إعداد: د. بيار الخوري
المشهد الماكرو – اقتصادي: الجذور الهيكلية للانكشاف المؤسسي
يعيش لبنان منذ تشرين الأول 2019 واحدة من أعنف الأزمات المالية والاقتصادية في التاريخ الحديث، حيث تداخلت الانهيارات النقدية مع شلل القطاع المصرفي لتخلق حالة من الانكشاف الشامل للمؤسسات الضامنة، سواء كانت عامة أو خاصة أو مهنية. إن هذا الانهيار ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج سياسات مالية اعتمدت على ربط احتياطات الصناديق الضامنة بالديون السيادية وميزانية المصرف المركزي، مما حول هذه الصناديق من صمامات أمان اجتماعي إلى ضحايا مباشرة لتعثر الدولة.
لقد فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 98% من قيمتها بين عامي 2019 و2024، حيث انتقل سعر الصرف من 1,507.5 ليرة للدولار إلى مستويات تتجاوز 89,500 ليرة. هذا التدهور النقدي أدى إلى تآكل القيمة الشرائية للأصول المودعة في المصارف اللبنانية، والتي تقدر خسائرها الإجمالية بنحو 72 مليار دولار. بالنسبة للمؤسسات الضامنة، فإن هذا الانكشاف يعني عجزًا هيكلِيًّا عن تلبية الالتزامات تجاه المنتسبين، سواء في مجالات الاستشفاء، أو تعويضات نهاية الخدمة أو المعاشات التقاعدية.
تفاقمت هذه الأوضاع مع اندلاع النزاع المسلح في أواخر العام 2023 وتصاعده في أيلول 2024، مما أضاف عِبئًا مَادِيًّا هِائِلًا. قدرت الأضرار المادية والخسائر الاقتصادية الناجمة عن النزاع بنحو 8.5 مليار دولار بنهاية العام 2024، لترتفع التقديرات إلى 14 مليار دولار بحلول آذار 2025. إِنَّ هذا الواقع فرض ضغوطًا إضافية على الصناديق الضامنة التي وجدت نفسها أمام زيادة هائلة في الطلب على الخدمات الصحية والاجتماعية في وقت تبخرت فيه احتياطاتها المالية.

الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي: انهيار شبكة الأمان الكبرى
يعتبر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الركيزة الأساسية للحماية الاجتماعية في لبنان، حيث كان يغطي قبل الأزمة نحو 53.5% من المواطنين اللبنانيين، لا سيما في القطاع الخاص الرسمي. ومع ذلك، فإن نموذج استثمار الصندوق، الذي اعتمد بشكل شبه كامل على إيداع الأموال في المصارف اللبنانية وشراء سندات الخزينة بالليرة اللبنانية، جعله في قلب العاصفة المالية.
فرع نهاية الخدمة والمعضلة النقدية
كان فرع نهاية الخدمة يعتمد على تراكم الاشتراكات المحصلة على مر عقود بالليرة اللبنانية. ومع انهيار قيمة العملة، تآكلت القيمة الحقيقية لهذه المدخرات بنسبة تزيد عن 90%. انخفضت أصول فرع نهاية الخدمة من نحو 8 مليارات دولار في العام 2018 إلى أقل من مليار دولار في العام 2025، مما يمثل انهيارًا بنسبة 87.5% في القدرة التمويلية للصندوق.
أدى هذا الانكشاف إلى نشوء صراع قانوني واقتصادي حول كيفية احتساب التعويضات. بموجب قانون العمل، يلتزم صاحب العمل بدفع الفرق بين قيمة الاشتراكات المودعة والتعويض النهائي المحتسب على أساس آخر راتب تقاضاه الأجير. ومع تصحيح الرواتب أو “دولرتها” جزئِيًّا، ارتفعت قيمة المطالبات التي يجب على أصحاب العمل تسويتها بشكل مفاجئ، مما وضع الشركات أمام تحدي سيولة هائل، حيث قد تصل تسوية تعويض موظف واحد إلى 180 ألف دولار في بعض الحالات.
قانون رقم 319/2023 والتحول نحو نظام التقاعد
في محاولة لإنقاذ ما تبقى من الحماية الاجتماعية، أقر البرلمان اللبناني القانون رقم 319/2023 الذي يهدف إلى تحويل نظام نهاية الخدمة إلى نظام تقاعدي يوفر معاشات دورية بدلًا من الدفعات المقطوعة. يهدف هذا النظام إلى حماية القيمة الشرائية للمعاشات من خلال ربطها بمؤشرات التضخم وإعادة تقييم الرواتب.
يتضمن النظام الجديد آليات احتساب تضمن كحد أدنى 80% من الحد الأدنى للأجور بعد 30 عامًا من الاشتراك، أو 1.33% عن كل سنة اشتراك من متوسط الراتب المعاد تقييمه. ولتحقيق ذلك، بدأت عملية ضخمة لرقمنة سجلات الضمان الاجتماعي، حيث أُدخِلَ 850,000 سجل فردي بين عامي 2021 و2024 لتمكين الدراسات الاكتوارية اللازمة لإطلاق النظام بحلول نهاية العام 2026. ومع ذلك، تظل العقبة الكبرى هي كيفية تمويل “الفجوة الانتقالية” التي تقدر بنحو 3 مليارات دولار، والتي تمثل الالتزامات المتراكمة التي يجب على الدولة وأصحاب العمل تسويتها لإعادة بناء حسابات المنتسبين.
انكشاف الصناديق الضامنة في القطاع العام: تعاونية الموظفين والطبابة العسكرية
يمثل القطاع العام الفئة الأكثر تضررًا من الانكماش المالي للدولة، حيث تلاشت الميزانيات المخصصة لتعاونية موظفي الدولة وصناديق الطبابة العسكرية والأمنية. إن ميزانيات الوزارات الخدمية تقلصت بنسبة 88% بالقيمة الحقيقية بين عامي 2019 و2023، مما أدى إلى عجز شبه كامل عن تغطية تكاليف الاستشفاء التي أصبحت تسعر بالدولار “الفريش”.
الفجوة التمويلية والديون المتراكمة للمستشفيات
تعاني تعاونية الموظفين من تراكم ديون ضخمة لصالح المستشفيات الخاصة، مما دفع الأخيرة إلى مطالبة الموظفين العموميين بدفع فروقات مالية باهظة تصل أحيانًا إلى 80% أو 90% من فاتورة الاستشفاء. في موازنة العام 2024، وعلى الرغم من الزيادة الإسمية في مخصصات صناديق الضمان العامة، إلا أن مساهمة الدولة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، على سبيل المثال، لم تتجاوز 87,542 دولارًا، وهو ما يمثل 3% فقط من قيمة مساهمة العام 2019.
أما بالنسبة للطبابة العسكرية، فقد أدى الانهيار المالي إلى تراجع جودة الخدمات المقدمة للعسكريين وعائلاتهم. وفي ظل النزاع القائم، زاد الضغط على المراكز الصحية العسكرية التي اضطرت للتعامل مع إصابات الحرب في وقت تعاني فيه من نقص في الأدوية والمستلزمات الطبية.
الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي: انهيار شبكة الأمان الكبرى
يعتبر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الركيزة الأساسية للحماية الاجتماعية في لبنان، حيث كان يغطي قبل الأزمة نحو 53.5% من المواطنين اللبنانيين، لا سيما في القطاع الخاص الرسمي. ومع ذلك، فإن نموذج استثمار الصندوق، الذي اعتمد بشكل شبه كامل على إيداع الأموال في المصارف اللبنانية وشراء سندات الخزينة بالليرة اللبنانية، جعله في قلب العاصفة المالية.
فرع نهاية الخدمة والمعضلة النقدية
كان فرع نهاية الخدمة يعتمد على تراكم الاشتراكات المحصلة على مر عقود بالليرة اللبنانية. ومع انهيار قيمة العملة، تآكلت القيمة الحقيقية لهذه المدخرات بنسبة تزيد عن 90%. انخفضت أصول فرع نهاية الخدمة من نحو 8 مليارات دولار في العام 2018 إلى أقل من مليار دولار في العام 2025، مما يمثل انهيارًا بنسبة 87.5% في القدرة التمويلية للصندوق.
أدى هذا الانكشاف إلى نشوء صراع قانوني واقتصادي حول كيفية احتساب التعويضات. بموجب قانون العمل، يلتزم صاحب العمل بدفع الفرق بين قيمة الاشتراكات المودعة والتعويض النهائي المحتسب على أساس آخر راتب تقاضاه الأجير. ومع تصحيح الرواتب أو “دولرتها” جزئِيًّا، ارتفعت قيمة المطالبات التي يجب على أصحاب العمل تسويتها بشكل مفاجئ، مما وضع الشركات أمام تحدي سيولة هائل، حيث قد تصل تسوية تعويض موظف واحد إلى 180 ألف دولار في بعض الحالات.
قانون رقم 319/2023 والتحول نحو نظام التقاعد
في محاولة لإنقاذ ما تبقى من الحماية الاجتماعية، أقر البرلمان اللبناني القانون رقم 319/2023 الذي يهدف إلى تحويل نظام نهاية الخدمة إلى نظام تقاعدي يوفر معاشات دورية بدلًا من الدفعات المقطوعة. يهدف هذا النظام إلى حماية القيمة الشرائية للمعاشات من خلال ربطها بمؤشرات التضخم وإعادة تقييم الرواتب.
يتضمن النظام الجديد آليات احتساب تضمن كحد أدنى 80% من الحد الأدنى للأجور بعد 30 عامًا من الاشتراك، أو 1.33% عن كل سنة اشتراك من متوسط الراتب المعاد تقييمه. ولتحقيق ذلك، بدأت عملية ضخمة لرقمنة سجلات الضمان الاجتماعي، حيث أُدخِلَ 850,000 سجل فردي بين عامي 2021 و2024 لتمكين الدراسات الاكتوارية اللازمة لإطلاق النظام بحلول نهاية العام 2026. ومع ذلك، تظل العقبة الكبرى هي كيفية تمويل “الفجوة الانتقالية” التي تقدر بنحو 3 مليارات دولار، والتي تمثل الالتزامات المتراكمة التي يجب على الدولة وأصحاب العمل تسويتها لإعادة بناء حسابات المنتسبين.
انكشاف الصناديق الضامنة في القطاع العام: تعاونية الموظفين والطبابة العسكرية
يمثل القطاع العام الفئة الأكثر تضررًا من الانكماش المالي للدولة، حيث تلاشت الميزانيات المخصصة لتعاونية موظفي الدولة وصناديق الطبابة العسكرية والأمنية. إن ميزانيات الوزارات الخدمية تقلصت بنسبة 88% بالقيمة الحقيقية بين عامي 2019 و2023، مما أدى إلى عجز شبه كامل عن تغطية تكاليف الاستشفاء التي أصبحت تسعر بالدولار “الفريش”.
الفجوة التمويلية والديون المتراكمة للمستشفيات
تعاني تعاونية الموظفين من تراكم ديون ضخمة لصالح المستشفيات الخاصة، مما دفع الأخيرة إلى مطالبة الموظفين العموميين بدفع فروقات مالية باهظة تصل أحيانًا إلى 80% أو 90% من فاتورة الاستشفاء. في موازنة العام 2024، وعلى الرغم من الزيادة الإسمية في مخصصات صناديق الضمان العامة، إلا أن مساهمة الدولة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، على سبيل المثال، لم تتجاوز 87,542 دولارًا، وهو ما يمثل 3% فقط من قيمة مساهمة العام 2019.
أما بالنسبة للطبابة العسكرية، فقد أدى الانهيار المالي إلى تراجع جودة الخدمات المقدمة للعسكريين وعائلاتهم. وفي ظل النزاع القائم، زاد الضغط على المراكز الصحية العسكرية التي اضطرت للتعامل مع إصابات الحرب في وقت تعاني فيه من نقص في الأدوية والمستلزمات الطبية.

انكشاف النقابات المهنية: تبخر مدخرات الطبقة الوسطى
تمثل النقابات المهنية (المهندسون، الأطباء، المحامون والصيادلة) الخزان المالي للطبقة الوسطى في لبنان. تمتلك هذه النقابات صناديق تقاعد وصناديق تعاضدية صحية كانت تعتبر الأكثر أمانًا واستِقرَارًا. ومع ذلك، كشفت الأزمة عن سوء إدارة استثماري عميق تمثل في تركيز الأصول بشكل كامل في القطاع المصرفي اللبناني.
سوء الإدارة الاكتوارية والاعتماد على المصارف
أظهرت الدراسات أن قيادات النقابات المهنية تجاهلت مبادئ تنويع المخاطر، حيث استُثمِرَت المليارات في المصارف التجارية للاستفادة من الفوائد المرتفعة التي كانت تعرضها ضمن عمليات “الهندسة المالية”. وعند وقوع الانهيار، أصبحت هذه المبالغ محاصرة خلف قيود السحب (الكابيتال كونترول) غير القانونية. فعلى سبيل المثال، تراكمت في صندوق تقاعد نقابة المهندسين وحده مدخرات تقدر بنحو 240 مليون دولار منذ الستينيات، وهي الآن شبه مجمعة أو فاقدة لقيمتها الفعلية.
علاوة على ذلك، تبين أن عَدَدًا مِن أنظمة التقاعد النقابية كانت تعتمد على وعود غير واقعية، حيث كانت المعاشات الموعودة في بعض النقابات تفوق بـ 13 مرة متوسط الاشتراكات السنوية التي يدفعها العضو، مما يعني أن هذه الصناديق كانت تعاني من فجوة اكتوارية حتى قبل الأزمة، ولكن التدفقات النقدية من الأعضاء الجدد كانت تغطي هذا العجز.
التحرك النقابي الموحد ومواجهة “قانون الفجوة”
مع نهاية العام 2025، بدأ حراك نقابي موحد يضم مختلف النقابات الحرة للاعتراض على مشروع “قانون الفجوة المالية” الذي ناقشته الحكومة. حذرت نقابة الصيادلة من أن هذا القانون يهدد بالقضاء النهائي على مدخرات النقابات من خلال معاملتها كحسابات كبار المودعين التي ستخضع لعمليات شطب أو تحويل إلى سندات طويلة الأجل، بدلًا من اعتبارها “أموالًا مجتمعية” ذات طابع اجتماعي يجب استردادها بالأولوية.
انكشاف الجامعات والمؤسسات التعليمية: تهديد جودة الموارد البشرية
تعتبر الجامعات الكبرى في لبنان (الجامعة الأمريكية في بيروت، جامعة القديس يوسف والجامعة اللبنانية الأمريكية) مؤسسات ضامنة بشكل غير مباشر من خلال توفير الاستقرار الوظيفي لآلاف الموظفين، وتقديم المساعدات التعليمية للطلاب وإدارة مراكز طبية جامعية رائدة.
تآكل الأوقاف الجامعية والمنح التعليمية
تأثرت الأوقاف الجامعية (Endowments) بشكل مباشر بانهيار المصارف. فقدت جامعة القديس يوسف (USJ) جزءًا كَبِيرًا من قيمة ودائعها المصرفية، بينما انخفضت قيمة الأقساط التعليمية المحصلة إلى 20% فقط من قيمتها في العام 2018. وللمحافظة على استمراريتها، اضطرت الجامعة الأمريكية في بيروت (AUB) إلى استخدام أكثر من 100 مليون دولار من أوقافها وقروض ميسرة لتحقيق الاستقرار في رواتب أعضاء الهيئة التدريسية ومنع هجرتهم.
أدى فقدان الأهالي لمدخراتهم في المصارف إلى عجز هائل عن دفع الأقساط. في جامعة القديس يوسف، تقدم 53% من الطلاب بطلبات للحصول على مساعدات مالية بحلول العام 2023. كما شهدت الجامعات هجرة غير مسبوقة للكفاءات؛ حيث استقال أو غادر أكثر من 20% من الكادر الطبي والتعليمي في الجامعة الأمريكية في بيروت منذ العام 2019.
أثر النزاع على البنية التحتية التعليمية
لم يقتصر الانكشاف على الجانب المالي، بل تعداه إلى الضرر المادي المباشر. في خلال نزاع العام 2024، تضررت مئات المؤسسات التعليمية واستخدمت 900 منشأة عامة كأماكن إيواء للنازحين، مما أدى إلى تعطيل العام الدراسي لأكثر من 500,000 طالب. هذا الانقطاع يمثل انكشافًا في “الضمان التعليمي” الذي تقدمه الدولة والمؤسسات الخاصة للأجيال الصاعدة.
قطاع التأمين الخاص: الصمود مقابل الإقصاء الاجتماعي
في ظل انهيار الصناديق الضامنة الرسمية، برز قطاع التأمين الخاص كبديل وحيد لمن يمتلك القدرة المالية. ومع ذلك، فإن هذا القطاع يعاني من انكشاف من نوع آخر يتمثل في تقلص قاعدة العملاء والاعتماد الكلي على إعادة التأمين العالمي.
دولرة الأقساط وتقلص التغطية
سارع قطاع التأمين إلى “دولرة” عقوده بالكامل لضمان القدرة على دفع المطالبات للمستشفيات وتسديد التزامات معيدي التأمين الدوليين. أدى ذلك إلى ارتفاع حاد في كلفة التأمين، مما جعل التغطية الصحية بعيدة عن متناول معظم اللبنانيين. انخفض عدد المؤمن عليهم صحِيًّا من أكثر من مليون قبل الأزمة إلى نَحُو 900,000 في العام 2025، مع توجه كبير نحو خفض مستويات التغطية لتقليل التكاليف.
يعتبر السوق اللبناني مشبعًا بوجود أكثر من 50 شركة تأمين، حيث تستحوذ الشركات العشر الكبرى (مثل Allianz SNA وMedgulf وBankers ) على غالبية الحصة السوقية. يواجه القطاع تحديات تتعلق بارتفاع أسعار إعادة التأمين نتيجة لتصنيف لبنان كمنطقة نزاع عسكري، مما أدى إلى إدراج بنود استثنائية تتعلق بمخاطر الحرب.

الأثر المدمّر للنزاع المسلح على المنظومة الصحية والضامنة
شكلت الحرب التي اندلعت في تشرين الأول 2023 وتصاعدت في أواخر 2024 الضربة القاضية للمنظومة الصحية التي كانت ترزح تحت وطأة الأزمة المالية.
استهداف القطاع الصحي والمسعفين
وثقت المنظمات الدولية استهدافًا واسِعًا للمرافق الصحية والفرق الطبية. بحلول كانون الثاني 2025، قتل 241 شخصًا من الكوادر الطبية والتمريضية وأصيب 295 آخرون نتيجة هجمات مباشرة على المستشفيات ومراكز الإسعاف. خرج 15 مستشفى من أصل 153 عن الخدمة كلِيًّا أو جزئِيًّا، وفقدت محافظة النبطية وحدها 40% من طاقتها السريرية.
هذا الدمار المادي يمثل انكشافًا خطيرًا لمؤسسات الضمان، حيث لم تعد قادرة على توفير الخدمة الطبية حتى لو توفر التمويل. إن الضغط الهائل على المستشفيات التي ظلت تعمل، مع نقص المستلزمات الطبية والأدوية بنسبة 50%، جعل الحصول على الرعاية الصحية لمرضى السرطان وغسيل الكلى أَمرًا شبه مستحيل في المناطق المتضررة.
تداعيات الانكشاف: هجرة الكفاءات وتشوّه سوق العمل
أدى انهيار المؤسسات الضامنة إلى تحولات بنيوية في المجتمع اللبناني تتجاوز الأرقام المالية.
هجرة الأدمغة (Brain Drain)
مع فقدان الضمانات الصحية والتقاعدية، لم يعد للبقاء في لبنان أي حافز اقتصادي للكفاءات العليا. غادر آلاف الأطباء والمهندسين والأساتذة الجامعيين، مما أفرغ المؤسسات الضامنة من الفئات التي كانت تساهم بأعلى الاشتراكات وتدير هذه المؤسسات بكفاءة.
نمو القطاع غير الرسمي
أصبح العمل في القطاع الرسمي غير جذاب بسبب تآكل تقديمات الضمان الاجتماعي. وبالمقابل، تَوَسَّعَ القطاع غير الرسمي الذي يعتمد على الدفع النقدي (Cash Economy) دون أي حماية اجتماعية. ارتفعت نسبة العمل غير الرسمي لتشمل أكثر من 55% من القوى العاملة، مما يقلص القاعدة التمويلية لصناديق الضمان ويهدد استدامتها المستقبلية.
الخلاصة والتوصيات الاستراتيجية
إن انكشاف المؤسسات الضامنة في لبنان هو نتاج تداخل كارثي بين سوء الإدارة المالية التاريخي والانهيار النقدي الشامل وتداعيات النزاعات المسلحة.
يمكن تلخيص الوضع الراهن والحلول المقترحة في النقاط الآتِيَة:
1. إصلاح المنظومة التقاعدية: يجب الإسراع في تنفيذ القانون 319/2023 وتأمين التمويل اللازم للمرحلة الانتقالية لضمان معاشات كريمة للمتقاعدين.
2. حماية أموال النقابات: يجب تعديل “قانون الفجوة المالية” ليعامل صناديق التقاعد والتعاضد كحسابات ذات طابع اجتماعي استثنائي، وعدم إخضاعها لنفس شروط الحسابات التجارية الكبرى.
3. دعم المؤسسات التعليمية والصحية الجامعية: إن انهيار أوقاف الجامعات يهدد مستقبل التعليم والطبابة. يجب توجيه الدعم الدولي نحو هذه الأوقاف لضمان استمرار المنح التعليمية والخدمات الطبية النوعية.
4. الانتقال نحو الحماية الاجتماعية الشاملة: تدعو المنظمات الدولية مثل ILO إلى بناء “أرضية حماية اجتماعية” غير مرتبطة فقط بالاشتراكات، بل مدعومة بضرائب تصاعدية وإصلاحات مالية، لتشمل الفئات المهمشة التي أخرجتها الأزمة من مظلة الضمان التقليدي.
يقف لبنان اليوم أمام مفترق طرق؛ فإما إعادة بناء عقد اجتماعي جديد يضمن حقوق المواطنين في الصحة والتقاعد والتعليم، أو الاستسلام لحالة من الانكشاف الدائم التي ستحول المجتمع إلى فئات معزولة تفتقر لأدنى مقومات الأمان الاجتماعي.





