يولا هاشم/ المركزية – من المؤكد ان العلاقة بين الرئيسين الاميركي دونالد ترامب والفرنسي ايمانويل ماكرون ليست في أحسن أحوالها. فقد تصاعدت حدّة الخلافات بينهما بعد رفض فرنسا الانضمام الى مجلس ترامب للسلام بشأن غزة، وإعراب ماكرون عن رفضه لسيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند واعتراضه على رغبتها في دفع أوكرانيا للاستسلام. وما زاد الطين بلة، نشر ترامب على منصة “تروث سوشيال” صوراً لمقتطفات من رسائل بعثها له ماكرون، في خطوة اعتبرت خرقا غير معتاد للأعراف الدبلوماسية.
ولم يكتف ترامب بذلك، بل سخر أيضًا من ارتداء الرئيس الفرنسي لنظارات الطيارين الشمسية التي كان يضعها على عينيه خلال خطابه في دافوس.
وقُبيل توجّهه للمشاركة في منتدى دافوس، أعلن ترامب أنّه سيفرض رسوما جمركية 200 بالمئة على الواردات الفرنسية من النبيذ والشمبانيا، في خطوة وصفها بأنها ستدفع ماكرون إلى الانضمام إلى مبادرة “مجلس السلام”. وعندما سأله صحافي عن تعليق ماكرون بأنّه لن ينضم إلى المجلس، رد ترامب قائلاً: “هل قال ذلك؟ حسنا، لا أحد يريده لأنه سيغادر منصبه قريباً جدّاً”. من جهته، اكتفى ماكرون بالقول إن “أوروبا لن تخضع للمتنمرين”.
توتر يرقى الى مستوى الخلاف، فإلى أين يمكن أن يؤدي وما هي تداعياته؟
السفير السابق في واشنطن رياض طبارة يقول لـ”المركزية”: “ترامب يسعى لأن يكون حاكم العالم والقائد الاول لاوروبا. بدأت المواجهة بينه وبين الاوروبيين اولا في اوكرانيا، حيث يعتبر الاوروبيون أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أذا انتصر في حربه على اوكرانيا، لن يتمكنوا من لجمه بعد ذلك. ترامب ساير بوتين وطلب من الاوروبيين التنازل عن الاراضي لصالحه، وهذا ما عكر العلاقات بين واشنطن واوروبا وخاصة فرنسا”.
ويضيف: “ثانيا، روح العظمة لدى ترامب جعلته يُنصِّب نفسه ملكا على اوروبا ويعامل الاوروبيين بنوع من الاحتكار والتعالي، الى ان وصل الامر الى “مجلس السلام” الذي يريد ان يجمع فيه كل الدول الاوروبية ويكون هو رئيسه وله الكلمة النهائية، في حين ان الاوروبيين يعتبرون ان هذه خطوة اولى لاستبدال الامم المتحدة بمؤسسة تحلّ محلّها. ولذلك اول الضغوط التي وضعها الاوروبيون على ترامب في أول تصريح أن “كل ما سنفعله سيكون بتنسيق مع الامم المتحدة”.
ويشدد طبارة على ان “ترامب منزعج من الامم المتحدة لأن لبعض الدول حق الفيتو فيها، كالصين وروسيا اللتين تعارضان قراراته، وهذا من شأنه أن يقيّد طموحاته، فقرر إنشاء مؤسسة له وحده حق الفيتو فيها، وهذا ما يثير ريبة الاوروبيين، ورأس الحربة في هذه المواجهة هو ماكرون، ما يوتر العلاقة بين واشنطن وباريس”، مؤكداً ان ” المؤسسة الجديدة ستؤدي الى مشكلة أكبر إذ لن يقبل الاوروبيون أن تكون بديلا للامم المتحدة، ولن يقبلوا خاصة بإعطاء حق الفيتو للولايات المتحدة فقط. هذه العقدة الاساسية التي تخلق مواجهة بين اوروبا وواشنطن، لأن ترامب عندما يؤسس مجلس السلام، يصبح هو الخصم والحكم”.
ويشير طبارة الى ان “النظام العالمي الذي أنشئ بعد الحرب العالمية الثانية خلقه الغرب اي المنتصرون في الحرب آنذاك، قاموا حينها بوضع شرعة حقوق الانسان وأسسو محكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، وغيرها من المنظمات التي لم تنضم إليها الولايات المتحدة الاميركية إلا أنها تضع عليها عقوبات في حال لم يعجبها القرار الصادر عنها، كمثل قرار توقيف رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو مثلا. كما انسحب ترامب من 66 منظمة دولية منها اليونيسكو. في حال تفكيك هذه المؤسسات الدولية ما البديل؟ ما النظام الجديد الذي سيحل محلها؟ هو “مجلس السلام” الذي يخلقه ترامب ويكون هو الحاكم بأمره، ويضع الاوروبيين والعالم كله خارجا، ويتخذ بنفسه القرارات السياسية والدولية المهمة. وهذا الامر يخالف نظام الضوابط والتوازنات التي تقوم على أساسها الامم المتحدة. وهذا ما يدفع الاوروبيين للارتماء في أحضان الصين، وبالتالي نحن أمام ضياع على المستوى العالمي ،على مستوى العلاقات الدولية”.
ويؤكد طبارة ان “الاوروبيين والاميركيين يختلفون على كل شيء، ترامب يريد تحييد اوروبا بشكل مستدام، حتى ان الخلاف بين الرئيسين الاميركي والفرنسي وصل الى لبنان عبر لجنة “الميكانيزم” حيث ان ترامب يأخذ قرارات خارج “الميكانيزم” ويُحكى اليوم عن نية باستبداله بميكانيزم جديد “أميركيا”، تكون فيه لترامب الكلمة الفصل، لأن الفرنسيين هم من أنشأوا الميكانيزم الحالي، وهو الامر الوحيد الذي اعطي لفرنسا في لبنان. وهذا ايضا يخلق توترا بين الولايات المتحدة وفرنسا. باختصار، ترامب يريد ان ينتزع القرار من يد المنظومة التي خُلِقت بعد الحرب العالمية الثانية ويستبدلها بمنظومة جديدة على رأسها “مجلس السلام”. انتهى عهد الشرق الاوسط الجديد ونتحدث عن نظام عالمي جديد”





