منَ الهَيمَنة العالمية إلى التَحَصُّن: واشنطن تَعودُ إلى “حصن مونرو” | بقلم د. بيار الخوري

الملف الإستراتيجي

يَستَبطِنُ التوتُّرُ المُتَوَلِّدُ من اختطافِ رئيس فنزويلا، نيكولاس مادورو، دلالاتٍ تتجاوَزُ حدود الجغرافيا المحلّية، ليُعيد إحياءَ مَفهومِ “الحديقة الخلفية” الذي أرسته واشنطن عبر “مَبدَإِ مونرو” عام 1823. كان ذلك المَبدأُ في صياغته الأولى إعلانًا عن ولادةِ “سيادةٍ قاريّة” صاعدة، تمنعُ القوى الأوروبية من مَوطئ قدمٍ في نصف الكرة الغربي، لتُمَهِّد الطريق لقرنَين من الهيمنة الأميركية المُطلَقة. لقد عملَ المبدأ تاريخيًا كفعلٍ هجومي واستباقي، مَكَّنَ قوّةً فَتيّة من احتكارِ مجالها الحيوي قبلَ الانطلاقِ لوراثة الإمبراطوريات القديمة وقيادة النظام العالمي.

​يُواجِهُ العالمُ اليوم تجلّيًا لـ”مبدَإِ مونرو معكوسًا”؛ حيثُ تَفرضُ ضروراتُ الانحسار الاستراتيجي على الولايات المتحدة الانكفاء نحو حصونها التقليدية ومجالاتها الحيوية المباشرة. هذا التحوُّلُ يُمثّلُ الملاذَ الأخير لقوّةٍ عظمى بدأت تفقد قدرتها على ضبطِ الإيقاعِ العالمي الشامل الذي تَكَرَّسَ عقبَ سقوطِ الاتحاد السوفياتي.
يَكمُنُ الفرقُ الجوهري هنا في انتقال واشنطن من مرحلة “احتكار القارة” للانطلاقِ نحو العالم، إلى مرحلة “التحصُّنِ بالقارة” اعترافًا ببروزِ أقطابٍ دولية لا يُمكِنُ إقصاؤها، مما يجعلُ العودة إلى حدود “مونرو” ومجالات الأطلسي مُحاولةً لترميم المركز أمامَ تمدُّدِ القوى المُنافسة.

​يَفرضُ توازُن القوى الجديد واقعًا انشطرت فيه السيادة العالمية؛ فبينما أحكَمَت الصين قبضتها كقطبٍ مُهَيمِن في الشرق الأقصى، استعادت روسيا دورها كقوة أوراسيوية خشنة تفرضُ إرادتها في محيطها المباشر. يضع هذا الاستقطاب الغرب أمامَ كمّاشةٍ مزدوجة: مواجهةُ استنزافٍ تقني واقتصادي مع آسيا، واصطدامٌ أمني وعسكري مع أوراسيا.

وفي خضمِّ هذا الصراع، تبرزُ أفريقيا والشرق الأوسط كآخر الساحات المفتوحة للمواجهة الكبرى، حيثُ تُحاولُ واشنطن في أفريقيا استدراكَ ما فقده نفوذها أمامَ التمدّدَين الروسي والصيني، بينما يظلُّ الشرق الأوسط ساحةَ استنزافٍ مُجهِدة للقدرات العسكرية، تجلّت في اضطرارِ واشنطن للتدخُّل الميداني المباشر لإنقاذ حليفها الإسرائيلي في مواجهات عنيفة مع “محور المقاومة”.

​يستعيدُ السلوكُ الروسي الراهن إرث “الشرطي القيصري” الذي ساد في القرن التاسع عشر؛ إذ كانت الدولة القيصرية تُمثّلُ الثقلَ العسكري الضابط للقارة الأوروبية رُغمَ تخلّفها البُنيوي عن الركب الصناعي الغربي. هذا النموذجُ يُكرِّرُ نفسه الآن؛ حيثُ تفرضُ موسكو ثقلها كقوّة إقليمية خشنة تكسر القواعد الاقتصادية التقليدية للقوة، وتُثبتُ أنَّ الجغرافيا السياسية تظلُّ المُحرِّكَ الأوَّل للتاريخ حين تترنَّحُ الأحادية القطبية.

​تَؤولُ المُعادَلةُ الدولية في 2026 إلى واقعٍ جديد تتخلّى فيه الولايات المتحدة عن دور “الشرطي الشامل” لتكتفي بدور “المُوازِن من وراء البحار” (offshore Balancer). إنَّ العجزَ عن حَسمِ الصراعات في أوكرانيا أو تايوان، والاكتفاءَ بتعطيلِ الهزيمة من دون القدرة على مَنحِ النصر، يؤكّدُ الانتقالَ إلى عصر “الهيمنة المناطقية”. في هذا النظام، لم يَعُد السؤال “مَن يَحكُم العالم؟”، بل “مَن يَملُك القدرة على حماية حصنه؟”. لقد أدركت واشنطن أنَّ الحفاظَ على الهَيمَنةِ الكَونيّة يحملُ كلفةً انتحارية، فلاذت بالتاريخ المستتر خلف “حصن مونرو”، باحثةً في الجغرافيا القديمة عن شرعيةٍ سيادية عجزت عن فرضها في جغرافيا العالم المفتوح.