عشر دقائق هزت لبنان: تحليل بنيوي لغياب المصلحة الدولية في وقف إطلاق النار

مسام

التفكك المتعمد للمسارات

تمثل ضربات الثامن من نيسان/أبريل 2026 في لبنان، والتي نُفذت بعد ساعات فقط من إعلان وقف إطلاق النار بين واشنطن وتل ابيب وطهران، دليلاً بنيوياً على استراتيجية “فصل الساحات”. فبينما اتجهت القوى الكبرى لتأمين تدفق الطاقة عبر مضيق هرمز، تُركت الساحة اللبنانية لتكون “صمام أمان” لتفريغ التوترات الإقليمية. إن غياب طرف دولي وازن يفرض وقف إطلاق النار ليس قصوراً في الأدوات، بل هو انعكاس لغياب مصلحة حقيقية لدى القوى القادرة على التأثير في تغيير الوضع القائم في لبنان. 

مصفوفة المصالح: الفجوة بين الخطاب والنيّة

1. الولايات المتحدة: استقرار النفط مقابل استباحة الساحة

رغم دعوات الرئيس ترامب لإنهاء “المعاناة”، تظهر البنية البراغماتية لإدارته أن الهدف الأسمى هو “اتفاق إسلام آباد” لتأمين الملاحة الدولية. ترى واشنطن في استمرار العمل العسكري الإسرائيلي في لبنان أداة ضغط منخفضة التكلفة لاستنزاف محور إيران دون الحاجة لمواجهة مباشرة مع طهران. هذا “الاستبعاد المتعمد” للبنان من التهدئة الكبرى يوفر لواشنطن ورقة تفاوضية مستقبلية ويحقق رغبة إسرائيلية دون توريط القوات الأمريكية . 

2. إسرائيل: عقيدة “جز العشب” والميزة العملياتية

لا تملك تل أبيب أي مصلحة هيكلية في وقف إطلاق النار قبل تحقيق “إضعاف مستدام” لحزب الله . تعتبر القيادة الإسرائيلية أن وقف إطلاق النار مع إيران هو “فرصة استراتيجية” للانفراد بلبنان وتدمير بنية قوة الرضوان والترسانة الصاروخية بعيداً عن ضجيج الحرب الإقليمية الكبرى. إن الإصرار على فرض منطقة عازلة وتدمير القرى الحدودية يعكس نية لتحويل الجنوب إلى منطقة غير قابلة للحياة، وهو هدف يتطلب وقتاً يتجاوز آماد الهدن المقترحة. 

3. إيران: الحزب كدرع وقربان

تواجه طهران خياراً متناقضاً؛ فبينما تطلب علنياً شمول لبنان بالتهدئة، فإنها تدرك أن استمرار انخراط حزب الله في مواجهة إسرائيل يبقي قدراتها الإقليمية حيّة. بما يمثل بقاء الساحة اللبنانية ساحة صراع وسيلة للحفاظ على “العمق الاستراتيجي” ومنع عزل طهران كلياً عن ملفات المنطقة. إن القبول (وإن غير المعلن) بفك الارتباط بين طهران وبيروت في الاتفاق الأخير قد يشير إلى تضحية تكتيكية لاستعادة الأنفاس اقتصادياً، مع ترك الحزب يواجه الميدان ضمن استراتيجية “الحرب غير المتناظرة”. ايران وحزب الله لهما مصلحة في وقف اطلاق نار يشرعن حزب الله كقوة مستقلة عن منظومة الامن اللبناني بما يسمح باستعادة وضع شبيه باتفاق نيسان 1996، اما اي وقف لاطلاق النار يؤدي الى نزع سلاح الحزب فهو خيار مرفوض استراتيجيا”.

4. الاتحاد الأوروبي وفرنسا: دبلوماسية العجز

تمثل أوروبا الطرف الوحيد الذي يملك مصلحة مباشرة في وقف الحرب لمنع موجات الهجرة وانهيار الدولة. ومع ذلك، تظهر الوقائع وجود “فجوة نفوذ” هائلة؛ فباريس تفتقر للأدوات الاقتصادية أو العسكرية لإجبار إسرائيل على التوقف أو إقناع إيران بتنازلات جوهرية . إن التحركات الأوروبية تظل محصورة في الإطار الإنساني، بينما ترفض دول وازنة مثل ألمانيا استخدام الرافعة الاقتصادية (كأكبر شريك تجاري لإسرائيل) لتغيير الواقع الميداني. 

5. القوى الإقليمية (دول الخليج وسوريا)

دول الخليج: رغم رغبتها في الاستقرار، ترى في إضعاف حزب الله عسكرياً مكسباً استراتيجياً يقلص نفوذ إيران الإقليمي. المصلحة الخليجية تتركز في حماية الممرات المائية والنمو الاقتصادي، وهو ما يؤمّل ان تحققه مفاوضات إسلام آباد، مما يقلل من حافزها للضغط بقوة من أجل تهدئة في لبنان قد تعيد ترميم قدرات خصومها. 

سوريا (حكومة الشرع): تتبنى دمشق سياسة “الحياد الإيجابي” التي تخدم مصالحها في إعادة الإعمار والاندماج الدولي. إن استمرار الحرب في لبنان يغلق الممر البري للسلاح الإيراني تلقائياً، مما يعفي دمشق من حرج المواجهة المباشرة مع طهران ويحقق رغبة واشنطن وتل أبيب في عزل الحزب. 

فراغ الفاعل الوسيط: هيكلية الاستعصاء

إن الساحة اللبنانية تعاني من “فراغ الوساطة الموثوقة”. فباكستان، الوسيط الناجح بين واشنطن وطهران، لا تملك رصيداً سياسياً في بيروت . أما الأمم المتحدة، فقد تم تحييد دورها عملياً بقرار drawdown لليونيفيل (القرار 2790)، مما حوّل المجتمع الدولي إلى كتلة تفاوض مشلولة.

هذا الفراغ ليس ناتجاً عن فشل دبلوماسي، بل عن تقاطع مصالح القوى القادرة (الولايات المتحدة، إسرائيل، إيران) على إبقاء لبنان “ساحة مواجهة” لتصفية الحسابات بعيداً عن المناطق الحيوية للنظام العالمي (مثل ممرات الطاقة) .

الخلاصة: استدامة النزاع كخيار استراتيجي

أن وقف إطلاق النار في لبنان يمثل “خسارة” لكل من:

إسرائيل (التي ستفقد فرصة تاريخية لتفكيك الحزب وهو محاصر سياسياً وعسكرياً – خطوط الامداد).

إدارة ترامب (التي ستفقد ورقة ضغط قوية على طهران في مفاوضات إسلام آباد النهائية).

تيار التشدد الإيراني وحزب الله (الذي سيفقد قدرته على تهديد أمن إسرائيل المباشر، كأحد أهم أوراق المحور).

بناءً عليه، يظل لبنان رهينة “الفراغ البنيوي”؛ حيث تتوافر الرغبة في التهدئة لدى الضحايا (الشعب والاقتصاد والشرعية) والقوى العاجزة (أوروبا)، بينما تتركز القدرة لدى قوى ترى في استمرار النزاع مصلحة استراتيجية عليا.