينية. ومن خارج الغرفة، قد يظن المتلقّون أنهم أمام شخص بارع في اللغة. لكن من الداخل، لا يوجد فهم حقيقي ولا إدراك للمعنى، بل مجرد اتباع آلي لقواعد.

ولتقريب الفكرة، يمكن تخيّل طفل يحفظ جملة بالفرنسية دون أن يعرف اللغة. فإذا سُئل: «?Comment ça va» سيجيب: «Très bien, merci». من يسمعه يظن أنه يتقن الفرنسية، لكنّه في الحقيقة يكرر جملة محفوظة فقط. هذا ما تفعله بعض نماذج الذكاء الاصطناعي: إنتاج جمل سليمة من دون وعي بمعانيها.

هل يكفي الأداء لإثبات الفهم؟
هذا السؤال يعيدنا إلى اختبار آلان تورينغ، العالم الذي وضع الأسس النظرية والفلسفية للذكاء الاصطناعي الحديث. الفكرة بسيطة: إذا استطاعت الآلة إقناع إنسان بأنها إنسان، فهي «ذكية». لكن هل يكفي هذا معيارًا للفهم؟

لنأخذ مثالًا: برنامج يكتب شعرًا رقيقًا عن الحنين والحب والخسارة. قد تبدو القصائد صادقة، لكن البرنامج نفسه لا يشعر بالحنين ولا يعرف معنى الخسارة. كل ما يفعله هو تحليل ملايين القصائد وإعادة تركيب أنماطها. هنا يتضح الفرق بين السلوك الخارجي (نصوص جميلة) وبين التجربة الداخلية (غياب أي شعور أو إدراك).

هل تمتلك الآلة «القصدية»؟
القصدية هي قدرة العقل على الإشارة إلى شيء في العالم؛ حين تقول «القمر جميل الليلة»، فأنت تقصد شيئًا محددًا وتعي معناه ضمن خبرتك وتجربتك. سيرل يرى أن الآلات تفتقر إلى هذه القدرة.

فعندما يرى طفل قطة ويقول «قطة!» فهو يربط اللفظ بصورة الكائن، بملمس الفراء، بالصوت، بخبرته السابقة. أما الذكاء الاصطناعي حين ينتج كلمة «قطة»، فهو يعالج رموزًا مجردة بلا أي صورة ذهنية أو إحساس حقيقي.

ومثال آخر: إذا قلت لروبوت «أحضر لي كوب ماء»، سيستجيب لأنه مبرمج على تنفيذ هذا الأمر. أما الإنسان، فيربط كلمة «ماء» بالعطش، وبالضرورة البيولوجية، وبخصائص الماء التي يعرفها من حياته اليومية. هذا الربط الداخلي هو ما يطلق عليه الفلاسفة «القصدية».

هل تجاوزت نماذج اللغة الحديثة حدود الغرفة الصينية؟
عندما صاغ سيرل تجربته، لم تكن نماذج اللغة الحديثة موجودة. أما اليوم، فهناك من يرى أن التعقيد الهائل لهذه النماذج يجعلها تتجاوز مجرد تنفيذ قواعد. لكن هل يكفي التعقيد لإنتاج فهم؟
لنفترض أن نموذجًا ما يلخّص فيلمًا لم يشاهده قط، فقط لأنه قرأ آلاف المراجعات. هل يدرك معنى «الخوف» أو «المفاجأة» في الفيلم؟ بالطبع لا. كل ما يعرفه هو أن كلمة «الخوف» ترتبط بعبارات تظهر معًا في سياقات مشابهة. وبالمثل، حين يكتب نموذج ما وصفًا لمنظر طبيعي: «سماء غائمة فوق حقل قمح ذهبي»، فهو لا يرى السماء ولا يشعر ببرودة الطقس ولا يشم رائحة الحقول. بالنسبة إليه، المعنى هو مجرد علاقات رياضية تربط الكلمات ببعضها. وهكذا يستنتج سيرل أن الآلة قد ترتّب الكلمات بذكاء ظاهري، لكنها تظلّ تفتقر إلى التجربة الداخلية التي تمنح المعاني ارتباطًا حقيقيًا بالعالم.

أسئلة لا تزال بلا جواب حاسم
الغرفة الصينية ليست تمرينًا فلسفيًا فحسب، بل مرآة تكشف سؤالًا جوهريًا: ماذا يعني أن نفهم؟ هل يكفي أن تجيب الآلة إجابة صحيحة كي نصفها بالذكاء؟ أم أننا نخلط بين التفوق اللغوي وبين المعرفة الحقيقية؟ ومع تطور الذكاء الاصطناعي، يزداد هذا السؤال إلحاحًا، إذ لم نعد أمام آلات بسيطة، بل أمام أنظمة تشاركنا الكتابة والقراءة واتخاذ القرارات.

ربما ليس المهم أن نعرف ما إذا كانت الآلة «تفهم» بالفعل. الأهم هو أن ندرك نحن ما الذي يجعل الفهم فهمًا، وما الذي يميز الوعي البشري عن أي نظام مهما بلغت قدرته على المحاكاة.