معضلة السلام المفروض: دراسة مقارنة بين مجلس السلام في غزة 2026 وقوات الردع العربية في لبنان 1976

يمثل التدخل الدولي في مناطق النزاعات الأهلية والممتدة تحولاً جذرياً في فلسفة السيادة الوطنية، حيث يتم استبدال السلطة المحلية المنهكة بهياكل إدارة خارجية تدعي “الحياد” أو “الإنقاذ”. في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر، تبرز تجربتان محوريتان تجسدان هذا التحول: تجربة قوات الردع العربية التي تشكلت في لبنان عام 1976، وتجربة مجلس السلام في غزة (Gaza Peace Council) التي بدأت ملامحها تتبلور في أواخر عام 2025 وبدايات عام 2026. إن المقارنة بين هاتين التجربتين ليست مجرد استعراض تاريخي، بل هي تحليل لآليات “الهندسة السياسية” التي تتبعها القوى الكبرى والإقليمية لضبط مناطق الفراغ الأمني، وكيف يتحول “تقاسم السلطة” من أداة للحل إلى وقود لانقسامات أكثر عمقاً.

​السياق التاريخي والسياسي: من “اتفاق القاهرة” إلى “خطة ترامب

​تنشأ قوى التدخل عادة في لحظات “الإنهاك الإستراتيجي” حيث تعجز الأطراف المحلية عن الحسم العسكري وتصل الكلفة الإنسانية إلى مستويات لا يمكن للمجتمع الدولي تجاهلها. في الحالة اللبنانية، كان اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 نتاجاً لتراكمات هيكلية في النظام الطائفي ووجوداً عسكرياً فلسطينياً كثيفاً شرعنه “اتفاق القاهرة” عام 1969. استغاث لبنان بالدول العربية بعد أن مزقت الحرب نسيجه الاجتماعي، مما أدى إلى انعقاد قمتي الرياض والقاهرة عام 1976. كان الهدف المعلن هو إنشاء “قوات ردع عربية” تعمل تحت إمرة رئيس الجمهورية اللبنانية لفرض وقف إطلاق النار.

​أما في غزة، فقد جاء تشكيل مجلس السلام بعد عامين من حرب طاحنة بدأت في أكتوبر 2023، وخلفت واقعاً ميدانياً مدمراً. طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطة مكونة من 20 نقطة في سبتمبر 2025، تهدف إلى إنهاء القتال عبر صيغة دولية تتجاوز الإدارة التقليدية لحماس أو السلطة الفلسطينية بصيغتها القديمة. صدر قرار مجلس الأمن رقم 2803 في 18 نوفمبر 2025، ليعطي هذه الخطة غطاءً قانونياً دولياً، معتبراً أن الوضع في غزة يهدد السلم والأمن الإقليميين، وهو ما فتح الباب أمام “تدويل” إدارة القطاع.

التدخل الخارجي الكامل: سوريا في لبنان والولايات المتحدة في غزة

​في عام 1976، كان الدور السوري هو المحور الذي دارت حوله قوات الردع. دخلت القوات السورية لبنان في البداية بضوء أخضر أمريكي وتفاهمات ضمنية مع إسرائيل (ما عرف باتفاق الخطوط الحمراء)، بهدف لجم القوى الراديكالية والفلسطينيين ومنع انتصار الحركة الوطنية اللبنانية. كانت قوات الردع هي “القناع العربي” الذي أضفى شرعية على الوجود السوري، حيث شكلت القوات السورية حوالي 85% إلى 90% من قوامها الفعلي.

​في المقابل، يمثل مجلس السلام في غزة 2026 ذروة التدخل الأمريكي المباشر. يترأس ترامب المجلس شخصياً، ويضم في عضويته قادة من “أهم دول العالم” مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، بالإضافة إلى شركاء إقليميين مثل السعودية ومصر وقطر وتركيا. إن الفرق الجوهري يكمن في أن التدخل في غزة هو “تدويل مؤسساتي” يهدف إلى بناء إدارة تكنوقراطية من الصفر، بينما كان التدخل في لبنان “إقليمياً عسكرياً” حاول ترميم سلطة قائمة لكنها مشلولة.

هيكل السلطة والتقاسم: تحليل توزيع القوى

​يعكس هيكل السلطة في كلا النموذجين رغبة القوى الخارجية في تحييد الأطراف “المتمردة” (منظمة التحرير في لبنان، وحماس في غزة) عبر خلق بدائل إدارية وعسكرية تدين بالولاء للجهة المانحة أو الراعية للسلام.

قوات الردع العربية: التعددية الاسمية والأحادية الميدانية.

​كان هيكل قوات الردع العربية يعتمد على توزيع جغرافي للقوات يوحي بالشراكة العربية، لكن القيادة الفعلية ظلت مركزية بيد دمشق.

​القيادة السياسية: كانت نظرياً بيد رئيس الجمهورية اللبنانية (إلياس سركيس)، لكن القرارات الكبرى كانت تُتخذ في دمشق بالتنسيق مع القوى الإقليمية.

​القيادة العسكرية: تولاها ضباط لبنانيون (أحمد الحاج ثم سامي الخطيب) لتوفير غطاء شرعي للتحركات السورية.

​توزيع القوات: تم توزيع القوات الرمزية (السعودية، الإمارات، السودان، اليمن) في مناطق التماس الساخنة (الشياح، عين الرمانة، البقاع) لتكون بمثابة “عازل” بشري يمنع تجدد القتال، بينما سيطرت القوات السورية على العمق الإستراتيجي والمرافق العامة.

مجلس السلام واللجنة التكنوقراطية: النموذج العالمي الجديد

​في غزة 2026، تم تصميم هيكل السلطة ليكون أكثر تعقيداً واحترافية، حيث يتم الفصل بين الإشراف السياسي (مجلس السلام) والإدارة التنفيذية (اللجنة التكنوقراطية).

​مجلس السلام (Board of Peace): هيئة عليا تضم 15 قائداً دولياً، تهدف لتوفير التمويل والغطاء السياسي والشرعية الدولية. انضمام شخصيات مثل كير ستارمر وتوني بلير (كممثل سابق للرباعية) يعطي المجلس طابعاً “وصائياً” دولياً.

​اللجنة الوطنية لإدارة غزة: هي “حكومة الظل” التكنوقراطية التي تشكلت في القاهرة بمشاركة 15 عضواً مستقلاً. يرأسها علي شعث، وتضم خبراء مثل عياد أبو رمضان (رئيس غرفة التجارة) وعلي شوخ (نائب وزير سابق).

​قوة الاستقرار الدولية (ISF): هي الأداة التنفيذية للمجلس، وتوصف بأنها “قوة إنقاذ” (Rescue Force) تضم قوات من إندونيسيا وأذربيجان وتركيا ومصر، ومهمتها الأساسية هي نزع السلاح وتأمين الحدود مع إسرائيل ومصر.

دور القوى الخارجية في فرض “السلطة الحديدية” واستقرار الوضع الداخلي

​تستخدم القوى الخارجية التدخل العسكري أو السياسي لفرض “استقرار قسري” قد يبدو ناجحاً في المدى القصير، لكنه يحمل بذور انفجاره في الداخل بسبب تضارب المصالح بين القوة المتدخلة والأطراف المحلية.

​تأثير التدخل السوري والإسرائيلي في لبنان

​في تجربة 1976، لعبت سوريا دور “الشرطي” الذي يحاول الحفاظ على توازن الضعف. ساهم هذا التدخل في وقف نفوذ منظمة التحرير، لكنه أدى في المقابل إلى فقدان لبنان لسيادته الوطنية. التدخل الخارجي لم يكن موجهاً لبناء مؤسسات الدولة، بل لضمان أمن سوريا القومي ومنع تحول لبنان إلى قاعدة إسرائيلية أو فلسطينية معادية لدمشق. كما أن “اتفاق الخطوط الحمراء” مع إسرائيل جعل الجنوب اللبناني خارج سيطرة قوات الردع، مما مهد الطريق لاجتياحات إسرائيلية لاحقة.

​التدخل الأمريكي والإقليمي في غزة: إعادة هندسة الواقع

​في غزة، يتجاوز الدور الخارجي مجرد وقف إطلاق النار إلى محاولة “إعادة صياغة الوعي” والواقع الجغرافي. يشير قرار مجلس الأمن 2803 إلى أن الوضع في غزة يهدد جيرانها، وهو ما يبرر استخدام الفصل السابع مستقبلاً لفرض الترتيبات الأمنية.

التدخل الأمريكي يهدف إلى:

​نزع السلاح الشامل: وهو المطلب الإسرائيلي الأساسي الذي تبناه ترامب، حيث تُكلف قوة الاستقرار الدولية بتدمير البنية التحتية العسكرية ومنع إعادة بنائها.

​خلق منطقة أمنية (الخط الأصفر): وهي منطقة عازلة داخل حدود القطاع تسيطر عليها إسرائيل، مما يقلص مساحة المعيشة للفلسطينيين ويزيد من تكدسهم في مناطق محددة.

​تجاوز الشرعية التقليدية: عبر دعم لجنة تكنوقراطية لا ترتبط بحماس أو ببيروقراطية السلطة الفلسطينية القديمة، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى استقرار هذه السلطة “المصطنعة” في مواجهة الرفض الشعبي والفصائلي.

توقعات الصراع والتفكك: لماذا يفشل “تقاسم السلام”؟

​يكشف التاريخ أن السلام الذي يُفرض من الخارج عبر “تقاسم السلطة” بين قوى غير متجانسة غالباً ما ينتهي بالتفكك عند أول اختبار حقيقي للمصالح الوطنية أو الإقليمية.

​تجربة قوات الردع: دروس الانسحاب والصدام

​فشلت قوات الردع العربية في لبنان وتحولت إلى “طرف” بدلاً من “حكم” للأسباب التالية:

​تآكل الغطاء العربي: مع تحول الدور السوري إلى دور “انتدابي”، بدأت الدول العربية (السعودية، الإمارات، السودان) بسحب قواتها ما بين عامي 1977 و1979، احتجاجاً على التفرد السوري بالقرار العسكري والاشتباك مع القوى المسيحية التي كانت جزءاً من “الجبهة اللبنانية”.

​الصدام مع الفلسطينيين: بدلاً من تنفيذ جمع السلاح الثقيل، دخلت قوات الردع في مواجهات دموية مع منظمة التحرير، مما أدى إلى فقدانها صفتها كقوة “قومية” لحماية المدنيين الفلسطينيين واعادة بناء الدولة.

​غياب المؤسسة اللبنانية الموحدة: كانت قوات الردع تحاول مساندة سلطة لبنانية غير موجودة فعلياً على الأرض، حيث كان الجيش اللبناني قد انقسم إلى فصائل طائفية مستقطبة من قوى الحرب الفلسطينية واللبنانية.

توقعات الانقسام في مجلس السلام بقطاع غزة

​بناءً على المعطيات الميدانية في يناير 2026، يواجه مجلس السلام مخاطر مماثلة قد تؤدي إلى انهياره:

​الرفض الفصائلي المسلح: أعلنت حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية رفضها للقرار 2803، معتبرة إياه “وصاية” و”شرعنة للاحتلال”. هذا الرفض يعني أن أي قوة دولية ستعامل كقوة احتلال، مما قد يؤدي إلى استنزافها عسكرياً.

​معضلة الشرعية المزدوجة: هناك صراع مكتوم بين السلطة الفلسطينية في رام الله (التي رحبت بالقرار بتحفظ) وبين اللجنة التكنوقراطية الجديدة التي يدعمها ترامب. هذا التنافس قد يؤدي إلى شلل إداري في القطاع.

​تناقضات التحالف الدولي: امتناع دول مثل أذربيجان عن إرسال قوات، وتخوف تركيا ومصر من الوقوع في فخ الصدام مع حماس، يشير إلى أن “قوة الاستقرار” قد تظل قوة رمزية غير قادرة على تنفيذ بند نزع السلاح.

​تأجيل الإعمار كأداة ابتزاز: ربط الإعمار بنزع السلاح وبجداول زمنية غير واضحة قد يؤدي إلى فوضى شعبية داخل القطاع ضد المجلس واللجنة التكنوقراطية.

النتائج والتداعيات: مقارنة سيناريوهات الانهيار الداخلي

​أدى فشل قوات الردع العربية في لبنان إلى تكريس “الوصاية السورية” التي استمرت حتى عام 2005، فهل يتكرر السيناريو في غزة بصيغة “الوصاية الدولية” أو “الضم الإسرائيلي المقنع”؟

​السيناريوهات السياسية والعسكرية بعد انفصال الأطراف

​في لبنان 1976-1982، أدى انفصال الأطراف العربية عن قوات الردع إلى تحولها لجيش سوري صرف، مما جعل لبنان ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية (حرب المدفعية، حرب زحلة، ثم الاجتياح الإسرائيلي 1982).

​في غزة 2026، تتأرجح السيناريوهات المتوقعة بين:

​سيناريو “الصوملة” (Somalization): فشل مجلس السلام في فرض الأمن، واندلاع حرب أهلية بين بقايا حماس وبين القوى الأمنية الجديدة التي يدربها المجلس، مما يؤدي إلى غرق القطاع في فوضى مستدامة تبرر بقاء إسرائيل العسكري الدائم.

​سيناريو “الوصاية الممتدة”: نجاح نسبي للمجلس في إدارة الشؤون الخدمية، لكن مع بقاء غزة كـ “إقليم متمرد” تحت السيطرة الأمنية الدولية، دون أفق سياسي لقيام دولة، وهو ما يحول القطاع إلى سجن كبير تديره شركات خاصة ومنظمات دولية.

​سيناريو “الانهيار والضم”: فشل اللجنة التكنوقراطية يؤدي إلى عودة إسرائيل للسيطرة الكاملة وتوسيع “الخط الأصفر” ليشمل مساحات أكبر من القطاع، مع تهجير منهجي للسكان تحت ستار “الهجرة الطوعية” التي يسهلها الوضع الإنساني المتدهور.

الدروس المستفادة: معضلة “السلام المفروض”

​تؤكد المقارنة بين 1976 و2026 أن أي هيكل سلطة لا ينبع من توافق وطني داخلي حقيقي يظل مضطرباً أمام التدخلات الخارجية. إن قوات الردع العربية، رغم غطائها القومي، تحولت إلى أداة لهيمنة طرف واحد. وبالمثل، فإن مجلس السلام في غزة، رغم غطائه الدولي والتقني، يواجه خطر التحول إلى أداة لـ “تصفية القضية” بدلاً من حلها، خاصة مع غياب آليات إلزام واضحة لانسحاب القوات الإسرائيلية أو جداول زمنية لإنهاء المرحلة الانتقالية.

​إن “الشرعية السياسية” لا يمكن استيرادها عبر لجان تكنوقراطية، و”الأمن” لا يمكن فرضه عبر قوات دولية تخشى الصدام الميداني. الدرس الأهم من تجربة لبنان هو أن “الردع” الذي لا يسنده مشروع وطني يتحول سريعاً إلى “احتلال”، وأن “السلام” الذي يفرضه الخارج هو في الحقيقة مجرد “هدنة مسلحة” بانتظار الانفجار القادم.

​خاتمة تحليلية: نحو فهم جديد لديناميات تقاسم السلطة

​في الختام، يظهر مجلس السلام في غزة كنسخة مطورة ومعولمة من قوات الردع العربية. فبينما كان الهدف في 1976 هو “الحفاظ على لبنان العربي”، يبدو الهدف في 2026 هو “تحييد غزة الفلسطينية” عبر

دمجها في نظام إقليمي أمني جديد برئاسة أمريكية.

إن نجاح أو فشل هذه التجربة سيعيد رسم خريطة الصراعات في الشرق الأوسط للعقود القادمة، تماماً كما فعلت تجربة قوات الردع التي رسمت ملامح لبنان والمنطقة لثلاثة عقود مضت. إن الانهيار الداخلي في كلتا التجربتين ليس مجرد احتمال، بل هو نتيجة منطقية لهياكل سلطة صُممت لتخدم “المتدخل” أكثر مما تخدم “المحلي”، ولتؤجل الصراع بدلاً من معالجة جذوره التاريخية والسياسية.