دراسة حول توزيع المستفيدين من أموال المودعين

إعداد : د. بيار الخوري – الملف الإستراتيجي

يمثل الانهيار المالي في لبنان حالة دراسية فريدة في التاريخ الاقتصادي الحديث، حيث تجاوزت الخسائر المتراكمة في النظام المالي حدود قدرة الاقتصاد المحلي على الاستيعاب، مما أدى إلى نشوء ما يعرف بـ “الفجوة المالية” التي تقدر حاليًّا بنحو 80 مليار دولار أمريكي. هذه الفجوة ليست مجرد رقم محاسبي ناتج عن اختلال التوازن بين الأصول والالتزامات، بل هي محصلة عقود من السياسات النقدية والمالية التي صممت لخدمة نموذج ريعي أدى في نهاية المطاف إلى أكبر عملية تحويل ثروة في تاريخ المنطقة. إن فهم هذه الفجوة يتطلب تحليلًا دقيقًا لميزانيات مصرف لبنان والمصارف التجارية والآليات التي مَكَّنَت فئات معينة من “الخروج الآمن” أو “الربح الفاحش” بينما حُمِّلَ المُودِعُونَ الفاتورة الكاملة لهذا الانهيار.

تكمن جذور الأزمة في النظام النقدي القائم على تثبيت سعر صرف الليرة، وهو نظام تطلب تدفقات مستمرة من العملة الصعبة لتمويل العجز التوأم بين ميزان المدفوعات وعجز الموازنة العامة. وعندما بدأت هذه التدفقات بالتباطؤ، لجأ المصرف المركزي إلى ما وصفه البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بـ “مخطط بونزي” (Ponzi Scheme) عبر الهندسات المالية التي بدأت في العام 2015. هذه الهندسات كانت المحفز الرئيسي لتضخم الفجوة، حيث استدرجت دولارات المودعين مقابل عوائد وهمية، مما خلق التزامات هائلة بالعملة الصعبة لا تقابلها أصول حقيقية.

التشريح المحاسبي للفجوة المالية ونتائج التدقيق الجنائي

كشف التقرير الأولي لشركة “ألفاريز ومارسال” عن حقائق مذهلة حول كيفية إخفاء الخسائر؛ فبين عامي 2015 و2020، انتقلت الاحتياطيات بالعملات الأجنبية من فائض قدره 7.2 مليار دولار إلى عجز صافٍ قدره 50.7 مليار دولار. استخدم مصرف لبنان آلية “المقاصة” (Netting) وترحيل تكاليف الفوائد إلى حسابات غامضة مثل “أصول أخرى” و”حسابات التسوية” لمنع المودعين من رؤية حجم الكارثة. الهندسات المالية وحدها كلفت 115 تريليون ليرة لبنانية (ما يعادل 7.7 مليار دولار بالسعر الرسمي آنذاك) بين عامي 2015 و2020.

توزيع المستفيدين من الفجوة المالية: تقدير الحصص والآليات

بناءً على تجميع البيانات من تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وتحليل محفظة القروض المصرفية، يمكن رسم خريطة توزيع الاستفادة من هذه الفجوة (أي الفئات التي سددت التزاماتها أو حقق مكاسب بأسعار صرف بخسة على حساب المودعين).

الدولة اللبنانية: المستفيد الهيكلي والمسؤول الأول

تعتبر الدولة اللبنانية المستفيد الأكبر والمحرك الأساسي للفجوة؛ فقد استخدمت مصرف لبنان كمصدر تمويل غير محدود لتغطية عجز الموازنة الناتج عن الهدر والفساد، خُصوصًا قطاعات الكهرباء، الدعم وفاقد الموارد الذين استنزفوا عشرات المليارات.

شطب الديون عبر التضخم: مع انخفاض قيمة الليرة بنسبة 98%، قامت الدولة عمليًا بشطب القيمة الحقيقية لديونها المحلية، مما خفف العبء عن الخزينة ولكنه دمر مدخرات المودعين بالعملة الوطنية.

تبديد الاحتياطيات: أنفق مصرف لبنان بين عامي 2019 و2023 نحو 22 مليار دولار من احتياطياته (التي هي أموال المودعين) لتمويل الإنفاق العام ودعم سلع استفاد منها كبار المستوردين والمهربين .

المقترضون: الاستفادة من تعدد أسعار الصرف (كبارًا وصغارًا)

يمثل المقترضون الفئة التي حققت مكاسب كبرى ملموسة من الانهيار النقدي عبر تسديد الديون “على الرخيص”.

كبار المقترضين والشركات: يقدر البنك الدولي أن أكبر 2500 مؤسسة في لبنان قامت بتسديد نحو 53% من ديونها بالدولار بقيم مخفضة للغاية، وهو ما يمثل تحويلًا مباشرًا للثروة من المودعين إلى أصحاب هذه الشركات. انخفضت محفظة القروض بالدولار من 38 مليار دولار في 2019 إلى 9 مليارات في 2023، أي أن 29 مليار دولار سُددت بقيم رمزية.

صغار المقترضين وقروض التجزئة: استفاد مئات الآلاف من تسديد قروض سكنية، شخصية وقروض سيارات بأسعار الصرف الرسمية القديمة. كما سُدِّدَت مَبَالِغ ضخمة من ديون بطاقات الائتمان بالليرة المنهارة، مما أدى إلى خسارة المصارف بنحو 11 مليار دولار (مقسمة بين 7.3 مليار للسكن و3.9 مليار للاستهلاك والبطاقات).

المصارف والمنظومة المالية: حماية رأس المال والمراجحة

لعبت المصارف دور المستفيد عبر الأرباح الموزعة وعبر حماية مساهميها بعد الانهيار.

العمولات المشبوهة: كشف التدقيق الجنائي عن 111 مليون دولار كعمولات “غير مشروعة” عبر شركة “فوري” مرتبطة ببيع سندات الخزينة، ضمن مخطط أوسع يقدر بـ 330 مليون دولار.

منصة صيرفة: ولدت المنصة أرباح مراجحة إجمالية قدرت بـ 3.23 مليار دولار بين عامي 2021 و2023. ذهب نحو 2.56 مليار دولار منها (نحو 80%) للمصارف والشركات الكبرى، بينما حصل موظفو القطاع العام على نحو 666 مليون دولار كدعم مقنع للرواتب.

الاستنتاجات التحليلية

إن الفجوة المالية ليست “خسارة” بقدر ما هي “انتقال للثروة”؛ حيث سُيِّلَت أصول المودعين لتنظيف ميزانيات الدولة، الشركات الكبرى والمقترضين الأفراد. إن أي خطة تعافٍ لا تبدأ بمحاسبة المستفيدين من الهندسات المالية وعمليات المراجحة، أو بفرض ضرائب استثنائية على من سددوا قروضًا كبرى بأسعار بخسة، ستكون بمثابة تشريع لأكبر عملية سطو مالي في التاريخ الحديث.

ملحق: المنهجية العلمية والمصادراعتمد التحليل الوارد أعلاه على منهجية تحليل تدفقات الأموال (Flow of Funds Analysis)، إلى جانب المقارنة المنهجية بين القيم الاسمية والقيم الحقيقية (Nominal vs. Real Values) للأصول والالتزامات المالية دَاخِلَ النظام المصرفي اللبناني، بما يسمح بتحديد التحولات الفعلية في توزيع الخسائر والمكاسب.

تحديد حجم الفجوة المالية:

استند التقرير إلى الرقم التوافقي البالغ نحو 80 مليار دولار أميركي، كما ورد في تقارير كلٍّ من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي للأعوام 2023 و2024، إضافة إلى نتائج التدقيق الجنائي لشركة ألفاريز ومارسال، بوصفه تقديرًا مرجعيًا لحجم الفجوة التراكمية في القطاع المالي.

تحليل القروض المصرفية:

اعتمد التحليل على البيانات الصادرة عن جمعية مصارف لبنان ومصرف لبنان (BDL)، والتي وثّقت انكماش محفظة قروض القطاع الخاص من نحو 54 مليار دولار إلى ما يقارب 9.5 مليارات دولار. ويكشف هذا التراجع الحاد عن حجم “التحويل الضمني” الذي استفاد منه المقترضون نتيجة تسديد الالتزامات بقيم حقيقية متدنية.

أرباح منصة صيرفة:

استُنِدَ إلى تقارير بلوم إنفست بنك والبنك الدولي لتقدير أرباح المراجحة (Arbitrage Profits) الناتجة عن آلية عمل منصة صيرفة وتحليل كيفية توزيع هذه الأرباح بين القطاع العام من جهة وبعض الشركات الخاصة والفاعلين الماليين من جهة أخرى.

تمويل الدولة:

قُدّرت استفادة الدولة من خلال مراجعة مسار تآكل الاحتياطيات الإلزامية التي استُخدِمَت في تمويل دعم السلع الأساسية وسلف مؤسسة كهرباء لبنان، فضلًا عن أثر تذويب الدين العام المحلي المقوّم بالليرة اللبنانية نتيجة الانهيار النقدي والتضخم المرتفع.