تفكيك عقيدة “الواقعية التجارية” والمركنتيلية المحدثة في خطاب أول أبريل 2026 للرئيس ترامب

مسام

يمثل خطاب الرئيس الأمريكي في الأول من أبريل 2026، والذي ألقاه من البيت الأبيض بعد مرور ثلاثة وثلاثين يوماً على انطلاق عملية “الغضب الملحمي” (Operation Epic Fury)، وثيقة تاريخية لا تقتصر أهميتها على البعد العسكري الصرف، بل تمتد لتعلن عن تحول جذري في بنية النظام الدولي والاقتصاد السياسي العالمي. إن هذا الخطاب، الذي جاء في أعقاب حملة عسكرية مشتركة مع إسرائيل استهدفت تفكيك القدرات الاستراتيجية الإيرانية، كشف عن تبني واشنطن لعقيدة “الواقعية التجارية” (Commercial Realism) والمركنتيلية المحدثة (Neo-mercantilism) كبديل نهائي لليبرالية الدولية التي سادت لعقود. في هذا التقرير، يتم تحليل هذا التحول من منظور بنيوي يركز على إعادة تعريف الأمن البحري كخدمة مدفوعة الثمن، وتوظيف سلاح الطاقة الأمريكي كأداة للهيمنة السوقية، مع تقييم الانعكاسات الجيوسياسية لهذا المسار على موازين القوى الإقليمية والدولية.

الفلسفة السياسية للخطاب: الانتقال من المشاع العالمي إلى العقود التبادلية

في جوهر خطاب أبريل 2026، نجد رفضاً قاطعاً للدور التقليدي للولايات المتحدة كضامن للمنافع العامة العالمية (Global Public Goods). الرئيس الأمريكي، ومن خلال إعلانه عن تدمير البحرية الإيرانية وإعادة الخصم إلى “العصور الحجرية”، لم يكن يتحدث بلغة الردع التقليدي فحسب، بل كان يمهد الطريق لنموذج جديد من الهيمنة يقوم على “المركنتيلية المحدثة”. هذه الفلسفة ترى أن القوة العسكرية يجب أن تُترجم مباشرة إلى مكاسب اقتصادية ملموسة، وأن الاستقرار العالمي ليس هدفاً بحد ذاته ما لم يكن “مجزياً اقتصادياً” للداخل الأمريكي.

تعتمد المركنتيلية المحدثة في سياق 2026 على فكرة أن الثروة والقوة وجهان لعملة واحدة، حيث يتم استخدام الأدوات الاقتصادية (مثل العقوبات، التعريفات، والتحكم في سلاسل التوريد) لتحقيق غايات أمنية، وبالعكس. هذا التوجه يمثل “محصلة صفرية” (Zero-Sum Game)، حيث يُنظر إلى نمو المنافسين (خاصة الصين) على أنه تهديد وجودي يتطلب تقويض أمنهم الطاقوي والبحري لتعزيز الموقف الأمريكي.

عملية “الغضب الملحمي”: الأهداف العسكرية بمنطق “تطهير السوق” الجيوسياسي

أوضح الرئيس في خطابه أن أهداف عملية “الغضب الملحمي” كانت “بسيطة وواضحة”: التدمير الكامل للقدرة على تهديد أمريكا أو إسقاط القوة خارج الحدود. ومن منظور الاقتصاد السياسي، يمكن قراءة هذه الأهداف كعملية “تطهير للسوق” الجيوسياسي من فاعل إقليمي كان يشكل عائقاً أمام تدفق المصالح الأمريكية المباشرة.

إن السعي للقضاء على البحرية الإيرانية بشكل “مطلق” واستهداف القاعدة الصناعية الدفاعية ومنظومات الصواريخ لم يكن يهدف فقط إلى تحييد التهديد العسكري، بل إلى إزاحة منافس كان يمتلك القدرة على فرض رسوم “جيوسياسية” عبر تهديد مضيق هرمز. من خلال تدمير هذه القدرات، تستعيد واشنطن الاحتكار الكامل لـ “حق الحماية” في المنطقة، مما يسمح لها بفرض شروطها المالية على كافة الأطراف المستفيدة من عبور الممرات المائية.

تجلت “الواقعية التجارية” أيضاً في الجانب التكتيكي للعملية؛ حيث تحول الجيش الأمريكي من الاعتماد على الأسلحة الباليستية عالية التكلفة إلى استخدام الذخائر الدقيقة منخفضة التكلفة (JDAMs) بمجرد تحييد الدفاعات الجوية، وذلك لضمان “كفاءة التكاليف” في حرب استنزاف اقتصادية تهدف إلى محو البنية التحتية للخصم دون استنزاف الخزانة الأمريكية.

تسليع الأمن البحري: “الأمن كخدمة” (SECaaS) في مضيق هرمز

يعد تحول الأمن البحري إلى “خدمة مدفوعة الثمن” الركيزة الأكثر إثارة للجدل في عقيدة 2026. يشير تحليل الخطاب والتقارير المرتبطة به إلى أن واشنطن لم تعد تقبل بتحمل تكاليف حماية تدفقات الطاقة التي يستفيد منها منافسوها (مثل الصين) أو حلفاؤها “المتفرجون” (مثل أوروبا واليابان) دون مقابل مادي مباشر. ( SECaaS هو استعارة من نموذج اشتراك لتوفير خدمات الأمن السيبراني عبر السحابة، وتتفاوت رسومه بشكل كبير حسب نوع الخدمة والمزود)

ميكانيكا نموذج “الأمن كخدمة

يعتمد هذا النموذج على تحويل الوجود العسكري الأمريكي في نقاط الخناق (Chokepoints) إلى آلية لتحصيل العوائد. تشير الدراسات المقترحة في أروقة السياسة الأمريكية لعام 2026 إلى فرض “رسوم حماية” (Security Surcharge) على السفن التجارية والناقلات العابرة للمناطق التي تؤمنها البحرية الأمريكية.

هذا النموذج لا يهدف فقط إلى تغطية تكاليف العمليات العسكرية التي 40بلغت مليار دولار في الأسابيع الأولى، بل يهدف إلى خلق نظام دولي يعتمد فيه الاستقرار على القدرة على الدفع، مما يعزز من هيمنة الدولار الأمريكي ويجعل من القوة العسكرية “أصلاً مدراً للدخل”.

سلاح الطاقة الأمريكي: إعادة هندسة الحصص السوقية عبر الأزمات

في خطاب أبريل 2026، برز توظيف الطاقة كأداة قسرية بوضوح غير مسبوق. فبينما إيران تستخدم “ابتزاز الطاقة” عبر تهديد هرمز، استخدمت الولايات المتحدة “سيادة الطاقة” (Energy Dominance) لتعزيز حصصها السوقية. الثورة الصخرية حولت أمريكا إلى أكبر منتج ومصدر للغاز المسال (LNG)، مما منحها حصانة من انقطاع إمدادات الخليج، بل وجعل من هذا الانقطاع فرصة تجارية كبرى.

استراتيجية التوظيف المزدوج للطاقة

  1. استبدال الموردين المعاديين: من خلال عملية “الغضب الملحمي” وما تبعها من شلل في الصادرات الخليجية، تم إزاحة جزء كبير من المعروض العالمي، مما سمح للشركات الأمريكية بملء الفراغ بأسعار مرتفعة.
  2. تعميق التبعية الأوروبية: مع توقف تدفقات الغاز من الخليج (خاصة قطر) نتيجة إغلاق المضيق، وجد الاتحاد الأوروبي نفسه أمام مورد وحيد “موثوق” وهو الولايات المتحدة. هذا الوضع تم استغلاله في الخطاب للضغط على أوروبا لتفكيك حواجزها التجارية ضد شركات التكنولوجيا الأمريكية تحت طائلة “أمن الطاقة”.
  3. الاستهداف الجيو-اقتصادي للصين: تعتمد الصين على مضيق هرمز لاستيراد جزء حيوي من احتياجاتها النفطية. إن استمرار التوتر أو فرض رسوم “SECaaS” يرفع تكلفة المدخلات الصناعية الصينية، مما يمنح الصناعات الأمريكية ميزة تنافسية مفتقدة في الأسواق العالمية.

“كورولاري ترامب” و”الواقعية المذهبية”: إطار معاصر للمركنتيلية

يمثل “مبدأ كورولاري ترامب” (Trump Corollary) الذي تم تضمينه في استراتيجية الأمن القومي 2025 والخطاب الرئاسي في 2026، الصيغة المعاصرة للمركنتيلية. هذا المبدأ، الذي وُصف بـ “الواقعية المذهبية” (Doctrinal Realism)، يقوم على فرض سيادة أمريكية مطلقة في مناطق النفوذ الحيوي (نصفي الكرة الأرضية) مع تبني سياسة “التدخل السريع والمربح” في الخارج.

تتسم هذه المركنتيلية المحدثة بأنها:

  1. خفيفة البصمة وعميقة الأثر: التركيز على العمليات الخاصة والضربات الجوية (مثل “الغضب الملحمي”) بدلاً من غزو واحتلال الدول، لتجنب تكاليف “بناء الأمم”.
  2. عقودية (Contractual): العلاقة مع الحلفاء (مثل الناتو أو دول الخليج) تُعامل كعقد تجاري مفتوح لإعادة التقييم بناءً على مدى مساهمة الطرف الآخر في الأعباء المالية والأهداف الاقتصادية الأمريكية.
  3. تكنو-مركنتيلية: دمج القوة العسكرية بالسيطرة على التكنولوجيا والبيانات، حيث يُنظر إلى القوانين الرقمية الأوروبية كـ “تدخل في نماذج الأعمال الأمريكية” يتطلب رداً استراتيجياً.

الانعكاسات الجيوسياسية الخارجية وموازين القوى الإقليمية

بعيداً عن الشأن الإيراني الداخلي، أحدثت عملية “الغضب الملحمي” زلزالاً في موازين القوى الإقليمية، حيث أعادت رسم خارطة التحالفات بناءً على “الحسابات الباردة” للمصالح.

الهند و”ميزان التاجر” كنموذج

برزت الهند كفاعل إقليمي محنك يرفض الانخراط في المحاور الأيديولوجية. تبنت نيودلهي ما سُمي بـ “ميزان التاجر” (Merchant’s Scale)، حيث تفاوضت على “ممر أخضر” مع كافة الأطراف لضمان تدفقات الطاقة الخاصة بها بعيداً عن الصراع العسكري الأمريكي-الإيراني. الهند أدركت أن “عملة الأمن الأمريكية” أصبحت “معدناً رخيصاً”، فاستخدمت الدفع بالعملات المحلية والحياد الاستراتيجي لتأمين مصالحها، مما جعلها نموذجاً للدول الساعية للاستقلال عن المركنتيلية الأمريكية الصفرية.

ممرات التجارة والبدائل الإقليمية

أدى الصراع إلى تسريع وتيرة البحث عن ممرات بديلة لمضيق هرمز. برز “الممر العمودي” (Vertical Corridor) اليوناني بدعم أمريكي كبديل لنقل الغاز إلى شرق أوروبا، في حين سعت دول الخليج (مثل الإمارات والسعودية) لتعزيز شراكاتها “خارج الإطار الغربي” عبر اتفاقيات CEPA مع الهند وتطوير ممرات برية عبر آسيا الوسطى لتجاوز مخاطر الاختناقات البحرية.

أوروبا: التابع القلق

وجدت أوروبا نفسها في وضع “الطرف المقابل” (Counterparty) في الحسابات الأمريكية. خطاب 2026 أوضح أن المظلة الأمنية الأمريكية لأوروبا لم تعد مجانية، وأن على بروكسل القبول بالهيمنة الطاقوية والتكنولوجية الأمريكية مقابل استمرار الحماية ضد روسيا. هذا الوضع دفع القادة الأوروبيين للحديث عن “الاستقلال الاستراتيجي”، لكنهم في الواقع يظلون مقيدين بالحاجة الماسة للغاز المسال الأمريكي والدعم العسكري في ظل تآكل قاعدتهم الصناعية الدفاعية.

تقييم النظرية المركنتيلية كإطار معاصر

تثبت أحداث 2026 أن المركنتيلية ليست نظرية “عفا عليها الزمن”، بل هي الإطار الأكثر قدرة على تفسير سلوك القوى العظمى في عصر الندرة والمنافسة التكنولوجية. المركنتيلية المحدثة توفر للدولة أدوات للتعامل مع “عولمة السلاح” (Weaponized Globalization)، حيث يتم تحويل التداخل الاقتصادي من وسيلة للسلام إلى آلية للإكراه.

ومع ذلك، فإن هذا الإطار يحمل مخاطر بنيوية:

  1. عدم الاستقرار طويل الأمد: إن تحويل الأمن إلى “خدمة مدفوعة” قد يدفع الدول للبحث عن حماة بديلين أو بناء قدرات عسكرية نووية مستقلة، مما يقوض الهيمنة الأمريكية على المدى الطويل.
  2. تكاليف الحماية: بينما تجني الشركات الأمريكية أرباحاً، يتحمل المستهلك العالمي (بما في ذلك المواطن الأمريكي) تكاليف تضخمية ناتجة عن “الرسوم الأمنية” واضطراب سلاسل التوريد.
  3. تآكل الشرعية: من خلال تهميش المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة لصالح كيانات ومعايير ، تفقد واشنطن “القوة الناعمة” التي كانت تمنح هيمنتها طابعاً قانونياً وأخلاقياً.

الخاتمة: بزوغ فجر “نظام الصفقات” العالمي

إن خطاب الرئيس الأمريكي في أبريل 2026 يمثل إعلان النهاية الرسمية لعصر “Pax Americana” كما عرفناه، وبداية عصر “المركنتيلية المتعاقدة”. عملية “الغضب الملحمي” لم تكن مجرد رد عسكري، بل كانت تدشيناً لنموذج جيوسياسي جديد تدار فيه البحار والممرات والموارد كحقوق ملكية خاصة، ويُقاس فيه النجاح بقوة “دفتر الأستاذ” وليس بعدالة القواعد الدولية.

في هذا العالم الجديد، يصبح الأمن سلعة، والطاقة سلاحاً، والتحالفات عقوداً تجارية قصيرة الأجل. إن موازين القوى في الشرق الأوسط وما وراءه ستعتمد من الآن فصاعداً على مدى قدرة الدول على التكيف مع هذه “الواقعية التجارية” الشرسة، حيث لا مكان للمنافع العامة، وحيث تُباع الحماية لمن يدفع، وتُفرض الهيمنة عبر التحكم في “مفاتيح” الاستهلاك والإنتاج العالمي. إن عام 2026 هو العام الذي تعلم فيه العالم أن الاستقرار له ثمن، وأن الولايات المتحدة هي الجهة المرجع التي تمتلك قائمة الأسعار.