هل يعود الثراء إلى الذهب… والفن؟ | بقلم د. بيار الخوري

الملف الإستراتيجي– صدر مؤخرًا الإحصاء عن مسح المليارديرات لعام 2025، الذي أعدّه بنك UBS، والذي يستند إلى آراء وتوجّهات استثمارية لعيّنة من كبار أصحاب الثروات حول العالم، والهادف إلى رصد كيفية توزيع المحافظ الاستثمارية للمليارديرات وتوقّعاتهم للعام 2026، مع التركيز على تغيّر مستويات الانكشاف على فئات الأصول المختلفة في ظل التحولات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية.

ففي حين تنزع المحافظ إلى إحداث تغيير في حصص الأسهم والسندات، يشير الإحصاء إلى توجّه أصحاب الثروات الكبرى نحو الاحتفاظ بالذهب والمقتنيات الفنية، وزيادة حصصهم منها في لحظة عالمية مضطربة. فالأمر لا يمكن اختزاله في نزعة حنين أو ذوق شخصي، بل يعكس قراءة باردة لطبيعة النظام المالي نفسه، أكثر منه لتقلّبات الأسواق فقط.

فالذهب لا يُشترى لأنه يَعِد بعائد مرتفع، بل لأنه أصل لا يحتاج إلى وعد. قيمته لا تنبع من قرار سياسي، ولا من ثقة بمؤسسة، ولا من توازنات مصرفية، بل من ندرته الفيزيائية ومن تاريخه الطويل كملاذ حين تتآكل العملات وتتسيّس السياسات النقدية. في عالم تتوسّع فيه الكتلة النقدية بوتيرة أسرع من النمو الحقيقي، يصبح الذهب تعبيرًا عن رفض ضمني لفكرة أن القيمة يمكن تصنيعها بلا حدود.

المقتنيات الفنية والتحف تسير في الاتجاه نفسه ضمن منطق أعمق وأكثر راديكالية. هنا لا يتعلّق الأمر بالتحوّط النقدي فقط، بل بالخروج من منطق السوق ذاته. فاللوحة الفنية أو القطعة النادرة ليست أداة مالية قابلة للقياس اليومي، ولا أصلًا يخضع لمؤشرات الأداء، بل كيان مستقل يحمل قيمة تاريخية وثقافية لا يمكن استنساخها أو إعادة إنتاجها. من يضع جزءًا من ثروته في هذا النوع من الأصول لا يبحث عن التفوّق على السوق، بل عن مساحة سيادية خارجها، حيث لا تلعب أسعار الفائدة ولا دورات التشديد النقدي أي دور يُذكر.

هذا السلوك يكشف أن الخطر الحقيقي، في نظر النخب المالية، لم يعد تقلب الأسعار، بل اضطراب البنية التي تُسعَّر داخلها الأصول. فحين تصبح القواعد قابلة للتغيير السريع، وحين تتداخل السياسة مع المال إلى حدّ الذوبان، يعود رأس المال إلى الأصول التي لا تحتاج إلى تفسير كي تُصدَّق. الذهب لا يطلب ثقة، والمقتنيات لا تحتاج إلى نظام مصرفي كي توجد، وكل ما يملكه المستثمر هنا هو أصل قائم بذاته خارج المعادلات الرقمية.

الرسالة التي تحملها هذه التحركات ليست دعوة إلى التقليد، بل تحذيرًا ضمنيًا من طبيعة المرحلة المقبلة. نحن أمام إعادة تعريف للقيمة، لا أمام دورة استثمارية عابرة. في مثل هذه اللحظات، لا يبحث رأس المال الكبير عن النمو، بل عن البقاء، ولا يراهن على المستقبل بقدر ما يحمي نفسه من أخطاء الحاضر. من يفهم هذا التحوّل يدرك أن العودة إلى الذهب والفن ليست خطوة إلى الوراء، بل انسحابًا محسوبًا من نظام تتراجع فيه اليقينيات والمخاطر المحسوبة.