زياد الحواط وفراس بو يونس في المعادلة الجبيلية

المخرج رمال أبي يونس – نداء الوطن

من جرد العاقورة إلى معراب…

في السياسة اللبنانية، هناك عائلات لا تظهر فقط عند صناديق الاقتراع، بل تجدها عند كلّ منعطف.

عائلات لا تُستدعى لتزيين اللوائح، بل لتثبيت التوازنات، وحسم الاتجاهات، وتأمين الغطاء الشعبي والتاريخي في آنٍ واحد. والترشيحات لا تقاس فقط بمن سيجلس على المقعد، بل بمن يصنع المعادلة، ومن يؤمّن الحاصل، ومن يضيف إلى المشروع السياسي قيمة تتجاوز الصندوق الانتخابي.

عائلة بويونس واحدة من هذه العائلات التي تحمل إرثا وتاريخًا يُشهد له في قضاء جبيل وهي قد حمت العاقورة بدمائها وصنعت نوابا بوفائها، وعودة اسم ابنها فراس بويونس إلى التداول الجدّي داخل أروقة القوات اللبنانية ليست حدثا انتخابيا عاديا، بل استعادة محسوبة لذاكرة سياسية لم تنقطع يوما، وطرحه على المقعد الماروني في قضاء جبيل إلى جانب النائب الحالي زياد الحواط، أكثر من مجرد خيار انتخابي… بل خطوة ذكية ومدروسة في لعبة كبيرة يقودها شخصيا الدكتور سمير جعجع.

تاريخ لا يُمحى بين بويونس والقوات في زمن الحماية لا الشعارات. فمنذ بدايات الحرب، لم تكن العاقورة قرية على الهامش، ولا كان جردها مساحة متروكة للقدر. في زمن كانت فيه الجغرافيا تُحسم بالدم، لعبت عائلة بويونس دورا أساسيا في حماية جرد العاقورة، ليس بالكلام، بل بالفعل، وبالتنسيق العضوي مع القوى المسيحية المقاومة، والتي شكّلت لاحقًا العمود الفقري للقوات اللبنانية. ووجود آل بويونس في العاقورة لم يكن يوما اجتماعيا فقط، بل أمنيا وسياسيا وخدماتيا، وامتد حضورهم من ثكنة اللقلوق الى كل لبنان، حيث كانت تُرسم خطوط الدفاع عن القرى والناس، وحيث لم يكن الانتماء شعارا، بل مسؤولية وجودية يومية. في تلك المرحلة، كان اسم بويونس يُقرأ كمرادف للثبات لا للمساومة.

في لبنان صناعة النواب هي عندما تتتَخذ العائلات القرار، وليس تفصيلاً أن يكون لآل بويونس دور محوري في إيصال الدكتور أنطوان سعيد إلى الندوة البرلمانية. وهنا كي لا ننسى أو نتناسى نذكر يوم زار العميد ريمون إده ربعة الشيخ وديع بطرس سمعان بويونس كبير وجهاء عائلة بويونس وصانع عزها ومجدها طالبا منه بعدم عقد اللقاءات للدكتور أنطوان سعيد في قرى الجرد لقضاء جبيل خوفا من النجاح الكبير الذي سيحرزه الدكتور سعيد في الانتخابات النيابية، لا سيما بالنظر إلى ما كان يملكه آل بويونس من علاقات ومعارف وقلوب محبة في جبيل من يومها إلى يومنا هذا، واكتفى طلب العميد بأن إذا أردتم أن تصوتوا للدكتور سعيد وتنتخبوه فأنا أحترم قراركم ومساعيكم، ولكن طلبي في داركم ألا تقوموا بجولات انتخابية له، وربعات عائلية تجمعه مع محبيكم. وكان رد الشيخ وديع على العميد آنذاك… “يا عميد نحن أهل الوفاء وعندما نعطي كلمتنا، لا نعود عنها إلا بعد مماتنا، ونحن أعطينا كلمتنا للدكتور سعيد فأهلا بك في دارك ولكن نحن سنكمل بوعدنا الى النهاية”.

في زمن كانت فيه العائلة السياسية هي ماكينة القرار الفعلي، شكّلت بويونس رافعة انتخابية حقيقية، جمعت بين النفوذ المحلي، والقدرة على بناء التحالفات، وفهم مزاج الناس قبل صناديق الاقتراع. هذا الدور لم يكن معزولا عن علاقتهم العميقة بالدولة اللبنانية، ولا عن خطهم السياسي السيادي الواضح مع الدولة. والعلاقة مع الرئيس كميل شمعون لم تكن بروتوكولية، بل علاقة ثقة سياسية، امتدت لاحقا إلى مرحلة مفصلية مع الرئيس الشهيد بشير الجميل ومن ثم الدكتور سمير جعجع حيث التقت عائلة بويونس بأكثريتها مع مشروع الدولة القوية، والقرار السيادي، والمواجهة المفتوحة مع “منطق الدويلة”.

في قلب هذا التاريخ، يقف رفيق بويونس، المفكر والكاتب السياسي صاحب المسار السياسي الطويل وصديق صدام حسين والمعتقل السياسي السابق ظلما في أقبية سجون الأسد، والذي قال عنه اللواء جميل السيد يوما: رفيق بويونس داهية وذكاؤه هو ما خلّصه من الاعتقال ومن أيدي الأسد. أبو فراس لم يكن شاهدا على الأحداث، بل مشاركا في صياغة وعيها. مكانته الاجتماعية والسياسية في لبنان عامة، وفي جبيل والعاقورة خاصة، جعلت من اسمه مرجعية كبيرة، ومن بيته مدرسة فكرية عميقة، لا تبحث عن السلطة بل تفهمها وتعرف كيف تصيغ كلماتها وتحيك مواقفها.

من هذا البيت خرج فراس، ونضال، وإلياس. محامون، نعم، لكن قبل ذلك أبناء خط سياسي واضح. إلياس بويونس، الاسم اللامع في عالم المحاماة في بيروت و دبي، بمقامه العالي وصيته الذي يسبقه، ليس حالة فردية، بل امتداد لعقلية تعتبر النجاح المهني جزءا من المعركة الكبرى: معركة الحضور والاحترام. أما نضال فهو رجل الظل وصاحب الكثير من النجاحات التي يصنعها من الخفاء إلى العلن.

وهنا ننتقل بالحديث عن دور النائب الملك هكذا يلقبه محبيه إنه زياد الحواط القوة التي لا تمس، ولا يمكن مقاربة هذا المشهد من دون تثبيت موقع زياد الحواط فهو نائب لدورتين منذ 2018، الرجل الأقوى شعبيا في جبيل، والذي كرّس حضوره بفوز بلدي كاسح مؤخرا، بــ18 صفر برئاسة الدكتور جوزاف الشامي. ولم يكن حدثا عابرا، بل رسالة واضحة عن حجم حضوره وقدرته على التخطيط و إدارة المعارك وكيفية كسبها. الحواط حالة قائمة بذاتها، قاعدته الشعبية صلبة، وحب الجبيليين له ليس وليد خطاب، وهو ليس مرشحا يحتاج إلى تغطية فخدماته معروفة، وعلاقته بالناس مباشرة وغير متكلّفة وبتفاعل يومي. لذلك، وجوده في المعادلة غير قابل للنقاش.

فهنا السؤال لماذا فراس بويونس إذاً… في ظل القانون الانتخابي الحالي، لا تُقاس المعركة بعدد النواب فقط، بل بالحواصل. وفراس بويونس، بوضوح، ليس مطروحا كنائب تقليدي بل كـصانع حاصل. رجل قانون له تجربة سياسية سابقة، حاول الترشّح مع نعمت إفرام ثم خاض المعركة مستقلًا عندما لم تتلاقَ الرؤى. هذا يعني شيئا واحدا:

الرجل لا يقبل أن يكون رقما، بل شريكا في القرار وترشحه كمستقل، أثبت أنه ليس رجل ظلّ ولا تابع. بل هو صاحب رأي، وله في السياسة حضور محسوب، حتى وإن اختار الابتعاد عن الضجيج. ووجوده في معراب، إلى جانب والده، خلال العشاء السنوي لمنسقية جبيل، ليس بروتوكولا اجتماعيا عابرا. فمعراب لا تستضيف عبثا او ترسل إشارات خاطئة وغير هادفة وعندما يحضر اسم فراس بويونس في هذا التوقيت ذلك يعني أن سمير جعجع لا يدرس الأسماء من باب المجاملة بل يفكر ويقرأ ويرى ما لا يقدر على رؤيته الخصوم. وهنا بيت القصيد ف فراس بويونس شريك صعب خاصة أنه من المقربين إلى التغيريين ومن صناع القرار وهو قادر على تأمين الحاصل الانتخابي بثقل عائلي واجتماعي هادئ، وجذب أصوات مستقلة وغير حزبية، وقادر على فتح قنوات سياسية وقانونية ودولية تحتاجها القوات في المرحلة المقبلة.

خاصة أن كل المؤشرات تدل على أن “الجمهورية القوية” متجهة إلى بناء كتلة نيابية أكبر وأكثر نفوذا وما جرى في كسروان مع شوقي الدكاش وفي زحلة مع جورج عقيس يعكس بوضوح الآلية التي تعتمدها القوات وكيف تجري الأمور بين الحزب وأبناءه فلا تقديس للأسماء بل إدارة دورات سياسية وفق القانون الحزبي الذي يسمح بترشيح المرشح مرتين، مع استثناءات مقنعة وضرورية وجدا محدودة.

وفي جبيل المعادلة مختلفة وزياد الحواط هو من ضمن هذه الحالة الاستثنائية بحكم قوته وقاعدته الشعبية التي أصبحت بغالبيتها قوات وفوزه مؤخرا في الانتخابات البلدية دون أي خرق يسجل أو يذكر. لذلك عزف عن فكرة استبداله خاصة وأنه قد سُرب أنه قد طُرح على زياد أن ينتقل من صاحب السعادة الى صاحب المعالي وهذا من باب التفكير في ترشيح مرشح شيعي ودعمه في جبيل، ولكن قوة زياد الحواط وقاعدته الشعبية واسمه وصلابته قد أبقت الحال على ما عليه وجاء قرار الدكتور سمير جعجع على تعزيز اللائحة باسم قادر على تأمين الحاصل وتوسيع المروحة إلى شكل أكبر وأوسع معتبرا أن زياد الحواط هو حالة استثنائية ووجوده ضرورة لا يمكن الإستغناء عنها.

وبالحديث عن البلديات، فإن دور آل بويونس في بلدية العاقورة يؤكد أن التاريخ لم يتحوّل إلى ذكرى. وفوز خالد نجيب بويونس رجل الخدمات والحضور وإبن نجيب وديع الرجل الذي سطر التاريخ إسمه بخيطان من ذهب على اللائحة المدعومة من الدكتور فارس سعيد بحوالي 1130 صوت كأول الفائزين في العاقورة ليس رقما عاديا بل نجاحا تخطى المعقول وهذا رقم صعب على مستوى قضاء جبيل كله وجميع القوى تعرف هذا تماما، وهذه رسالة واضحة بأن العائلة ما زالت بيضة القبان في التوازنات البلدية والنيابية والنائب السابق إميل نوفل هو الشاهد الأقوى على صلابة هذه العائلة خاصة أنها اليوم قد تخطت الـ 1200 صوت، وهي قادرة على ترجيح الكفّة متى قررت.

ترشيح فراس بويونس إن حصل ليس خرقا ولا تجربة، بل هو عودة للتاريخ، واستثمار في الحاضر، وضمان المستقبل.

زياد الحواط يمثّل القوة الثابتة، أما فراس بويونس فهو قيمة مضافة تمثّل العمق، والحاصل، والامتداد.

فالأول يربح المعركة ويحفظ المقعد، والثاني يوسّعها ويؤمّن الحاصل ويكسر الاصطفافات.

تعلمت أن في السياسة أحيانا يكون أخطر اللاعبين ليسوا من يجلسون تحت القبة، بل من يحفرون الطريق ويرسمون العلامات عليها، ولا يكفي أن تربح الانتخابات بل الأهم أن تعرف من معك، ومن يقف خلفك، ومن يحمل معك قدسية الذاكرة والسلاح الشعبي في آنٍ واحد