منتدى دافوس 2026 ومسرح القوى المتصادمة

الملف الإستراتيجي

في يناير من عام 2026، تحولت بلدة دافوس السويسرية الهادئة، التي ترتفع فوق جبال الألب، إلى بؤرة زلزالية للسياسة العالمية، حيث لم يكن الثلج الكثيف الذي غطى شوارعها كافياً لتبريد الأجواء المشحونة داخل “مركز المؤتمرات” بمنتجع دافوس.

كانت النسخة السادسة والخمسون للمنتدى الاقتصادي العالمي، التي عُقدت تحت شعار “روح الحوار”، شاهدة على مشهد لم تألفه النخب العالمية من قبل؛ مشهد يجسد الانهيار الكامل للتوافق الليبرالي وبروز منطق القوة الخام والصفقات السيادية العابرة للحدود والمؤسسات.

​كان الحدث المحوري الذي هيمن على الأجواء، وجذب أنظار ما يقرب من 3000 قائد عالمي، هو الحضور الطاغي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي عاد إلى المنصة الدولية في عامه الثاني من ولايته الجديدة ليؤكد للعالم أن “الولايات المتحدة قد عادت، أكبر وأقوى وأفضل من أي وقت مضى”.

لم يكن حضور ترامب مجرد مشاركة رئاسية بروتوكولية، بل كان “حدثاً كاسراً” أعاد صياغة الأجندة العالمية، محولاً النقاشات التي كانت تركز عادة على التغير المناخي والذكاء الاصطناعي إلى مواجهة مباشرة حول سيادة الدول، وحدود التحالفات، ومستقبل النظام الدولي نفسه.

​وصف الحاضرون الجو العام بأنه “سيرك ترامب”، حيث تلاشت القضايا التقليدية للمنتدى تحت وطأة الخطاب الترامبي الذي اتسم بنبرة تحدٍ غير مسبوقة. كان الأثر النفسي على الحاضرين عميقاً ومتبايناً؛ فبينما ساد صمت مطبق في القاعات المزدحمة بالزعماء السياسيين ورؤساء الدول، تخللته أحياناً ضحكات مكتومة أو همسات قلقة، كان كبار رجال الأعمال يراقبون بحذر تذبذبات الأسواق التي استجابت لكل كلمة نطق بها الرئيس الأمريكي.

لقد خلق ترامب حالة من عدم اليقين الاستراتيجي، معيداً إلى الأذهان غرائز القرن التاسع عشر في تقرير مصير الأراضي والموارد، مما جعل النخب العالمية تشعر بأنها لم تعد في عالم “كانساس” القديم، بل في واقع جديد يتسم بالتمزق الدائم وليس مجرد التحول المؤقت.

الخطاب الترامبي: استعراض القوة والسيادة المطلقة

​في خطابه الذي استمر 72 دقيقة، وهو ما تجاوز الجدول الزمني المخطط له بكثير، رسم ترامب ملامح “النهضة الأمريكية” الجديدة، محطماً القواعد التقليدية للدبلوماسية الدولية. لم يكن الخطاب موجهاً فقط لإقناع الحاضرين، بل كان بمثابة إعلان عن نهاية عصر “الحكمة التقليدية” في واشنطن والعواصم الأوروبية، تلك الحكمة التي قامت على الإنفاق الحكومي المتزايد، والهجرة الجماعية، والاستيراد الأجنبي غير المحدود.

​أكد ترامب أن الاقتصاد الأمريكي في حالة “انفجار نمو” لم تشهدها البلاد من قبل، مدعياً تحقيق أرقام قياسية في جذب الاستثمارات التي وصلت إلى ما يقرب من 20 تريليون دولار في عام واحد، وهو ما اعتبره “معجزة” لم تحققها أي دولة في أي وقت. كما استخدم منصة دافوس لتوجيه رسائل حادة لشركائه الأوروبيين، متهماً إياهم بـ “الفشل الثقافي” و”الضعف العسكري”، ومطالباً إياهم بالتوقف عما وصفه بـ “الخدعة الخضراء” والعودة إلى مصادر الطاقة التقليدية التي تمتلك فيها الولايات المتحدة اليد العليا.

لقد خلق هذا الخطاب حالة من الاستقطاب الحاد؛ فبينما كانت الأسواق المالية تتفاعل بإيجابية مع وعود النمو وإلغاء القيود، كان القادة السياسيون يشعرون بالرعب من تهديداته الصريحة باستخدام التجارة كسلاح، خاصة في قضية غرينلاند التي تحولت إلى “اختبار حقيقي” لقوة التحالف العابر للأطلسي.

عرض المعارضة: تحالف المؤسسات في مواجهة الأحادية

​لم يمر “إعصار ترامب” في دافوس دون رد فعل منظم وقوي من النخب العالمية التي رأت في نهجه تهديداً وجودياً للنظام الدولي القائم على القواعد. تشكلت في أروقة المنتدى جبهة معارضة واسعة ضمت سياسيين غربيين، ورؤساء منظمات دولية، وكبار رجال الأعمال، كل منهم يعارض ترامب من منطلقه الخاص.

​السياسيون الغربيون: صرخة “السيادة الاستراتيجية”

​قاد إيمانويل ماكرون، الرئيس الفرنسي، وأورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، جبهة الرفض الأوروبي. كان خطاب ماكرون حاداً، حيث دعا أوروبا إلى عدم الانحناء لـ “قانون الأقوى”، واصفاً تكتيكات ترامب بـ “البلطجة” التي تجبر القارة على تفعيل “أداة مكافحة الإكراه”. أكد ماكرون أن العالم يحتاج إلى الاحترام المتبادل وليس إلى قادة يدعون امتلاك “الصوت الأكبر” بناءً على القوة العضلية فقط.

​من جانبها، قدمت فون دير لاين رؤية أكثر استراتيجية، حيث أعلنت أن “الحنين لن يعيد النظام القديم”، داعية أوروبا إلى بناء “استقلال جديد” وقوة عسكرية وأمنية قادرة على حماية مصالحها في القطب الشمالي وخارجه. كان هذا الموقف يمثل تحولاً جذرياً في التفكير الأوروبي من “الاعتماد على الحليف الأمريكي” إلى “بناء السيادة الذاتية” في مواجهة حليف لم يعد يُعتبر “موثوقاً”.

​أما مارك كارني، الذي ظهر كصوت قوي لـ “القوى المتوسطة”، فقد حذر في خطاب وُصف بأنه “للتاريخ” من أن النظام الدولي قد عانى من “تمزق دائم”. كان كارني صريحاً في قوله إن “النظام القديم لن يعود، ولا ينبغي لنا أن نندب رحيله، فالحنين ليس استراتيجية”. دعا كارني الدول التي لا تمتلك قوة عظمى إلى التكتل معاً، محذراً إياها: “إذا لم تكن على الطاولة، فأنت على قائمة الطعام”.

رؤساء المنظمات الدولية: التكنوقراط والتحذير من “تسونامي” الفوضى

​في الجانب الاقتصادي، حاولت كريستين لاغارد (البنك المركزي الأوروبي) وكريستالينا جورغييفا (صندوق النقد الدولي) تقديم تحليلات رصينة لمخاطر النهج الترامبي. حذرت لاغارد من أن تكرار نمط تقويض سيادة القانون والعقود الدولية يؤدي إلى حالة من “عدم اليقين الطاغي” التي تقتل الاستثمار. ودعت إلى ضرورة التمييز بين “الضجيج” السياسي وبين “الإشارات” الاقتصادية الحقيقية، مشيرة إلى أن أوروبا يجب أن تشكر “المنتقدين” لأنهم دفعوها لتحسين مناخ الاستثمار لديها.

​جورغييفا، من ناحيتها، ركزت على “تسونامي” الذكاء الاصطناعي الذي يهدد 60% من الوظائف في الاقتصادات المتقدمة، معتبرة أن الفوضى التجارية التي يثيرها ترامب تمنع العالم من وضع قواعد جماعية ضرورية لإدارة هذا التحول التقني الخطير. كما حذرت من “الرضا عن النفس”، مشيرة إلى أن النمو العالمي المتوقع بنسبة 3.3% ليس كافياً لمواجهة الديون الهائلة التي تخنق الدول.

رجال الأعمال: لاري فينك وصراع النخبة مع الشعبوية 

​برز لاري فينك، الرئيس التنفيذي لشركة بلاك روك (BlackRock)، كشخصية محورية حاولت لعب دور “الوسيط” وفي الوقت نفسه “الناقد”. كشف فينك أنه هو من شجع ترامب شخصياً على المجيء إلى دافوس لإعادة الاعتبار للمنتدى. ومع ذلك، وجه تحذيراً شديد اللهجة خلال الجلسات، مفاده أن “الرأسمالية أدت إلى تفاقم عدم المساواة”، وأن الذكاء الاصطناعي قد يجعل الأمر أسوأ إذا تركزت مكاسبه في يد “القلة”.

​وصف فينك النخبة في دافوس بأنهم قد يكونون “خارج الزمن” في عصر الشعبوية، داعياً الشركات الكبرى إلى التوقف عن التجريد والبدء في وضع خطط حقيقية لمشاركة المكاسب الاقتصادية مع الجميع. كان هذا الموقف يعكس قلقاً عميقاً لدى كبار الرأسماليين من أن سياسات ترامب، رغم فوائدها الضريبية الفورية، قد تؤدي إلى انفجار اجتماعي يقوض أسس النظام العالمي بأسره.

مواقف الدول: خريطة التحالفات والحياد النشط

​كشف منتدى دافوس 2026 عن خريطة جيوسياسية جديدة، حيث لم تعد الدول تصطف خلف أيديولوجيات واضحة، بل خلف مصالح براغماتية ومخاوف أمنية. يمكن تصنيف الدول حسب تعاملها مع “العاصفة الترامبية” إلى ثلاث فئات رئيسية:

​1. دول التأييد والتقاطع المصلحي

​في مقدمة هذه الدول جاءت المجر بقيادة فيكتور أوربان، الذي كان من أوائل المنضمين لـ “مجلس السلام” الذي أسسه ترامب، معتبراً إياه “أعظم مجلس تم تشكيله على الإطلاق”. يرى أوربان في ترامب حليفاً ضد “الليبرالية الغربية” ونموذجاً للقائد الذي يضع السيادة فوق المؤسسات الدولية. كما أظهرت بعض دول شرق أوروبا تأييداً ضمنياً لسياسات ترامب الأمنية، خاصة وعوده بنشر نظام “القبة الذهبية” الدفاعي، مقابل الحصول على تنازلات في قضايا الهجرة والطاقة.

​2. دول الحياد النشط والتجنب البراغماتي

​اتبعت دول مثل الهند، ودول الخليج (السعودية، الإمارات، قطر)، وتركيا استراتيجية “الحياد النشط”.

​الهند: ركزت على تعزيز علاقاتها التجارية مع واشنطن، متجنبة انتقاد ترامب مباشرة، مع المشاركة القوية في وفد ضم وزراء ورؤساء شركات كبرى مثل موكيش أمباني.

​دول الخليج: أبدت السعودية والإمارات وقطر اهتماماً كبيراً بمبادرات ترامب في الشرق الأوسط (مجلس السلام)، ليس بالضرورة اتفاقاً مع رؤيته الكلية، ولكن لضمان مكان على الطاولة والحفاظ على علاقات وثيقة مع البيت الأبيض في ملفات الأمن والطاقة.

​تركيا: رغم التوترات، انضمت تركيا للمجلس، محاولة لعب دور الوسيط الإقليمي وحماية مصالحها في غزة وفي ممرات التجارة الجديدة.

​3. دول الرفض والمواجهة الصريحة

​تمثلت هذه الجبهة في ألمانيا، فرنسا، كندا، اليابان، ودول الشمال الأوروبي.

​ألمانيا وفرنسا: وقفتا بقوة ضد التهديدات الجمركية المتعلقة بغرينلاند، ملوحتين بـ “بازوكا” تجارية أوروبية للرد على أي إجراء أمريكي أحادي.

​كندا: عبر مارك كارني عن رفض مطلق لفكرة التبعية، رداً على مطالبات ترامب بزيادة النفوذ في القطب الشمالي وتلميحاته بأن كندا تحصل على “خدمات مجانية” أمنية من الولايات المتحدة.

​دول الشمال (الدنمارك وغرينلاند): أدارت الأزمة بحنكة، حيث رفضت “بيع” غرينلاند أو الخضوع للقوة، مع الترحيب في النهاية بإطار تعاوني ضمن الناتو يضمن السيادة الدنماركية مقابل زيادة الوجود العسكري الأمريكي.

لقد أوضحت هذه المواقف أن النظام الدولي لم يعد ثنائي القطب أو أحادي القطب، بل أصبح “نظاماً مشظى” تبحث فيه كل دولة عن أمنها الخاص عبر تحالفات “متغيرة الهندسة”.

رؤية الصين: التعددية كنموذج بديل للاستقرار

​بينما كان ترامب يفرض منطقه القائم على القوة والابتزاز في دافوس، اختارت الصين خطاباً مختلفاً تماماً، متحدثة بلغة “التعددية” و”التعاون المربح للجميع”. قدم نائب رئيس الوزراء الصيني، هي ليفينغ، نفسه كصوت “للعقل والاستقرار” في عالم مضطرب.

بناء مستقبل مشترك وتجنب “قانون الغابة”

​دعا هي ليفينغ المجتمع الدولي إلى دعم التجارة الحرة بحزم، معتبراً أن العولمة الاقتصادية هي “توجه تاريخي سائد” لا ينبغي التراجع عنه بسبب نزاعات مؤقتة. استخدم هي ليفينغ لغة ديبلوماسية رصينة لتوجيه انتقادات غير مباشرة للولايات المتحدة، قائلاً إن “العالم يجب ألا يعود إلى قانون الغابة حيث يأكل القوي الضعيف”.

​تركزت الاستراتيجية الصينية في دافوس على النقاط التالية:

​تكبير الكعكة: التأكيد على أن التنمية ليست لعبة صفرية (أنا أربح وأنت تخسر)، بل يجب أن يستفيد الجميع من خلال التعاون.

​المساواة في القواعد: المطالبة بأن تنطبق القواعد الدولية على الجميع بالتساوي، وألا تتمتع حفنة من الدول بامتيازات بناءً على قوتها العسكرية.

​الصين كسوق عالمي: التحول من كونها “مصنع العالم” فقط إلى أن تصبح “سوق العالم” أيضاً، داعية الدول الأخرى لاستغلال فرص التنمية في الصين.

​الصين كشريك طبيعي للقوى المتوسطة والمحايدة

​من خلال هذا الخطاب، حاولت الصين تقديم نموذج بديل لمنطق ترامب. فبينما يهدد ترامب بفرض تعريفات بنسبة 200% على النبيذ الفرنسي أو الاستحواذ على غرينلاند، تتحدث الصين عن “بناء الجسور لا الجدران”.

هذا التوجه جعل الصين تبدو كشريك “أكثر عقلانية” للدول التي تتجنب مواجهة ترامب أو تبحث عن توازن استراتيجي.

​على سبيل المثال، بدأت كندا والاتحاد الأوروبي في استكشاف شراكات استراتيجية جديدة مع بكين في مجالات مثل “المعادن الحرجة” والذكاء الاصطناعي، ليس بالضرورة اتفاقاً مع النظام السياسي الصيني، ولكن كضرورة اقتصادية في ظل عدم موثوقية واشنطن. لقد أظهر دافوس 2026 أن الصين تنجح في ملء “الفراغ القيادي” الذي يتركه ترامب من خلال الحديث بلغة المؤسسات الدولية التي كانت واشنطن هي من صاغتها تاريخياً.

​تحليل استراتيجي: نهاية عصر إدارة القوة الأمريكية “التقليدية”

​أظهر منتدى دافوس 2026 بوضوح أن عصر القيادة الأمريكية القائمة على “التحالفات القيمية” والإجماع الليبرالي قد انتهى، ليحل محله عصر “إدارة القوة عبر الصفقات السيادية”. هذا التحول له تداعيات استراتيجية عميقة على ثلاث مستويات:

​1. تحول التحالفات من “عائلية” إلى “تعاقدية”

​تحول الناتو تحت وطأة “أزمة غرينلاند” من تحالف دفاعي قائم على قيم مشتركة إلى إطار لإدارة المصالح الجيوسياسية والعسكرية الصرفة. أدرك الحلفاء أن المظلة الأمنية الأمريكية أصبحت “مشروطة” بمكاسب تجارية أو تنازلات سيادية، مما دفع دولاً مثل ألمانيا وفرنسا وكندا لزيادة إنفاقها الدفاعي وتطوير صناعاتها العسكرية المحلية لتقليل التبعية. إن تهديد ترامب بفرض تعريفات عقابية على حلفائه في الناتو يمثل “تحطيماً للأعراف” التي سادت منذ عام 1945، مما ينذر بنهاية عصر “التحالف العابر للأطلسي” كما نعرفه.

​2. الاقتصاد العالمي كساحة حرب (Geoeconomic Warfare)

​أصبح التكامل الاقتصادي، الذي كان يُنظر إليه كأداة للسلام، سلاحاً للإكراه في يد ترامب. استخدام التعريفات الجمركية لانتزاع أراضٍ أو تغيير سياسات سيادية لدول أخرى (مثل قضية غرينلاند) يعكس عودة لغرائز القرن التاسع عشر الاستعمارية في ثوب اقتصادي حديث. هذا النهج أدى إلى “تشظي” الاقتصاد العالمي، حيث تسعى الدول الآن لتأمين سلاسل توريدها الخاصة بعيداً عن مراكز القوة التي قد تستخدمها للضغط السياسي.

​3. خصخصة الدبلوماسية: “مجلس السلام” كنموذج جديد

​يمثل “مجلس السلام” الذي أطلقه ترامب في دافوس تحولاً جذرياً نحو “خصخصة الدبلوماسية الدولية”.

​الدفع مقابل النفوذ: اشتراط مساهمة بمليار دولار للحصول على مقعد دائم يحول المنظمات الدولية إلى “أندية خاصة” للأثرياء.

​تهميش الأمم المتحدة: يسعى المجلس لإزاحة وكالات الأمم المتحدة (مثل الأونروا) واستبدالها بمشاريع استثمارية تديرها شركات كبرى وشخصيات مقربة من ترامب مثل جاريد كوشنر.

​منطق الشركات في إدارة النزاعات: الخطة المقترحة لغزة (ناطحات سحاب، سياحة شاطئية، ذكاء اصطناعي) تعامل الصراعات السياسية العميقة كمشاكل “تطوير عقاري” يمكن حلها بالمال والأمن الفائق، متجاهلة الجذور التاريخية والسياسية للنزاع.

لقد أثبت دافوس 2026 أن ترامب لا يسعى فقط لتغيير سياسة أمريكا، بل لإعادة تصميم القواعد التي يعمل بموجبها العالم أجمع، مستخدماً وزن الاقتصاد الأمريكي وقوته العسكرية كرافعة لفرض هذا التصميم الجديد.

​الختام والعبرة الكبرى: صمود المؤسسات في وجه الأحادية

​ختاماً، يظل منتدى دافوس 2026 فصلاً محورياً في كتاب التاريخ المعاصر، حيث وضع العالم أمام خيارين متناقضين: إما الخضوع لمنطق القوة الفردية والصفقات الآنية، أو التمسك ببدائل مؤسساتية وتعاونية تضمن الاستقرار طويل المدى.

الدرس الاستراتيجي الشامل

​إن العبرة الكبرى من أحداث هذا العام تكمن في أن العالم يواصل بناء مستقبله رغم الزعامات الانفرادية والمتقلبة. فرغم كل الضجيج الذي أثاره ترامب، ورغم محاولاته لفرض “قانون الغابة” الاقتصادي، أظهرت الدول والشركات الكبرى قدرة مذهلة على التكيف والمقاومة.

مرونة النظام العالمي: 

أثبتت المؤسسات الدولية والاقتصادات الكبرى (مثل الاتحاد الأوروبي والصين) أنها تمتلك “مضادات حيوية” ضد الأحادية المتطرفة، من خلال بناء تحالفات جديدة تعتمد على القيم المشتركة والمصالح المتبادلة وليس الإكراه.

​فشل الابتزاز كاستراتيجية دائمة: تراجع ترامب في قضية غرينلاند أظهر أن القوة لها حدود، وأن التهديد باستخدام “الخيار النووي” الاقتصادي غالباً ما ينتهي بالتفاوض عندما يواجه جبهة موحدة صلبة.

​الحاجة إلى التخطيط طويل المدى: في حين يركز القادة المنفردون على انتصارات سريعة وصور رمزية (مثل صور الذكاء الاصطناعي لغزة)، تظل القوة الحقيقية في يد أولئك الذين يستثمرون في البشر، وفي التكنولوجيا المسؤولة، وفي حماية كوكب الأرض ضمن “الحدود الكوكبية”.

​إن الدرس النهائي هو أن التعاون والتخطيط المستدام ليسا مجرد “خيارات مثالية”، بل هما الطريق الوحيد للنمو في عالم معقد ومترابط. السياسات الفردية قد “تسرق الأضواء” لفترة، لكن المؤسسات والتعاون المتعدد الأطراف هما من يكتبان السطور الأخيرة في قصة الاستقرار العالمي. سيظل دافوس 2026 يذكرنا بأن قوة العالم لا تكمن في “الصوت الأعلى”، بل في “الروح الجماعية” القادرة على مواجهة التحديات الكبرى، من الأوبئة إلى التغير المناخي إلى ثورات الذكاء الاصطناعي، وهي تحديات لا تملك أي دولة، مهما عظمت قوتها، حلاً فردياً لها.