المركزية – استضافت دار الروابط الإعلامية في جبيل في ندوة حوار الصحافي والمستشار أنطوان قسطنطين الذي استهل كلمته بتأثر مسيرته الإعلامية بشخصيات تركت فيها أثرا من بينها ميشال شيحا، الذي جمع بين الفكر السياسي والرؤية الاقتصادية، وأسهم في صياغة بعض مرتكزات النظام اللبناني. واستعاد تجربة إعلامية مبكرة رافقته في مساره، مؤكدًا أن العمل العام، في جوهره، هو إدارة لشؤون المجتمع، وأن السياسة ليست شأنًا منفصلًا عن الثقافة أو الاقتصاد أو الأشغال العامة، بل هي الإطار الناظم لكل هذه القطاعات.
وشدد على أن الحوار يشكل الركيزة الأساسية في حياة المجتمعات، بوصفه السمة التي تميز الإنسان عن سائر الكائنات. فالحوار ليس ترفًا فكريًا، بل هو أداة بناء حضاري، قامت عليه مدارس فكرية كبرى، وتجارب دينية وفلسفية متعددة. وهو في ذاته قيمة مستقلة، حتى عندما لا يفضي إلى اتفاق كامل، إذ يكفي أنه يتيح التفاعل وتبادل الرأي وتوسيع أفق الفهم.
وانتقل بعد ذلك إلى قراءة الواقع اللبناني في ضوء اقتراب مئوية دستور عام 1926، الذي أرسى قيام الجمهورية اللبنانية. فبعد مرور مئة عام على إعلان الجمهورية، تعيش الدولة أزمة عميقة لا تقتصر على الشأنين المالي أو الاقتصادي، بل تمتد إلى مستوى الوجود والانتماء. وتساءل عن أسباب هذا الإخفاق: هل يعود إلى سوء إدارة التنوع الاجتماعي؟ أم إلى خلل في بنية النظام السياسي؟ أم إلى ممارسات النخب التي تعاملت مع الدولة كساحة صراع على السلطة بدل أن تكون إطارًا للشراكة الوطنية؟
كما طرح تساؤلات حول ملاءمة النظام المركزي الموروث عن الانتداب، وإمكان تطوير لامركزية إدارية فاعلة من دون أن يؤدي ذلك إلى تفكيك الدولة. وأكد أن العيش المشترك لا يمكن أن يقوم على الهروب من الاختلاف، بل على تنظيمه ضمن مؤسسات دستورية فاعلة.
وفي الشأن الاقتصادي، انتقد التحول من نموذج الاقتصاد المنتج، القائم على الزراعة والصناعة، إلى نموذج ريعي مصرفي، حيث تحولت المؤسسات المالية من ممول للاقتصاد إلى مستفيد رئيسي منه، في ظل غياب المساءلة والرقابة الفاعلة. وأشار إلى أن تداخل السلطة السياسية مع المصالح الاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة، وأضعف ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها.
ورأى أن فشلًا متراكمًا بهذا الحجم لا يجوز التعامل معه بإنكار أو تبسيط، بل يقتضي مراجعة نقدية شاملة. فالدولة اللبنانية، التي قامت عام 1926، ليست مجرد كيان إداري يمكن استبداله بسهولة، بل هي نتاج مسار تاريخي معقد. وأي تصور بإمكان انهيارها من دون تداعيات وجودية هو تصور يتجاهل تعقيدات الجغرافيا والديموغرافيا والتوازنات الداخلية والخارجية.
وختم، بالتأكيد إن الحفاظ على الدولة شرط لازم لأي اختلاف مشروع داخلها؛ إذ يمكن للبنانيين أن يختلفوا في السياسات والخيارات، لكن لا يجوز أن يختلفوا على بقاء الدولة نفسها. فصون الإطار الجامع هو المدخل الوحيد لإعادة بناء الثقة، وإطلاق مسار إصلاحي يعيد للجمهورية دورها ومكانتها.





