تحليل سلوكي ومقارنة منهجية بين عباس عراقجي وستيف ويتكوف: صراع المدارس التفاوضية في الجيوسياسة المعاصرة

الملف الإستراتيجي

تمثل العلاقة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية في الحقبة الراهنة مختبراً فريداً لدراسات السلوك التفاوضي وعلم النفس السياسي. وفي قلب هذا المختبر، يبرز سيدي عباس عراقجي وستيف ويتكوف كشخصيتين محوريتين لا تمثلان دولتين فحسب، بل مدرستين متنافرين تماماً في كيفية إدراك القوة، وإدارة الأزمات، وصياغة الصفقات. إن تحليل هاتين الشخصيتين يتطلب غوصاً في جذورهما الاجتماعية، وتكوينهما الأكاديمي، ومساراتهما المهنية التي شكلت لديهما مفاهيم متباينة حول “النجاح” و”التنازل”. فبينما يمثل عراقجي مدرسة “البازار” التقليدية الممزوجة بالأيديولوجية الثورية والدقة الأكاديمية، يمثل ويتكوف مدرسة “مانهاتن” للعقارات القائمة على الحسم السريع، والولاء الشخصي، والمنطق المعاملاتي البحت.

الخلفية الشخصية والمهنية: تكوين الفرد في بيئات متناقضة
بدأ عباس عراقجي مسيرته من قلب المؤسسة الثورية الإيرانية، حيث ولد في عام 1962 بطهران لعائلة تقليدية من التجار، تعود جذورها إلى مدينة أصفهان التاريخية المعروفة ببراعة تجارها ودقتهم. نشأ عراقجي في بيئة تجارية حيث كان جده تاجراً مشهوراً للسجاد، وهو ما منحه وعياً مبكراً بآليات “المساومة” و”الصبر” التي يتطلبها السوق. ومع وقوع الثورة الإسلامية عام 1979، انخرط عراقجي وهو في سن المراهقة في الحرس الثوري الإيراني (IRGC)، وخدم لمدة عشر سنوات تقريباً، شارك خلالها في الخطوط الأمامية للحرب الإيرانية العراقية. هذه التجربة القتالية لم تكن مجرد خدمة عسكرية، بل كانت عملية صياغة لرؤيته الكونية القائمة على مفاهيم “الصمود” و”السيادة” و”الشك في النوايا الخارجية”.

توازى هذا المسار الثوري مع مسار أكاديمي رفيع، حيث حصل على بكالوريوس في العلاقات الدولية من كلية وزارة الخارجية، وماجستير من جامعة آزاد الإسلامية المرتبطة بالحرس الثوري، ثم دكتوراه في الفكر السياسي من جامعة كينت في المملكة المتحدة. إن إشراف البروفيسور ديفيد مكليلان، وهو خبير في الماركسية، على أطروحته التي تناولت “تطور مفهوم المشاركة السياسية في الفكر الإسلامي” يعكس رغبة عراقجي في جسر الهوة بين المفاهيم الغربية والثوابت الإسلامية. تدرج عراقجي في السلك الدبلوماسي ليشغل مناصب حساسة كمدير لمعهد الدراسات السياسية والدولية (IPIS)، وسفير في فنلندا واليابان، ومتحدث باسم الخارجية، وصولاً إلى كونه المهندس التكنيكي للاتفاق النووي عام 2015.

على الجانب الآخر، نجد ستيف ويتكوف، المولود عام 1957 في حي البرونكس بنيويورك، والذي نشأ في بيئة رأسمالية تنافسية. والده كان يعمل في تصنيع المعاطف، ووالدته كانت مصممة ديكور داخلي، مما منحه خلفية تجمع بين الإنتاج العملي والذوق الرفيع. درس ويتكوف العلوم السياسية في جامعة هوفسترا وحصل على شهادة في القانون، وبدأ حياته المهنية كمحامي عقارات في شركات كبرى مثل “Dreyer & Traub”. كانت نقطة التحول الجوهرية في حياته هي لقاؤه بدونالد ترامب في ثمانينيات القرن الماضي، وهو اللقاء الذي تحول إلى صداقة عميقة بدأت بموقف بسيط حيث اشترى ويتكوف لترامب شطيرة عندما لم يكن لدى الأخير مال.

تحول ويتكوف من القانون إلى التطوير العقاري وأسس “مجموعة ويتكوف” في عام 1997، حيث تخصص في الاستحواذ على المباني التاريخية وإعادة تمويلها، مثل مبنى “وولورث” و”فندق بارك لين”. لم يمتلك ويتكوف أي خبرة دبلوماسية رسمية قبل تعيينه مبعوثاً للشرق الأوسط في عام 2025، بل جاء تعيينه بناءً على ثقة ترامب المطلقة في مهاراته كـ “رجل صفقات” قادر على تحقيق نتائج ملموسة تحت الضغط. ويتكوف هو نموذج “الدبلوماسي غير الدبلوماسي” الذي يطبق قواعد غرف مجلس الإدارة في مانهاتن على أعقد الملفات الدولية.

السمات الشخصية: برود الشطرنج مقابل اندفاع الصفقات
يكشف التحليل النفسي لعراقجي عن شخصية تتسم بـ “البرود الفولاذي” والقدرة الفائقة على إخفاء المشاعر. يوصف عراقجي بأنه شخصية “منخفضة النبرة” (Low-key) وتكنوقراطية بامتياز، تبتعد عن الخطاب الديني المتشنج وتفضل البدلات الرسمية ذات الياقة الصينية. السمة الأبرز فيه هي “الوجه الصامت” (Poker Face)، حيث يعتبر في كتابه “قوة التفاوض” أن قدرة الدبلوماسي على التحكم في تعبيرات وجهه هي وسيلة دفاعية وهجومية في آن واحد لمنع الخصم من استشعار أي ضعف أو تردد. عراقجي هو مفاوض تفصيلي (Detail-oriented)، يعرف دقائق دورة الوقود النووي كما يعرف القانون الدولي، مما يجعله نداً صعباً في النقاشات التقنية.

في المقابل، يتمتع ستيف ويتكوف بشخصية توصف بأنها دافئة، ودودة، وأكثر إنسانية من المألوف في دوائر ترامب. ومع ذلك، فإن هذه الوداعة ليست ضعفاً، بل هي أداة لبناء “رابط غير رسمي” مع المحاورين. ويتكوف شخصية مدفوعة بالنتائج (Results-oriented) ولا يطيق البروتوكولات البطيئة؛ فهو “رجل المشاكل” الذي يفضل “قص الزوايا” للوصول إلى الغاية. من الناحية النفسية، تأثر ويتكوف بعمق بفقدان ابنه أندرو، وهو ما جعله يمتلك “ذكاءً عاطفياً” وقدرة على التعاطف مع عائلات الرهائن والمفقودين، حيث يرى أن معاناتهم تتجاوز السياسة. لكن هذا التعاطف يقابله “ميل عدواني” عند مواجهة العقبات، حيث يستخدم لغة حادة (Salty language) ولا يحترم القيود الدينية أو الاجتماعية إذا كانت تعيق إتمام الصفقة.

يبرز الفارق الجوهري في أن عراقجي يستمد ثقته من “المؤسسة” و”النظام” و”التاريخ”، بينما يستمد ويتكوف ثقته من “الولاء الشخصي” لترامب و”ثروته الخاصة” التي تجعله يرى نفسه مستقلاً عن الضغوط التقليدية. عراقجي يرى الدبلوماسية كعملية تراكمية طويلة الأمد (شطرنج)، بينما يراها ويتكوف كحدث استعراضي أو “مصارعة” تهدف لتثبيت الخصم والحصول على تنازل فوري.

منهجية التفاوض: صدام “البازار” و”مانهاتن”
يتبع عباس عراقجي استراتيجية تفاوضية يسميها “أسلوب السوق” (Market style)، وهي مستلهمة من كيفية عمل تجار البازار الإيرانيين. تقوم هذه المنهجية على مبدأ “التكرار ثم التكرار” للمطالب بحجج وصيغ مختلفة حتى يصاب الطرف الآخر بـ “الخدر” الذهني ويضطر للتنازل. الصبر هو السلاح الاستراتيجي الأول لعراقجي؛ فهو يؤمن أن “من يمل أولاً هو الخاسر”. منهجه يعتمد على طرح مطالب سقفها مرتفع جداً، ثم تقديم تنازلات شكلية وبطيئة، مع الحفاظ دائماً على “الغموض الاستراتيجي” لتجنب الالتزامات الواضحة التي قد تقيد حركته في المستقبل. كما يبرع عراقجي في تكتيك “الشرطي الجيد والشرطي السيئ”، حيث يصور نفسه والمصلحين كجناح معتدل يحتاج لتنازلات من الغرب لتقوية موقفهم أمام المتشددين في طهران، رغم أن القرار النهائي مركزي بيد المرشد الأعلى.

أما منهجية ستيف ويتكوف، فهي قائمة على “المنطق المعاملاتي” (Transactional logic) الذي تعلمه في عقارات نيويورك. بالنسبة له، كل نزاع جيوسياسي هو “صفقة عقارية” في جوهرها؛ هناك بائع، ومشتري، وسعر، وموعد نهائي. يعتمد ويتكوف على “تكتيكات الضغط القصوى” قبل الدخول في المفاوضات، حيث يؤمن بأن الامتثال يأتي فقط نتيجة الضغط الاقتصادي أو التهديد العسكري المباشر. ويتكوف يتجاهل القنوات الدبلوماسية الرسمية لصالح اللقاءات الشخصية والاتصالات المباشرة، كما فعل مع نتنياهو عندما ضغط عليه قائلاً: “الرئيس كان صديقاً عظيماً، وحان الوقت لترد الجميل”. هو يفضل “الاتفاقات غير الرسمية” أو مذكرات التفاهم السريعة التي يمكن تسويقها كـ “فوز” إعلامي، بدلاً من المعاهدات الطويلة التي تتطلب مصادقة البرلمانات.

عراقجي يمتلك قدرة هائلة على التكيف مع التغيرات السياسية الداخلية؛ فقد خدم تحت رئاسة الإصلاحي خاتمي، والمحافظ أحمدي نجاد، والبراغماتي روحاني، ثم المتشدد رئيسي، وأخيراً بزشكيان. هذا التكيف يجعله “بيروقراطياً باقياً” يعرف كيف يحرك الملفات ضمن الخطوط الحمراء للنظام. أما ويتكوف، فتكمن قدرته على التكيف في “مرونته التجارية”؛ فهو مستعد لتغيير شروط الصفقة بالكامل إذا رأى فرصة لتحقيق اختراق، ولا يتقيد بأي سوابق دبلوماسية أو بروتوكولات تقليدية.

نقاط القوة والضعف: الميزان الجيوسياسي والسلوكي
تعد “الخبرة التكنيكية” هي نقطة القوة الكبرى لعراقجي؛ فهو يعرف الملف النووي بتفاصيله المملة، مما يمنعه من الانجرار خلف وعود سطحية. كما أن انتماءه السابق للحرس الثوري يمنحه “غطاءً ثورياً” يحميه من اتهامات “التفريط” في الداخل، وهو ما يفتقر إليه دبلوماسيون آخرون مثل جواد ظريف. عراقجي يمتلك “ذاكرة مؤسسية” عميقة تجعله قادراً على ربط الأحداث ببعضها واستخدام التاريخ كأداة للمساومة. ومع ذلك، فإن نقطة ضعفه تكمن في “التبعية المطلقة”؛ فهو في النهاية “منفذ” لسياسات المجلس الأعلى للأمن القومي، مما يعني أن هامش مناورته يضيق بشدة في اللحظات الحاسمة إذا لم يحصل على تفويض مباشر.
كما أن ميله للغموض قد يؤدي أحياناً إلى “فقدان الفرص”، حيث يرى الأمريكيون مماطلته كدليل على عدم الرغبة في التوصل لاتفاق.

أما ستيف ويتكوف، فنقطة قوته الأساسية هي “الوصول المباشر والثقة” من جانب ترامب؛ فعندما يتحدث ويتكوف، يعلم المفاوضون أنهم يسمعون صوت البيت الأبيض الحقيقي دون فلاتر. مهاراته في “إدارة الضغوط” و”قص الزوايا” تجعله فعالاً جداً في إنهاء الأزمات التي تتطلب قراراً سياسياً حاسماً بدلاً من نقاش تقني طويل. في المقابل، يمثل “الافتقار للعمق الجيوسياسي” نقطة ضعف قاتلة له؛ فهو غالباً ما يختزل الصراعات التاريخية المعقدة في “قضايا عقارية”، مما قد يؤدي لنتائج كارثية، كما حدث عندما فسر مطالب بوتين بشكل خاطئ أو عندما اقترح نقل سكان غزة بشكل دائم، وهو ما قوبل برفض إقليمي قاطع. كما أن ويتكوف قد يقع في فخ “التبسيط المخل”، حيث يميل لتصديق ما يقوله الخصوم إذا كان يبدو كجزء من صفقة رابحة، وهو ما عرضه لانتقادات بكونه “ساعي بريد” لبعض القوى الدولية.

أثرت هذه الجوانب بشكل مباشر على نتائج المفاوضات في عام 2025؛ فبينما نجح ويتكوف في تأمين وقف إطلاق النار في غزة بفضل ضغطه المباشر على نتنياهو والتركيز على “الصفقة” ، فإنه واجه حائطاً مسدوداً مع عراقجي في الملف النووي، لأن الأخير استخدم تكتيك “بيع الثلج تحت الشمس” لاستنزاف الوقت حتى تتحسن الظروف الميدانية لإيران.

التأثير الثقافي والاجتماعي: الذاكرة الإمبراطورية مقابل الحلم الأمريكي
لا يمكن فهم سلوك عراقجي التفاوضي دون العودة إلى الموروث الثقافي الإيراني الممتد لآلاف السنين. الثقافة الإيرانية هي ثقافة “عالية السياق” (High-context)، حيث لا تكمن المعاني في الكلمات المنطوقة فحسب، بل في النبرة، والمكان، والصمت، والرموز. عراقجي يجسد مفهوم “التعارف” (Taarof) في المفاوضات؛ وهو نظام معقد من الإكرام المتبادل الذي يهدف لإخفاء النوايا الحقيقية و”حفظ الوجه”. بالنسبة له، الجلوس على طاولة المفاوضات هو بحد ذاته اعتراف بالشرعية والقوة، لذا فهو يهتم بالرمزية أكثر من المحتوى في المراحل الأولى. كما أن نظرته للزمن تختلف عن الغرب؛ فهو يمثل دولة ترى نفسها “إمبراطورية قديمة” باقية بينما الإدارات الأمريكية عابرة، مما يجعله لا يتأثر بالضغوط الزمنية التي يفرضها ويتكوف.

على النقيض تماماً، يمثل ستيف ويتكوف الثقافة الأمريكية “منخفضة السياق” (Low-context)، التي تقدس المباشرة، والوضوح، والتعاقد الصريح. ويتكوف نشأ في “ثقافة مانهاتن” حيث الوقت هو أغلى عملة، والجمود هو فشل مالي. فلسفته هي “البراغماتية الكالفينية”؛ حيث النجاح المادي هو دليل على الكفاءة، وحيث العمل الجاد والنتائج الملموسة هي المعايير الوحيدة للتقييم. ويتكوف لا يرى قيمة في “التاريخ” أو “المظالم الماضية” بقدر ما يرى قيمة في “المستقبل” و”الفرص الاستثمارية”؛ لذا فهو يحاول إغراء الإيرانيين بوعود الاستثمار الاقتصادي والنهضة العمرانية كبديل عن البرنامج النووي، وهو منطق قد لا يلقى صدى لدى عراقجي الذي يرى أن “السيادة” و”الكرامة” لا تشترى بالمال.

تظهر الفوارق الثقافية أيضاً في “إيماءات الجسد”؛ فبينما يرى ويتكوف أن التواصل البصري المباشر هو دليل على الصدق، قد يراه الإيرانيون التقليديون نوعاً من العدوانية. كما أن “شطيرة الهام” التي كانت أساس صداقة ويتكوف وترامب تمثل رمزية ثقافية بعيدة كل البعد عن العالم الغذائي والقيمي لعراقجي المحافظ.

الجولات التفاوضية 2025-2026: التطبيق العملي لصراع الشخصيات
بدأت المواجهة المباشرة بين عراقجي وويتكوف في جولة “مسقط” في 12 أبريل 2025. قاد ويتكوف الجانب الأمريكي بروح “إغلاق الصفقة سريعاً”، بينما قاد عراقجي الجانب الإيراني بروح “تثبيت المواقف”. في هذه الجولة، حاول عراقجي استخدام “الغموض” الإيراني التقليدي عبر طرح خطوات لتهدئة التوتر الإقليمي (تجميد أنشطة الميليشيات) مقابل رفع العقوبات، لكنه رفض أي التزام نهائي بشأن تخصيب اليورانيوم. ويتكوف، من جانبه، تمسك بـ “الخطوط الحمراء” لترامب، مهدداً بـ “الجحيم” إذا لم يتم التوصل لاتفاق قبل التنصيب.

بعد “حرب الـ 12 يوماً” في يونيو 2025، التي شهدت ضربات أمريكية-إسرائيلية للمنشآت النووية الإيرانية (عملية Midnight Hammer)، تغيرت ديناميكية السلوك. عراقجي، في جولة “جنيف” في فبراير 2026، وجد نفسه في موقف أضعف ميدانياً ولكنه أظهر “صموداً سلوكياً” مثيراً للإعجاب. استخدم عراقجي استراتيجية “الدفاع عن السيادة التقنية”، معتبراً أجهزة الطرد المركزي (IR-6 و IR-8) “ملكية فكرية سيادية” لا يمكن تفكيكها. ويتكوف، مدعوماً بوجود القوة العسكرية (Brad Cooper)، حاول ممارسة “دبلوماسية القوارب المدفعية”، لكن عراقجي رد بمناورات بحرية في مضيق هرمز، مما حول طاولة المفاوضات إلى ساحة “ردع نفسي” متبادل.

تحليل معمق لكتاب عراقجي “قوة التفاوض” مقابل فلسفة ويتكوف
يقدم كتاب عباس عراقجي “The Power of Negotiation” (2024) مفاتيح هامة لفهم سلوكه. هو لا يرى التفاوض كعملية لـ “الفوز” بالمعنى الأمريكي، بل كعملية لـ “الفهم المتبادل” و”إدارة العداء”. عراقجي يشدد على ضرورة “الاستقامة” (Steadfastness) ويرى أن “الانسحاب من التفاوض” هو بحد ذاته أداة تفاوضية إذا كان ميزان القوى غير متكافئ. هو يؤمن بمبدأ “Ice Selling under the Sun”؛ أي أن الوقت قد يذيب أوراقك التفاوضية إذا لم تكن سريعاً في لحظات معينة، وهي اللحظات التي يسميها “أبواب المصعد” التي تفتح وتغلق بسرعة.

في المقابل، رغم أن ويتكوف لم يؤلف كتاباً، إلا أن أفعاله تعكس نسخة مطورة من “Art of the Deal” لترامب. فلسفته هي “المصداقية تساوي القدرة القسرية”؛ هو لا يؤمن بجدوى النقاش المنطقي مع نظام ثوري ما لم يكن السيف مسلطاً على رقبته. ويتكوف يركز على “الإغراءات الشخصية والمالية”، معتقداً أن كل مفاوض لديه “ثمن”. هذا التباين جعل عراقجي يصف مطالب ويتكوف بأنها “إملاءات” وليست “مفاوضات”، بينما يصف ويتكوف عراقجي بأنه “مماطل محترف” يغرق الشيطان في التفاصيل.

سيظل عراقجي وويتكوف يمثلان قطبين في عالم التفاوض؛ أحدهما يبني قلاعه بالصبر والغموض، والآخر يهدم الجدران بالحسم والمال. ومستقبل الصراع في الشرق الأوسط سيعتمد على من سيستطيع “جر الآخر إلى ملعبه”: هل سيغرق عراقجي ويتكوف في “متاهة البازار”، أم سيجبر ويتكوف عراقجي على توقيع “عقد مانهاتن” تحت تهديد الإخلاء العسكري؟ إن الإجابة تكمن في المسافة بين “قوة التفاوض” و”فن الصفقة”.

تحليل السمات النفسية والسلوكية: العمق والتباين
عند الغوص في الطبقات الأعمق لشخصيتي عراقجي وويتكوف، نجد أن كل منهما طور “آليات دفاعية” وهجومية تتسق مع تاريخه الشخصي. عراقجي، الذي فقد والده في سن السابعة عشرة ، اضطر لتحمل المسؤولية مبكراً في بيئة مضطربة (الثورة والحرب)، مما ولد لديه سمة “الحذر الوجودي”. هذا الحذر يترجم في المفاوضات إلى رفض قاطع للثقة بأي وعود شفهية والإصرار على “الضمانات الملزمة”. هو يرى أن العالم مكان معادٍ بطبيعته، وأن “الدبلوماسية هي مجرد ساحة معركة أخرى” حيث لا يرحم الضعفاء.

أما ويتكوف، فقد صقلته بيئة “العقارات في المناطق الخطرة” في نيويورك، حيث كان يحمل أحياناً سلاحاً في كاحله أثناء زيارة مبانيه في السبعينيات والثمانينيات. هذا النوع من “الخشونة الحضرية” منحه قدرة على التعامل مع “الأشرار” (Villains) دون خوف، ولكنه أيضاً جعل رؤيته للعلاقات “نفعية” (Utilitarian)؛ الصديق هو من يساعدك على إتمام الصفقة، والعدو هو من يعطلك. ويتكوف لا يرى في المفاوضات عملية “فكرية” أو “أيديولوجية”، بل يراها عملية “حركية” تعتمد على الحدس (Gut instinct) والقدرة على قراءة الشخص المقابل جسدياً.

إن التشابه الوحيد الجوهري بينهما هو “الولاء المطلق للقيادة”؛ فكلاهما لا يملك أجندة شخصية مستقلة، بل هما “ظلال” لرؤسائهم. عراقجي هو “المنفذ” المخلص لسياسة خامنئي، وويتكوف هو “المريد” الوفي لترامب. هذا الولاء يجعل المفاوضات بينهما “مباراة بالوكالة” بين رؤيتين متصادمتين للعالم.

التأثير الثقافي والاجتماعي: صراع القيم والمفاهيم
تؤثر الخلفية الاجتماعية لعراقجي كابن لـ “عائلة بازارية” على كيفية إدراكه للقيمة والتبادل. في البازار، لا توجد “سعر نهائي”؛ كل شيء قابل للتفاوض، والعلاقة طويلة الأمد مع التاجر الآخر أهم من الربح السريع في صفقة واحدة. هذا ينعكس في دبلوماسيته التي تسعى دائماً لترك “خطوط عودة” مفتوحة وعدم قطع شعرة معاوية مع أي طرف، بما في ذلك روسيا والصين والاتحاد الأوروبي. عراقجي يمارس “دبلوماسية السجاد”؛ حيث يتم نسج الاتفاق غرزة بغرزة، بصبر وأناة، لإنتاج لوحة معقدة تدوم طويلاً.

في المقابل، يمثل ويتكوف ثقافة “ناطحات السحاب”؛ حيث يتم بناء كل شيء بسرعة، وحيث يتم هدم القديم لبناء الجديد. ويتكوف يفتقر إلى “الحساسية الثقافية” تجاه مفاهيم مثل “المظلومية التاريخية” أو “الاستعمار” التي تشكل الهوية الإيرانية. هو يرى أن إصرار إيران على “حق التخصيب” هو مجرد “مطالبة سعرية مرتفعة” يمكن حلها بعرض مالي مغرٍ. هذا الصدام الثقافي يظهر بوضوح عندما يتحدث ويتكوف عن “تطهير غزة وجعلها قابلة للسكن” كخطة تطوير عقاري، متجاهلاً الأبعاد القومية والدينية التي يراها عراقجي جوهرية في أي صراع.

القوة والضعف في الأساليب التواصلية
يستخدم عراقجي اللغة كـ “ستار دخاني”؛ فهو يتقن اللغة الإنجليزية ولكنه يصر أحياناً على المترجمين لإعطاء نفسه وقتاً إضافياً للتفكير قبل الرد، ولضمان عدم حدوث أي انزلاق لفظي. تواصله يتسم بـ “الدقة القانونية” (Legal precision)، حيث يختار مفرداته بعناية لتكون قابلة لعدة تفسيرات، مما يمنح طهران مساحة للمناورة لاحقاً. ضعف عراقجي التواصلي يكمن في “الجفاف”؛ فهو يفتقر إلى القدرة على “جذب” الجماهير أو المحاورين عاطفياً، وغالباً ما تبدو حججه “آلية” ومكررة.

أما ويتكوف، فتواصله “انفجاري” ومباشر. هو لا يستخدم “لغة دبلوماسية” بل يستخدم “لغة الشارع” أو “لغة الصفقات”. قوته التواصلية تكمن في “الصدق الظاهري”؛ فهو يخبرك بما يريده ترامب بالضبط دون مواربة، مما يزيل الغموض. لكن ضعفه يكمن في “الافتقار للفلتر”؛ فكلماته “المالحة” وخرقه للبروتوكولات (مثل إزعاج نتنياهو في السبت) قد تولد “استياءً دفيناً” لدى المفاوضين التقليديين الذين يقدرون الاحترام المتبادل والمراسم، وهو ما قد يستغله عراقجي لتصوير الأمريكيين كـ “متبجحين” و”غير محترمين” للثقافات الأخرى.

نتائج المفاوضات 2025-2026: دروس في السلوك تحت النار
أظهرت مواجهات جنيف في فبراير 2026 أن “استراتيجية الضغط” لويتكوف قد تحقق “تلييناً” في المواقف الإيرانية بشأن حجم المخزون النووي، ولكنها تفشل في كسر “الإرادة السيادية”. عراقجي، ببراعته في “إدارة الضرر”، استطاع تحويل الضربات العسكرية إلى “ورقة مظلومية” لانتزاع تنازلات اقتصادية أكبر، معتبراً أن “التفاوض تحت التهديد” هو خيار إيراني وليس استسلاماً.

من الناحية العملية، فإن “الwitkoff plan” (خطة ويتكوف) التي نجحت في غزة عبر الضغط على الأطراف لـ “رد الجميل” لترامب، تعثرت أمام عراقجي لأن الأخير لا يعترف بمنطق “الجميل” أو “الصداقة” في العلاقات الدولية، بل يعترف فقط بـ “توازن القوى”.
إن عباس عراقجي وستيف ويتكوف يمثلان درسين متكاملين في فن الممكن؛ أحدهما يذكرنا بأن الدبلوماسية هي “فن الصبر”، والآخر يذكرنا بأنها “فن الوصول للنتيجة”. والنجاح في العالم الحقيقي يتطلب مفاوضاً قادراً على لبس عباءة عراقجي في التخطيط، وسترة ويتكوف في التنفيذ.

استكمال التحليل السلوكي: الديناميكيات النفسية المعقدة
عند فحص “الدافعية الإنجازية” لكل من عراقجي وويتكوف، نجد تباينات جذرية في مفهوم “النصر”. بالنسبة لعراقجي، النجاح ليس هو الوصول إلى حل نهائي وشامل، بل هو “الحفاظ على المسار” دون تقديم تنازلات تمس جوهر الهوية الثورية أو السيادة الوطنية. هو يمارس ما يمكن تسميته “التفاوض من أجل التفاوض” كآلية بقاء للنظام، حيث تمنح اللقاءات الدولية شرعية داخلية وخارجية لإيران. عراقجي يعاني من “حساسية التهديد العالية” الناجمة عن سنوات الحرب، مما يجعله يفسر كل مقترح أمريكي كـ “فخ” محتمل يهدف لـ “تغيير النظام” وليس مجرد حل تقني.

أما ويتكوف، فمفهوم النصر لديه هو “إغلاق الملف” (Closing the deal). هو يرى أن أي ملف مفتوح هو خسارة تشغيلية. دافعيته نابعة من رغبته في إثبات أن “منطقه التجاري” يتفوق على “البيروقراطية الدبلوماسية” التي يحتقرها ترامب. ويتكوف لا يخشى “المخاطرة” (Risk-taking)؛ فهو مستعد للتواصل مع “أعداء لدودين” بشكل مباشر وسري إذا كان ذلك سيؤدي لنتائج. ومع ذلك، فإن اندفاعه نحو “النصر السريع” يجعله عرضة لـ “الاستغلال” من قبل مفاوض صبور مثل عراقجي، الذي قد يعطيه “انتصارات إعلامية وهمية” مقابل مكاسب استراتيجية حقيقية على الأرض.

التأثير الثقافي والاجتماعي: صراع “المقدس” و”المعاملاتي”
يمتد التأثير الثقافي على عراقجي ليشمل “البعد المذهبي”؛ فالدبلوماسية الإيرانية بعد 1979 أصبحت “دبلوماسية قائمة على الإيمان” (Faith-based diplomacy) تستخدم مفاهيم مثل “التقية” (إخفاء المعتقد للحماية) و”خدعة” (الخداع في الحرب) كأدوات مشروعة في التعامل مع “الأعداء”. عراقجي لا يرى في “الخداع التفاوضي” عيباً أخلاقياً، بل يراه “جهاداً دبلوماسياً” لحماية الأمة الإسلامية. هذا يفسر لماذا يمكنه قول “نعم” في الغرفة و”لا” في الإعلام، أو العكس، دون الشعور بتناقض داخلي.

في المقابل، ويتكوف يمثل الثقافة “التعاقدية” (Contractual culture) حيث “الكلمة هي العقد”. هو يجد صعوبة كبيرة في التعامل مع مفاهيم “التقية” أو “الغموض”، ويرى فيها دليلاً على “عدم النزاهة”. ويتكوف ينتمي لثقافة ترى أن “المصلحة المادية” هي المحرك الوحيد للبشر؛ لذا فهو يفترض أن الإيرانيين سيتنازلون عن طموحاتهم النووية إذا كان “الثمن المالي” كافياً لإطعام شعبهم وإيقاف الاحتجاجات. هذا “العمى الثقافي” يمنعه من رؤية أن البرنامج النووي بالنسبة لعراقجي هو “رمز للكرامة الوطنية” و”أداة للردع الوجودي” لا يمكن مقايضتها بمشاريع عمرانية أو ودائع بنكية.

نقاط القوة والضعف في الأساليب الإقناعية
عراقجي يستخدم “الإقناع العقلاني المفرط” (Hyper-rational persuasion)؛ هو يغرق خصمه في الأدلة القانونية والمواثيق الدولية والبيانات التقنية. نقطة قوته هي أنه “لا يمكن هزيمته في النقاش الفني”؛ فهو يعرف عن البرنامج النووي أكثر من أي مفاوض أمريكي. لكن نقطة ضعفه هي “الافتقار للجاذبية الشخصية” (Charisma gap)؛ فهو يبدو دائماً كـ “روبوت” ينفذ تعليمات، مما يمنع بناء “ثقة إنسانية” عميقة مع المحاور.

ويتكوف يستخدم “الإقناع العاطفي والترهيبي”؛ هو يبني روابط شخصية قوية عبر مشاركة قصصه الإنسانية، ثم ينقلب فجأة لاستخدام القوة والتهديد. نقطة قوته هي “السرعة في اتخاذ القرار”؛ فهو يستطيع تقديم عرض وتغييره في نفس الجلسة بفضل تفويضه المباشر. لكن نقطة ضعفه هي “السطحية المعرفية”؛ فهو قد يوافق على بنود تقنية دون إدراك عواقبها الاستراتيجية، أو قد يطلق تصريحات “ساذجة” تعقد الموقف الدبلوماسي.

جولة جنيف 2026: دراسة حالة في التصادم السلوكي
خلال مفاوضات جنيف الأخيرة، تجلت هذه السمات بوضوح. عراقجي دخل القاعة وهو يحمل “خطة من ثلاث خطوات” تتسم بالغموض والتدرج، تهدف لفك العقوبات مقابل “تخفيض مؤقت” للتخصيب إلى 3.67%. ويتكوف، من جهته، دخل القاعة ومعه قائد “سنتكوم” في عرض عسكري صريح، مطالباً بـ “تفكيك كامل” لأجهزة الطرد المركزي المتقدمة (IR-6) و( IR-8) .
عراقجي استخدم تكتيك “إظهار الحديقة الخضراء” (Dar bāgh-e sabz) ، حيث وعد بتعاون واسع مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وبناء مفاعلات جديدة بالتعاون مع شركات أمريكية لإغراء ويتكوف بـ “الصفقة العمرانية”. لكنه في الحقيقة لم يقدم أي التزام بشأن “المخزون الفعلي” لليورانيوم عالي التخصيب. ويتكوف، ببراغماتيته المعهودة، وصف المحادثات بأنها “جيدة” لأن الإيرانيين بدوا “متلهفين” للاتفاق بسبب ضغط الاحتجاجات.
ومع ذلك، فإن الفشل في الوصول لاتفاق نهائي يعود إلى أن عراقجي رفض “الإملاءات” الأمريكية، بينما رفض ويتكوف “المماطلة” الإيرانية.

يظل التفاعل بين عراقجي وويتكوف درساً بليغاً في كيفية تأثير “الشخصية” على “السياسة”.
عراقجي يثبت أن “المعرفة قوة”، وويتكوف يثبت أن “العلاقات قوة”. ومستقبل الاتفاق النووي لن يحدده عدد أجهزة الطرد المركزي فحسب، بل سيحدده مدى قدرة هذين الرجلين على “ترجمة” لغة بعضهما البعض في بيئة مشحونة بالبارود والشك.

الجذور النفسية والاجتماعية: تحليل معمق للتكوين
يعد عباس عراقجي نتاجاً خالصاً لـ “الطبقة التجارية المتدينة” في طهران، وهي طبقة تلعب دوراً محورياً في السياسة الإيرانية منذ عقود. نشأته في عائلة تعمل في تجارة السجاد من أصفهان لم تكن مجرد خلفية اقتصادية، بل كانت مدرسة سلوكية؛ فتاجر السجاد يعرف أن القطعة الثمينة لا تباع بسرعة، وأن كل عقدة في السجادة لها أهميتها، وأن الزبون “المستعجل” هو الصيد الأسهل. هذا “العقل التجاري” تغلغل في أداء عراقجي الدبلوماسي، حيث يتعامل مع الاتفاقيات الدولية كـ “سجاد فارسي” معقد يتطلب سنوات من النسج الصبور. كما أن فقدانه لوالده وهو في السابعة عشرة ، تزامناً مع اندلاع الثورة، وضعه في “موقف دفاعي” دائم تجاه الحياة، مما ولد لديه سمة “الاحتراس العالي” (Hyper-vigilance) التي تظهر في رفضه لأي غموض في نصوص الاتفاقات التي قد تضره لاحقاً.

في المقابل، ستيف ويتكوف هو نتاج “حي البرونكس” القاسي و”قانون مانهاتن” التنافسي. نشأته في عائلة يهودية تعمل في قطاع التصنيع منحته تقديراً لـ “المنتج النهائي” و”الكفاءة العملية”. مسيرته كمحامي عقارات ثم مطور ملياردير جعلت منه شخصية “مدفوعة بالأنا” (Ego-driven) ولكنها براغماتية إلى أقصى الحدود. ويتكوف لا يرى العالم كـ “سجاد معقد”، بل يراه كـ “أرض فضاء” يجب بناء ناطحة سحاب عليها في أسرع وقت لتحقيق الأرباح. صداقته مع ترامب، التي تعززت بمواقف إنسانية مثل دعمه بعد وفاة ابنه أندرو ، جعلت من “الولاء الشخصي” لديه قيمة تتفوق على “المبادئ الأيديولوجية” أو “الأعراف الدبلوماسية”.

تحليل السمات السلوكية في غرفة المفاوضات
عراقجي يمارس “دبلوماسية التخدير”؛ فهو يتحدث بهدوء، وبنبرة رتيبة أحياناً، مستخدماً حججاً قانونية وتاريخية مطولة تهدف لاستنزاف تركيز الخصم. وندي شيرمان وصفت كيف أن عراقجي وزميله تخت روانجي كانا يثيران نقاطاً تم الاتفاق عليها مسبقاً في اللحظات الأخيرة من المفاوضات، وهو تكتيك “إيراني كلاسيكي” يهدف لانتزاع تنازل إضافي من مفاوض منهك يريد العودة لبلاده. عراقجي يمتلك “أنا عليا” (Superego) قوية جداً مرتبطة بكرامة إيران؛ فهو يرى نفسه حارساً لميراث إمبراطوري، مما يجعل أي تنازل يبدو كأنه “خيانة تاريخية” ما لم يتم تغليفه بانتصار تقني.

أما ويتكوف، فيمارس “دبلوماسية الصدمة والترهيب”. تواصله ليس رتيباً بل هو “عاصف” ومباشر. هو لا يتردد في استخدام الكلمات النابية أو “المالحة” إذا أحس أن الطرف الآخر يماطل. ويتكوف يعتمد على “الرابط العاطفي”؛ فهو يشارك قصصاً شخصية ليبني جسراً مع الخصم، ثم يستخدم هذا الجسر ليمرر مطالبه الصعبة. هو يفتقر إلى “الأنا العليا” المؤسسية؛ فهو لا يهتم كثيراً بسمعة الخارجية الأمريكية أو البروتوكولات، بل يهتم فقط بما سيقوله ترامب عنه في نهاية اليوم. هذا يجعله مفاوضاً “غير متوقع” (Unpredictable)، وهو ما يربك مفاوضاً تقليدياً مثل عراقجي الذي يفضل العمل ضمن “قواعد اشتباك” واضحة.

استراتيجيات الإقناع والتكيف مع المواقف المختلفة
يستخدم عراقجي استراتيجية “الغموض البناء” (Constructive Ambiguity)؛ فهو يوافق على نصوص تسمح لإيران بتفسيرها بطريقة وللغرب بتفسيرها بطريقة أخرى، كما حدث في مقدمة الاتفاق النووي لعام 2015. هو يبرع في “تقسيم الملفات”؛ حيث يصر على حصر النقاش في النووي ويرفض تماماً إدخال ملف الصواريخ أو النفوذ الإقليمي، معتبراً إياها “قضايا دفاعية غير قابلة للتفاوض”. عراقجي يتكيف مع الضغوط عبر “الانحناء للعاصفة”؛ فهو مستعد للعودة لطاولة المفاوضات بعد ضربة عسكرية قوية، ليس للاستسلام، بل لـ “إدارة الخسائر” ومنع الانهيار الكامل.

ويتكوف يستخدم استراتيجية “الكل أو لا شيء” (All or nothing) في البداية، ثم ينتقل لـ “تجزئة الصفقات” لتحقيق انتصارات سريعة. هو لا يهتم بـ “الغموض” بل يريد “نعم” أو “لا” واضحة. تكيفه يعتمد على “تغيير الحوافز”؛ فإذا رفضت إيران مطالب التخصيب، فإنه يعرض “صفقات استثمارية مليارية” لإغراء النخبة الاقتصادية الإيرانية. ويتكوف يتكيف مع الفشل عبر “تغيير المسار”؛ فإذا فشلت المفاوضات النووية، فإنه ينتقل بسرعة لملف تبادل السجناء أو وقف إطلاق نار إقليمي ليحافظ على زخم “النجاح” أمام ترامب.

نقاط القوة والضعف وتأثيرها على النتائج
تكمن قوة عراقجي في كونه “صندوقاً أسود”؛ لا يمكن لويتكوف أو غيره معرفة حدود تنازله الحقيقية حتى اللحظة الأخيرة. كما أن “شرعيته المزدوجة” (تكنوقراط + حرس ثوري) تجعله الشخص الوحيد في إيران القادر على تسويق “تنازل مر” للمرشد الأعلى. لكن ضعفه هو “بطء الاستجابة”؛ فالحاجة للعودة دائماً للقيادة في طهران تجعله يفقد فرصاً ذهبية قد لا تتكرر، وهو ما يسميه هو نفسه “أبواب المصعد”.

قوة ويتكوف هي “التفويض المطلق”؛ هو يستطيع حسم أمور في دقائق تتطلب من عراقجي أسابيع. كما أن “ثروته واستقلاليته” تجعله غير خائف من الفشل الوظيفي، مما يمنحه جرأة في طرح مقترحات “خارج الصندوق”. لكن ضعفه هو “الجهل بالتعقيدات”؛ فهو قد يعد بأمور لا يستطيع النظام الإيراني تنفيذها حتى لو أراد، أو قد يطلق تصريحات تستفز “الكرامة الإيرانية” وتؤدي لانسحاب عراقجي من الجلسة.

أدت هذه الجوانب في مفاوضات 2026 إلى نتيجة “نصف اتفاق”؛ ويتكوف حصل على “تجميد مؤقت” للتخصيب ليصوره كفوز لترامب، وعراقجي حصل على “تسهيلات مالية” لتخفيف الضغط الداخلي، لكن الصراع الجوهري ظل قائماً لأن “عقلية البازار” و”عقلية مانهاتن” لم تلتقيا في نقطة وسط حقيقية.

التأثير الثقافي والاجتماعي على الأداء السلوكي
عراقجي يجسد “الشخصية الإيرانية المعقدة” التي تجمع بين “الشك التاريخي” في الغرب و”الاعتزاز الثقافي” بالذات. سلوكه يعكس “عقدة الضحية” (Victimization narrative) الناتجة عن سنوات العقوبات والتدخلات الأجنبية؛ لذا فهو يستخدم التفاوض كأداة لـ “انتزاع الحقوق” وليس لـ “طلب المساعدة”. في بيئته الاجتماعية، “الذكاء” (Zerangi) هو القدرة على الحصول على أكثر مما تعطي، وعراقجي يطبق هذا في كل جملة يكتبها في مسودة الاتفاق.

ويتكوف يجسد “الشخصية الأمريكية المتفائلة والعدوانية”. هو يؤمن بأن “كل شيء له ثمن”، وبأن “المستقبل أفضل من الماضي”. سلوكه يعكس “الحلم الأمريكي”؛ فإذا كنت قوياً وذكياً، يمكنك حل أي مشكلة. هو لا يفهم لماذا يتمسك الإيرانيون بالماضي أو لماذا يهتمون بالرمزيات “التافهة” في نظره. بالنسبة لويتكوف، الدبلوماسية هي “تسويق” (Marketing)؛ يجب أن تبيع لخصمك فكرة أنه سيربح، حتى لو كنت أنت الرابح الوحيد.

عباس عراقجي وستيف ويتكوف هما وجهان لعملة التفاوض الحديث؛ أحدهما يمثل “الروح القديمة” التي تحمي ما تملك، والآخر يمثل “الروح الجديدة” التي تريد الحصول على المزيد. وفهم التفاعل بينهما هو المفتاح لفهم مستقبل السياسة الدولية في عالم يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.

تعميق الدراسة السلوكية: أنماط الاستجابة تحت التهديد
في عام 2025، واجه عباس عراقجي واحداً من أصعب الاختبارات السلوكية في مسيرته المهنية. بعد الضربات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية في يونيو (عملية Midnight Hammer)، كان من المتوقع نفسياً أن ينسحب الجانب الإيراني من المفاوضات أو يظهر حالة من “التصلب الدفاعي”. ومع ذلك، أظهر عراقجي نمط استجابة يسمى “المرونة التكتيكية الصارمة”؛ حيث حافظ على خطابه المتشدد إعلامياً (“سنفتح أبواب الجحيم”) بينما كان يرسل رسائل سرية لويتكوف عبر عمان لفتح “مخرج دبلوماسي”. هذا يعكس شخصية قادرة على فصل “المشاعر القومية” عن “الضرورات الاستراتيجية”، وهي سمة نادرة في القيادات الثورية. عراقجي استخدم في هذه المرحلة تكتيك “إظهار القوة من خلال الضعف”، حيث أوحى للأمريكيين بأن الضغط الزائد سيؤدي لسقوط النظام وتولي المتطرفين الحقيقيين السلطة، وهو ما يخشاه ويتكوف وترامب.

على الجانب الآخر، أظهر ستيف ويتكوف نمطاً سلوكياً يسمى “الابتزاز الإيجابي”. خلال الأزمة، لم يتراجع ويتكوف عن مطالبه، بل زاد من “إغراءات الصفقة”. في جولات مسقط وجنيف 2026، عرض ويتكوف على عراقجي “خارطة طريق” تشمل رفعاً كاملاً للتعريفات الجمركية الأمريكية عن السلع الإيرانية التقليدية مقابل “تجميد تخصيب لمدة 3-5 سنوات”.
سلوك ويتكوف هنا يعكس “عقلية المضارب”؛ فهو يرى أن قيمة الخصم تنخفض بعد الضربة، وبالتالي يجب الشراء الآن وبأرخص الأثمان. ويتكوف استخدم وجود Brad Cooper بالزي العسكري كـ “خلفية بصرية” (Visual priming) لتعزيز رسالته الإقناعية: “نحن مستعدون للبناء، ولكننا أكثر استعداداً للهدم”.

استراتيجيات الاقناع: مدرسة “الارتباط” مقابل مدرسة “الاستنزاف”
يعتمد ستيف ويتكوف في إقناعه على “تكتيك التماثل” (Similarity tactic)؛ فهو يحاول إقناع عراقجي بأنهما “رجلان عمليان” يعيشان في عالم تسيطر عليه المصالح، وأن الأيديولوجيا هي مجرد “ضجيج للجمهور”. ويتكوف يستخدم قصصه عن بناء ناطحات السحاب في نيويورك كاستعارة لبناء “اتفاق نووي متين”؛ فكما أن البناء يتطلب أساسات قوية وتنازلات بين المالك والمقاول، فإن السلام يتطلب نفس المنطق. هذا الأسلوب ينجح في “أنسنة” النزاع، ولكنه يفشل عندما يصطدم بحقيقة أن عراقجي يرى البرنامج النووي كـ “عقيدة” وليس كـ “مشروع تطوير”.

عراقجي، في المقابل، يستخدم “تكتيك الاستنزاف العقلاني”. هو لا يحاول أن يكون “صديقاً” لويتكوف؛ بل يحاول أن يكون “مرجعاً” له. هو يطرح أسئلة تقنية معقدة حول “التفتيش” و”بروتوكولات الوكالة الدولية” يعرف أن ويتكوف لا يملك إجابات عليها، مما يضطر الأخير للجوء لمستشاريه أو تأجيل الجلسة. هذا “التفوق المعرفي” يمنح عراقجي “سلطة معنوية” داخل الغرفة، ويجعل ويتكوف يشعر بأنه “تلميذ” أمام “أستاذ”، وهو وضع نفسي مدمر لمفاوض اعتاد أن يكون هو المسيطر.

نقاط الضعف القاتلة: “Dim Philby” مقابل “المنفذ المقيد”
أطلق بعض النقاد على ويتكوف لقب “Dim Philby” (تيمناً بالجاسوس الشهير كيم فيلبي ولكن بصيغة توحي بالبساطة أو السذاجة) بسبب ميله لتصديق ما يخبره به الخصوم الأذكياء مثل عراقجي أو لافروف. هذه “البساطة السلوكية” تجعله عرضة لـ “تكتيكات الخداع” (Khod’eh) التي يتقنها الإيرانيون. ويتكوف قد يخرج من الجلسة وهو يعتقد أنه حقق اختراقاً كبيراً، ليكتشف لاحقاً أن عراقجي وضع “ألغاماً لغوية” في المسودة تجعل الاتفاق غير قابل للتنفيذ.

نقطة ضعف عراقجي القاتلة هي “الجمود الهيكلي”. هو لا يملك الجرأة السلوكية لخرق تعليمات المرشد الأعلى حتى لو رأى فرصة لإنقاذ اقتصاد بلاده. هذا يجعله “مفاوضاً متوقعاً” في المسائل الجوهرية. ويتكوف تعلم أن عراقجي لن يتنازل أبداً عن “مبدأ التخصيب”، لذا توقف عن محاولة إقناعه بذلك وبدأ في الضغط على “الأطراف” (مثل الصين وروسيا) لعزل طهران، وهو ما أربك حسابات عراقجي الذي يعتمد على “تعدد الأقطاب” للمناورة.

التأثير الثقافي والاجتماعي: صراع “المنمنمات” و”البوب آرت”
يمكن تشبيه أسلوب عراقجي بـ “المنمنمات الفارسية” (Persian Miniatures)؛ حيث الدقة المتناهية، والخطوط الرفيعة، والجمال الكامن في التفاصيل الصغيرة التي لا يراها إلا الخبير. كل كلمة في خطابه هي “عقدة” في لوحة فنية تعبر عن “الهوية الوطنية”. عراقجي لا يرى نفسه فرداً، بل هو “امتداد لتاريخ” بدأ قبل قورش الكبير ويستمر مع الثورة الإسلامية. هذا “الثقل التاريخي” يمنحه صلابة، ولكنه يجعله “ثقيلاً” وغير قادر على مجاراة “خفة” ويتكوف.

ستيف ويتكوف هو تجسيد لثقافة “البوب آرت” (Pop Art) النيويوركية؛ حيث الوضوح، والألوان الصارخة، والتركيز على “الآن” و”الهنا”. ويتكوف لا يهتم بما فعله قورش أو ما فعلته أمريكا في انقلاب 1953؛ هو يهتم بـ “سعر الصرف” اليوم و”عدد البراميل” التي ستصدرها إيران غداً. بالنسبة له، الثقافة هي “عائق” أمام التجارة، والتاريخ هو “مقبرة” للفرص الضائعة. هذا الصدام الثقافي يفسر لماذا تبدو اجتماعاتهما وكأنها “حوار طرشان”؛ أحدهما يتحدث عن “السيادة والكرامة”، والآخر يتحدث عن “الاستثمار والسيولة”.

تحليل جولات مسقط وجنيف 2025-2026
في جولة روما (أبريل 2025)، حاول عراقجي استخدام “دبلوماسية المصعد”؛ حيث قدم عرضاً مغرياً في اللحظات الأخيرة يتعلق بـ “تجميد التوسعة” مقابل “الوصول للأرصدة المجمدة”. ويتكوف، ببراعة محامي العقارات، اكتشف أن العرض لا يتضمن “آلية تفتيش” فورية، فرفضه بـ “لغة مالحة” أذهلت الوسطاء العمانيين.

في جولة جنيف (فبراير 2026)، تغيرت النبرة. عراقجي، الذي كان يعاني من آثار الاحتجاجات الداخلية، حاول استخدام “تكتيك التعاطف العكسي”؛ حيث تحدث مع ويتكوف عن “معاناة الشعب الإيراني” من نقص الكهرباء والوقود، محاولاً لمس “وتر الأب” لدى ويتكوف. ويتكوف استجاب بـ “دفء إنساني” ولكنه لم يتنازل عن “المطالب التكنيكية”، قائلاً لعراقجي: “أنا أشعر بوجع الناس، ولكن الصفقة الجيدة هي التي تمنع الحروب المستقبلية، وليس التي تسكن الأوجاع الحالية”. هذا الموقف يعكس “نضجاً سلوكياً” لدى ويتكوف؛ حيث تعلم كيف يفصل بين “التعاطف الشخصي” و”الحزم التفاوضي”.

الصراع بين عراقجي وويتكوف هو صراع بين “الفن” و”المال”، بين “التاريخ” و”المستقبل”. ومن يمتلك القدرة على “دمج” هذه المتناقضات هو من سيحكم قواعد اللعبة الجيوسياسية القادمة. إن التفاعل المستمر بين “صبر البازار” و”حزم مانهاتن” سيظل هو المختبر الأهم لدارسي السلوك البشري في أعلى مستويات السلطة.

تعميق التحليل: الأبعاد النفسية والاجتماعية في ظل الأزمات الكبرى
مع دخول عام 2026، أصبحت الديناميكيات السلوكية بين عباس عراقجي وستيف ويتكوف أكثر تعقيداً نتيجة “التحولات البنيوية” في موقف كل منهما. عراقجي لم يعد يمثل فقط “النظام الثوري”، بل أصبح يمثل “دولة تحت الحصار” تعاني من تمزقات داخلية وخسائر إقليمية فادحة (سقوط حليفها في سوريا وضعف أذرعها في لبنان وفلسطين). هذا الوضع أدى إلى ظهور سمة نفسية جديدة في سلوكه هي “البراغماتية اليائسة”؛ حيث أصبح أكثر انفتاحاً على مناقشة “تخفيض التخصيب” إلى مستويات دنيا (1.5%)، وهو ما كان يعد خيانة في عام 2024. ومع ذلك، فإن “الأنا العليا الثورية” لا تزال تمنعه من قبول “تصدير المخزون” للخارج، لأن ذلك يمثل في وعيه الجمعي “إخلاءً لقلعة المقاومة”.

أما ستيف ويتكوف، فقد انتقل من دور “المفاوض المبتدئ” إلى دور “القيصر الدبلوماسي” الذي يدير ملفات غزة، وأوكرانيا، وإيران في نفس الوقت. هذا “التمدد الوظيفي” ولد لديه شعوراً بـ “العظمة التفاوضية” (Negotiation Hubris)؛ حيث أصبح يعتقد أن صيغته الناجحة في مانهاتن (“الضغط ثم الصفقة”) هي قانون كوني ينطبق على الروس والإيرانيين على حد سواء. ويتكوف أصبح يمارس “التفاوض العابر للملفات”؛ فهو يلمح لعراقجي بأن “تسهيل صفقة أوكرانيا” قد يؤدي لـ “تخفيف العقوبات عن إيران”، وهو نوع من المقايضة الجيوسياسية التي يرفضها عراقجي لأنها تضرب “مبدأ استقلالية الملفات” الذي يقدسه الإيرانيون.

التأثير الثقافي والاجتماعي: “التعارف” مقابل “الشفافية الفجة”
يتجلى التأثير الاجتماعي في “بنية الفريق” التفاوضي لكل منهما. فريق عراقجي هو “نخبة تكنوقراطية” مغلقة، تتحدث لغة واحدة، وتدين بالولاء لمنظومة فكرية موحدة. هذا يمنح الفريق “تماسكاً سلوكياً”؛ فلا تجد تسريبات أو تضارباً في التصريحات. عراقجي يستخدم “التعارف” ليس فقط مع الخصم، بل داخل فريقه لإدارة الخلافات، مما يجعل الموقف الإيراني يبدو كـ “كتلة صماء” يصعب اختراقها.

فريق ويتكوف هو “فريق صفقات” يضم رجال أعمال (مثل صهر الرئيس جاريد كوشنر) وعسكريين. هذا الفريق يعاني من “تضارب المصالح”؛ حيث تتقاطع المصالح الدبلوماسية مع المصالح التجارية لعائلاتهم (مثل World Liberty Financial). هذا الوضع يجعل سلوك ويتكوف التفاوضي يبدو للجانب الإيراني كـ “بحث عن عمولة” أو “استثمارات شخصية” أكثر منه دفاعاً عن مصالح قومية أمريكية. عراقجي يستغل هذه “الفجوة الأخلاقية” في خطابه الإعلامي، مصوراً المفاوضات كصراع بين “مبادئ دولة” و”مصالح أفراد”.

استراتيجيات الاقناع والتكيف: فن “النعم، ولكن” و”لا، وإلا”
عراقجي هو سيد استراتيجية “النعم، ولكن” (Yes, but…). هو يوافق مبدئياً على كل شيء (“نحن نريد السلام”، “نحن نحترم الوكالة الذرية”)، ثم يغرق الاتفاق بـ “ولكن” التي تفرغه من محتواه العملي. هو يتكيف مع المواقف عبر “التبديل بين الهويات”؛ فمرة يتحدث كـ “دكتور في الفكر السياسي” من جامعة بريطانية ليقنع الأوروبيين، ومرة كـ “ضابط سابق في الحرس الثوري” ليطمئن الداخل المتشدد.

ويتكوف هو سيد استراتيجية “لا، وإلا” (No, or else…). هو لا يقبل الحلول الوسط التي تترك ثغرات. تواصله يعتمد على “الشفافية الفجة”؛ فهو يخبر عراقجي بصراحة: “إذا لم تقبل بـ 1.5% تخصيب، فإن قاذفات B-2 جاهزة للإقلاع”. تكيف ويتكوف يأتي من “قدرته على الالتفاف”؛ فإذا وجد عراقجي متصلباً، فإنه يذهب مباشرة للمرشد عبر رسائل سرية أو يضغط على الاقتصاد الإيراني عبر عقوبات ثانوية على الصين.

نقاط القوة والضعف في التواصل المهاراتي
تعد “القدرة على الاستماع” (Active Listening) هي نقطة قوة خفية لعراقجي؛ فهو يصغي لساعات ليس للفهم، بل لالتقاط “الزلات اللفظية” التي يمكنه استخدامها لاحقاً ضد خصمه. كما أن استخدامه للغة الفارسية مع المترجم يمنحه “سيادة زمنية” تجعل ويتكوف يفقد صبره. لكن ضعفه هو “الجمود التعبيري”؛ فعدم إظهار أي عاطفة قد يجعل الخصم يشعر باليأس من الوصول لحل، مما قد يؤدي لتفجير المفاوضات بدلاً من إنجاحها.
قوة ويتكوف التواصلية هي “الذكاء العاطفي الموجه”؛ هو يعرف متى يبكي (أو يتظاهر بالتأثر) عند الحديث عن الرهائن لانتزاع تنازل إنساني من عراقجي. هو يمتلك “كاريزما الملياردير” التي تبهر بعض المفاوضين من الدول النامية، ولكنها لا تترك أثراً كبيراً في عراقجي الذي يحتقر “الاستعراض الرأسمالي”. ضعف ويتكوف هو “عدم الانضباط اللفظي”؛ فهو قد يتحدث بـ “سلطوية” (Dictation) بدلاً من “تفاوض” (Negotiation)، وهو ما يستفز عراقجي الذي صرح علانية: “نحن لا نستمع للأوامر”.

جنيف 2026: الصدام النهائي بين “السيادة” و”النتائج”
في جولة جنيف الأخيرة (17 فبراير 2026)، وصل الصدام السلوكي لقمته. عراقجي قدم مقترحاً يسميه “الجسر نحو 2030″، يتضمن قبول رقابة صارمة مقابل “حق التخصيب الصناعي”. ويتكوف رد بـ “خطة ويتكوف” التي تشبه صفقاته العقارية: “أنا سأعطيك 40 مليار دولار من أموالك المجمدة غداً، مقابل أن تشحن كل مخزونك من اليورانيوم عالي التخصيب إلى روسيا أو تركيا اليوم”.

عراقجي، ببراعته في “المناورة الثقافية”، رفض العرض معتبراً إياه “بيعاً للوطن”، واستخدم “التعارف” ليقول لويتكوف بذكاء: “نحن نقدر عرضكم السخي، ولكن كرامتنا لا تقاس بالدولار”. ويتكوف، الذي نفد صبره، غادر القاعة وهو يلوح بـ “الموعد النهائي لـ 15 يوماً”، وهي “حافة الهاوية السلوكية” التي قد تؤدي إما لاتفاق تاريخي أو حرب مدمرة.

يظل عباس عراقجي وستيف ويتكوف يمثلان أعقد صور الصراع السلوكي في العالم المعاصر. أحدهما يمثل “بقاء القديم” والآخر يمثل “اندفاع الجديد”. والاتفاق بينهما، إن حدث، سيكون معجزة سلوكية تعني أن “منطق البازار” و”منطق مانهاتن” وجدا لغة مشتركة نادرة في تاريخ الدبلوماسية البشرية.

التكوين النفسي الاجتماعي المعمق: دراسة في الأصول والآثار
يمثل عباس عراقجي نموذجاً لما يسمى في علم النفس السياسي بـ “التكنوقراط العقائدي”. إن نشأته في عائلة تجارية أصفهانية غرست فيه “ذكاء البقاء” (Survival Intelligence)؛ فالتاجر الأصفهاني معروف بقدرته على تحويل الخسارة المحققة إلى ربح محتمل من خلال “الكلام المنمق” (Drowning the devil in words). هذا المسار الاجتماعي تعزز بوفاة والده المبكرة، مما أجبره على الانخراط في “عالم الكبار” (الحرس الثوري والحرب) وهو لا يزال في ريعان شبابه. هذه “الرجولة القسرية” جعلت سلوكه يتسم بـ “الجدية المفرطة” والنفور من المزاح أو التبسط في العلاقات الرسمية. دراسته للدكتوراه في بريطانيا تحت إشراف عالم ماركسي منحه “أدوات نقدية” لفهم العقل الغربي من الداخل، مما جعله قادراً على تفكيك الحجج الأمريكية باستخدام “منطقهم الخاص”، وهو ما يسبب إحباطاً هائلاً لمفاوضين مثل وندي شيرمان وويتكوف.

على الجانب المقابل، ستيف ويتكوف هو تجسيد لـ “الأنا الأمريكية المتضخمة” (American Super-ego) التي ترى في النجاح المالي صك غفران لكل النواقص الأخرى. نشأته في حي البرونكس ، وهو حي معروف بـ “صلابة الشارع”، جعلت سلوكه يتسم بـ “المواجهة المباشرة”. ويتكوف لا يؤمن بـ “اللف والدوران”؛ هو يرى أن الحقيقة تكمن في “النتائج المالية” (Bottom line). مسيرته المهنية التي بدأت كمحامٍ يدافع عن كبار المطورين (بمن فيهم ترامب) علمته أن “القانون هو أداة القوي”، وأن “العقود وجدت لتُعدل”. هذا المنطق يجعله يرى المعاهدات الدولية (مثل JCPOA) كـ “عقود إيجار سيئة” يجب تمزيقها وإعادة التفاوض عليها بشروط أفضل للمالك (الولايات المتحدة).

سيكولوجية التفاوض: مدرسة “الاستنزاف” مقابل مدرسة “الضربة القاضية”
عراقجي يمارس ما يسميه في كتابه “The Power of Negotiation” بـ “المساومة Tireless”. منهجه يعتمد على “تخدير الخصم” عبر التفاصيل المملة؛ فهو قد يقضي ثلاث ساعات في نقاش تعريف كلمة “تفتيش” ليفقد الطرف الآخر تركيزه، ثم يمرر بنداً خطيراً في اللحظة التي يشعر فيها الخصم بالنعاس أو الرغبة في إنهاء الجلسة. عراقجي يمتلك “ثباتاً انفعالياً” نادراً؛ فهو لا يغضب إلا إذا قرر أن “الغضب التكتيكي” مفيد الآن. هو يرى أن “عدم الاتفاق” هو نجاح بحد ذاته إذا كان البديل هو اتفاق يمس “عزة النفس” الإيرانية.

ويتكوف يتبع مدرسة “الضربة القاضية” (The Knockout Punch). هو يدخل المفاوضات وهو يلوح بـ “العصا الغليظة” (العقوبات القصوى والضربات العسكرية) ويضع “الجزرة” بعيداً جداً. ويتكوف لا يطيق التفاصيل التقنية؛ هو يريد “العناوين العريضة” التي يمكنه نقلها لترامب ليعلن عنها في تغريدة. ويتكوف يستخدم “الابتزاز العاطفي”؛ فهو يذكر عراقجي بأنه (ويتكوف) قد عرض حياته السياسية للخطر من أجل هذه الصفقة، وأنه “حان الوقت ليكون عراقجي رجلاً ويوقع”. هذا الأسلوب “الذكوري” في التفاوض يهدف لإشعار الخصم بـ “الدين الشخصي” وكسر حاجزه الدفاعي المؤسسي.

نقاط القوة والضعف: الميزان المعرفي والمفوض
قوة عراقجي تكمن في “الذكاء المؤسسي”؛ هو يعرف كيف يتلاعب بالبيروقراطية الإيرانية المعقدة ليحصل على ما يريد. كما أن طلاقته في الإنجليزية وفهمه للثقافة الغربية تجعلانه “مترجماً ثقافياً” بارعاً، يعرف متى يستخدم “المصطلحات الغربية” (مثل “الجسر الذهبي”) ليقنع ويتكوف بأنهما يتحدثان لغة واحدة. لكن نقطة ضعفه هي “الخوف من المسؤولية”؛ فهو يخشى أن يتهم بالخيانة من قبل الجناح المتشدد (مثل MP Amir Hossein Sabeti الذي هاجمه علانية). هذا الخوف يجعله مفاوضاً “جامداً” في اللحظات التي تتطلب مرونة فائقة.

قوة ويتكوف هي “التفويض المعاملاتي”؛ هو المبعوث الوحيد الذي يمكنه إجراء اتصال مباشر بالرئيس ترامب وتغيير الموقف الأمريكي في ثوانٍ. كما أن “خلفيته كرجل أعمال” تجعله يرى حلولاً لا يراها الدبلوماسيون (مثل مقايضة النووي باستثمارات في الغاز والمعادن النادرة). لكن نقطة ضعفه هي “السطحية الجيوسياسية”؛ هو لا يدرك أن إيران ليست “مبنى في مانهاتن” يمكن شراؤه بالمال، وأن هناك “عقيدة أمنية” ثورية ترى في التنازل عن النووي انتحاراً سياسياً. ويتكوف قد يقع في فخ “التفاؤل الساذج”؛ حيث يعتقد أن “الميول الغربية” للشباب الإيراني ستجعل النظام ينهار أو يستسلم، متجاهلاً “الصلابة العقائدية” للنخبة الحاكمة التي يمثلها عراقجي.

التأثير الثقافي والاجتماعي: صراع “المنطق الدائري” و”المنطق الخطي”
عراقجي يتبع “المنطق الدائري” الشرقي؛ حيث المفاوضات تبدأ من حيث تنتهي، وحيث “لا” لا تعني الرفض النهائي بل هي بداية للمساومة. الثقافة الإيرانية تقدس “الغموض” (Ambiguity) وتعتبر “الصراحة” نوعاً من السذاجة. عراقجي يستخدم “التعارف” كأداة لـ “تخدير” ويتكوف؛ فهو يغدق عليه بالمديح الشخصي والاحترام الكاذب ليجعله يخفف من ضغوطه العسكرية.

ويتكوف يتبع “المنطق الخطي” الأمريكي؛ نقطة أ، نقطة ب، ثم الوصول للهدف. هو يكره “الغموض” ويرى فيه “تلاعباً وخداعاً”. ويتكوف نشأ في ثقافة تقدس “الشفافية” و”الصراحة الفجة” (Straight talk)؛ لذا فهو يخبر عراقجي بكل وقاحة: “أنا لا أهتم بتاريخكم، أنا أهتم بما ستفعله غداً”. هذا الصدام الثقافي يفسر لماذا وصف عراقجي محادثات جنيف 2026 بأنها “صعبة ولكن بناءة”، بينما وصفها ويتكوف بأنها “قريبة من الانفجار”.

جولة مسقط وجنيف 2025-2026: دراسة حالة في التصادم السلوكي
في “جولة مسقط” (فبراير 2026)، تجلى أسلوب عراقجي في “compartmentalization” (تجزئة الملفات)؛ حيث أصر على مناقشة “الملف النووي فقط” ورفض تماماً دمج ملف “الصواريخ الباليستية” أو “النفوذ الإقليمي” كما أراد ويتكوف. عراقجي استخدم تكتيك “التحدث بصوتين”؛ صوت هادئ للغرب، وصوت ثوري للداخل. ويتكوف رد بـ “دبلوماسية Gunboat” (حاملات الطائرات)، محاولاً إشعار عراقجي بأن “الوقت ينفد” وأن “الخيار العسكري” خلف الباب.

في “جولة جنيف” (17 فبراير 2026)، حاول عراقجي استخدام “الإغراء الاقتصادي المعاكس”؛ حيث اقترح أن تقوم شركات أمريكية ببناء مفاعلات نووية في إيران، وهو ما يدغدغ رغبة ويتكوف وترامب في تحقيق “أرباح تجارية”. ويتكوف، بذكائه التجاري، أدرك أن هذا العرض هو “جزرة مسمومة” تهدف لفك العزلة الدولية عن إيران دون تقديم تنازلات حقيقية في “التخصيب”. المواجهة انتهت بـ “اتفاق على المبادئ” (Guiding Principles)، وهو مصطلح دبلوماسي يعني “فشلنا في الاتفاق على التفاصيل، ولكننا سنستمر في الكلام لتجنب الحرب”.

الصراع بين عراقجي وويتكوف هو صراع بين “بناء السجاد” و”بناء الأبراج”. أحدهما ينسج ببطء وغموض، والآخر يبني بسرعة وقوة. والنتيجة النهائية لهذه المباراة الجيوسياسية ستعتمد على من سيتمكن من “تحويل منطق الآخر” لصالحه. إن فهم هذه المتناقضات السلوكية هو المفتاح ليس فقط لفهم الشرق الأوسط، بل لامتلاك “قوة التفاوض” في أي ساحة من ساحات الحياة.

التحليل السلوكي المتعمق: الاستجابة للأزمات والضغط الوجودي
في مطلع عام 2026، ومع تصاعد حدة الاحتجاجات الداخلية في إيران التي أدت إلى مقتل الآلاف ، دخل عباس عراقجي في مرحلة سلوكية سماها المحللون “التصلب التكنوقراطي”.
فبينما كانت الدولة تهتز من الداخل، حافظ عراقجي على هدوئه الخارجي، مستخدماً مهاراته الإعلامية لتبرير القمع أمام العالم. هذا الانفصام السلوكي يعكس شخصية “الجندي الدبلوماسي”؛ فهو يرى نفسه في حالة حرب مستمرة، والقمع الداخلي هو بالنسبة له “تأمين للجبهة الداخلية” لتقوية موقفه التفاوضي. عراقجي يؤمن أن الخصم (ويتكوف) لن يحترمه إلا إذا رأى إيران “متماسكة وقوية عسكرياً”. لذا، فإن رده السلوكي على الاحتجاجات لم يكن “اللين”، بل كان “إظهار الصمود” لضمان عدم استغلال ويتكوف لهذا الضعف لانتزاع تنازلات مهينة.

في المقابل، ستيف ويتكوف استجاب للأزمة الإيرانية بـ “انتهازية براغماتية”. هو لم يكتفِ بالتنديد بحقوق الإنسان، بل استخدمها كـ “رافعة مالية” في مفاوضاته مع عراقجي. ويتكوف تواصل مع عراقجي بشكل مباشر (عبر الهاتف أو الرسائل النصية) محذراً من أن “صبر ترامب ينفد” وأن “مساعدة المحتجين في طريقها”، ما لم تقدم طهران تنازلاً فورياً في الملف النووي. سلوك ويتكوف هنا يعكس “عقلية المستثمر في الديون المتعثرة” (Distressed debt investor)؛ فهو يرى أن النظام الإيراني الآن في “أدنى مستوياته”، وبالتالي يجب الضغط عليه لقبول شروط كان سيرفضها سابقاً. ويتكوف لا يهتم بـ “العدالة” بالمعنى الفلسفي، بل يهتم بـ “إغلاق الملف” قبل أن تنهار الدولة وتدخل في فوضى تضر بالمصالح الأمريكية والإقليمية.

سيكولوجية “الجسر الذهبي” وتناقضات ويتكوف
أحد أعمق التناقضات في شخصية ستيف ويتكوف هو جمعه بين “اللطف الشخصي” و”القسوة المعاملاتية”. هو يوصف بأنه “شخص لطيف، ولكنه أحمق متعثر” في الأمور الدبلوماسية الدقيقة وفقاً لبعض المسؤولين السابقين. ميله لتصديق ما يخبره به الخصوم (لقب Dim Philby) ينبع من رغبته الشديدة في “رؤية الخير في الجميع” لتسهيل الصفقة. هذا “التفاؤل السلوكي” هو نقطة ضعفه القاتلة؛ فعراقجي، ببروده الشديد، يرى في هذا اللطف “ثغرة أمنية” يمكن من خلالها تمرير معلومات مضللة أو وعود كاذبة. ويتكوف قد يظن أنه بنى “رابطاً إنسانياً” مع عراقجي، بينما الأخير يراه مجرد “قناة اتصال” يجب التلاعب بها.

عراقجي يطبق حرفياً مبدأ “الجسر الذهبي” (The Golden Bridge) المستوحى من الثقافة الصينية. هو يرى أن المفاوض الناجح يجب أن “يوفر سلماً” لخصمه لينزل عن السطح بدلاً من إجباره على القفز. في مفاوضات جنيف 2026، حاول عراقجي توفير هذا الجسر لويتكوف عبر اقتراح “التخصيب الإقليمي المشترك”؛ وهي فكرة تسمح لترامب بالقول إنه “سيطر على البرنامج النووي الإيراني” بينما تسمح لعراقجي بالقول إنه “حافظ على حق التخصيب”. لكن ويتكوف، بذهنيته النيويوركية التي تفضل “الإخلاء الكامل” (Eviction) بدلاً من “المشاركة في الملكية”، رفض هذا الجسر، مصراً على شحن اليورانيوم للخارج، مما أدى لتعثر المفاوضات.

التأثير الثقافي والاجتماعي: صراع “المقدس” و”الدنيوي”
تؤثر الخلفية الدينية لعراقجي (الشيعية الاثنا عشرية) على أسلوبه في “التضحية والصبر”؛ فهو يرى في المفاوضات نوعاً من “الجهاد الدبلوماسي” حيث الصبر هو الفضيلة الكبرى. بالنسبة له، الاتفاق النووي ليس مجرد ورقة؛ هو “وثيقة صمود” تثبت حق إيران في التطور العلمي ضد “الاستكبار العالمي”. عراقجي يمارس “الزهد التكتيكي”؛ فهو يظهر بمظهر الشخص الذي لا يريد شيئاً لنفسه، بل يريد فقط “عزة وطنه”، مما يجعل الضغط الشخصي عليه (مثل العقوبات الشخصية) غير فعال سلوكياً.

ويتكوف يمثل ثقافة “المقدس الدنيوي”؛ حيث النجاح في “هذا العالم” هو المقياس الوحيد للقيمة. خلفيته كيهودي براغماتي في نيويورك جعلته يرى في “السلام” وسيلة لـ “الازدهار الاقتصادي”. هو لا يفهم لماذا يضحي الإيرانيون برفاهيتهم من أجل “حق التخصيب” الذي لا يطعم خبزاً. ويتكوف يرى أن “المال يحل كل المشاكل”؛ لذا فهو يعرض “صناديق استثمارية” ومليارات الدولارات كحل بديل للبرنامج النووي، وهو منطق يراه عراقجي “إهانة ثقافية”. هذا الصدام بين “المنطق القيمي” و”المنطق النفعي” هو ما يجعل أي تفاهم بينهما هشاً وقابلاً للانهيار.

نقاط القوة والضعف في مهارات التواصل والإقناع
نقاط قوة عراقجي المهاراتية:
1. السيطرة على السردية (Framing): ينجح دائماً في تصوير مطالب إيران كـ “حقوق قانونية” ومطالب أمريكا كـ “بلطجة”.
2. إدارة الصمت: يستخدم فترات الصمت الطويلة لإشعار ويتكوف بالارتباك ودفعه للكلام وكشف أوراقه.
3. التعددية اللغوية: يستخدم الإنجليزية للإقناع المباشر، والفارسية للتفكير والمناورة، والعربية لبناء روابط مع الوسطاء العمانيين.

نقاط قوة ويتكوف المهاراتية:
1. بناء الرابط السريع (Rapport building): قدرته على جعل الخصم يشعر بأنه “صديق” في دقائق.
2. الحسم المالي: قدرته على طرح أرقام وحوافز مادية ضخمة لا يجرؤ أي دبلوماسي تقليدي على طرحها.
3. الشفافية في الأهداف: لا يترك مجالاً للشك فيما يريده ترامب، مما يختصر وقتاً طويلاً من التكهنات.

نقاط الضعف:
1. عراقجي: يفتقر للقدرة على اتخاذ قرارات “خارج الصندوق” دون موافقة الأعلى.
2. ويتكوف: يفتقر للقدرة على فهم “ما وراء الكلمات” والرموز الثقافية المعقدة.

تحليل مسار 2025-2026: من مسقط إلى جنيف
في “جولة مسقط” (أبريل 2025)، استخدم عراقجي تكتيك “إظهار الحديقة الخضراء” عبر تقديم وعود بـ “تجميد أنشطة الميليشيات” في اليمن ولبنان مقابل رفع عقوبات النفط. ويتكوف، ببراعة التاجر، وافق مبدئياً ولكنه طالب بـ “دفع عربون” (Down payment) يتمثل في تسليم كمية من اليورانيوم المخصب فوراً. عراقجي رفض ذلك معتبراً إياه “بيعاً بالآجل” غير مضمون، فانتهت الجولة بلا اتفاق ملموس.

في “جولة جنيف” (فبراير 2026)، وبعد الضربات العسكرية، تغير السلوك. عراقجي لم يعد يبتسم، واستخدم ” Managed Anger” (الغضب المدار) لإيصال رسالة بأن إيران مستعدة للانتحار العسكري إذا لم يتم احترام سيادتها. ويتكوف، من جانبه، استخدم “التعاطف المشروط”؛ حيث أبدى أسفه للضحايا الإيرانيين ولكنه قال ببرود: “يمكننا إيقاف هذا النزيف اليوم بكلمة واحدة منك”. هذا الصدام السلوكي العنيف أدى للوصول إلى “طريق مسدود تقني”، حيث يصر ويتكوف على “تفكيك الأجهزة” ويصر عراقجي على “حفظ الأجهزة” كضمانة ضد خرق أمريكي مستقبلي.

يظل عباس عراقجي وستيف ويتكوف يمثلان أعظم تجسيد لـ “الصدام السلوكي” في العصر الحديث. أحدهما يمثل “بقاء القديم” بقوته الصبورة، والآخر يمثل “اندفاع الجديد” بقوته المعاملاتية. والاتفاق بينهما ليس مجرد مسألة “سياسية”، بل هو مسألة “سيكولوجية” في المقام الأول؛ هل يمكن لـ “البازار” أن يثق في “مانهاتن”؟ وهل يمكن لـ “مانهاتن” أن تصبر على “البازار”؟ الإجابة ستحدد مصير السلام في القرن الحادي والعشرين.

التحليل السلوكي العميق: استراتيجيات الاقناع والتكيف في الزمن الصعب
مع استمرار المفاوضات في جنيف وصولاً إلى منتصف عام 2026، برزت سمة سلوكية مشتركة ومفاجئة بين عباس عراقجي وستيف ويتكوف، وهي “البراغماتية غير الأيديولوجية” تحت الضغط الشديد. عراقجي، رغم خلفيته في الحرس الثوري ، أثبت في اجتماعات جنيف المغلقة أنه “تكنوقراط بارد” أكثر منه “ثورياً مندفعاً”. هو يمارس ما يسميه علماء السلوك بـ “التكيف التجزئي”؛ حيث يبدي مرونة هائلة في المسائل التي تهم المواطن الإيراني (مثل استيراد الأدوية والتكنولوجيا) مقابل التشدد في المسائل التي تهم “هيبة النظام” (مثل عدد أجهزة الطرد المركزي). عراقجي يدرك أن “شرعيته الشخصية” الآن مرتبطة بقدرته على إنقاذ الاقتصاد دون التسبب في “ثورة ثانية” داخل أجنحة النظام المتشددة.

ستيف ويتكوف، من جهته، أظهر قدرة على “التكيف مع الفشل” بشكل يثير الدهشة. فعندما رفض عراقجي مطالب “صفر تخصيب” في مايو 2025، لم ينسحب ويتكوف من العملية الدبلوماسية، بل قام بـ “إعادة صياغة الفشل” كـ “مرحلة استطلاع”. ويتكوف يستخدم تقنية إقناع تسمى “The Ben Franklin Effect”؛ حيث يطلب من عراقجي “خدمات صغيرة” (مثل السماح بزيارة إنسانية لسجين أو تأمين مرور سفينة) ليبني حالة من “التعاون المعتاد” التي تمهد لصفقة أكبر. ويتكوف يراهن على أن “طول الجلوس” مع عراقجي سيجعلهما في النهاية يريان بعضهما البعض كـ “شركاء في حل مشكلة” وليس كـ “أعداء في حرب”.

التأثير الثقافي والاجتماعي: سيكولوجية “السوق” و”المزاد”
لا يمكن إغفال الفارق الجوهري بين “سيكولوجية السوق” (عراقجي) و”سيكولوجية المزاد” (ويتكوف). في السوق (البازار)، الهدف هو بناء علاقة طويلة الأمد مع التاجر الآخر؛ لذا فإن المساومة هي طقس اجتماعي يهدف لتعزيز الثقة المتبادلة. عراقجي يرى المفاوضات كـ “عملية مستمرة” لن تنتهي حتى لو تم توقيع اتفاق. هو لا يبحث عن “الضربة القاضية”، بل عن “التوازن المستدام” الذي يحفظ مصالح عائلته (النظام الإيراني).

ويتكوف يتبع “سيكولوجية المزاد”؛ حيث كل شيء معروض للبيع لأعلى سعر وفي وقت محدد. في المزاد، المنافسة هي المحرك، والسرعة هي المفتاح. ويتكوف يرى المفاوضات كـ “حدث واحد” (One-off event) يجب إنهاؤه بأفضل شروط ممكنة للولايات المتحدة. هذا يفسر لماذا يشعر ويتكوف بـ “الإحباط السلوكي” الشديد عندما يكتشف أن عراقجي يعيد مناقشة أمور تم الاتفاق عليها؛ فبالنسبة لويتكوف، هذا “تضييع للوقت والمال”، بينما بالنسبة لعراقجي، هذا جزء من “طقس التفاوض” لضمان الحصول على أفضل سعر نهائي.

نقاط القوة والضعف في الأساليب الإقناعية والتواصلية

قوة عراقجي في الإقناع تكمن في “التواضع الزائف” (False Humility)؛ فهو يصور نفسه دائماً كطرف ضعيف ومظلوم يسعى فقط للعدالة، مما يجعل مطالب ويتكوف القوية تبدو كـ “تنمر” أمام الرأي العام العالمي. كما أنه يستخدم “سلاح الدقة”؛ فهو يصحح لويتكوف معلوماته التقنية أو القانونية ببرود، مما يزعزع ثقة ويتكوف في نفسه وفي فريقه. لكن ضعفه هو “الافتقار للرؤية المستقبلية المبهجة”؛ فخطابه دائماً “دفاعي” و”مظلم”، يركز على منع الأذى أكثر من جلب المنفعة، مما يجعل عرضه “غير جذاب” للمفاوضين الذين يبحثون عن “نمو وازدهار”.

قوة ويتكوف في الإقناع تكمن في “التفاؤل المعدي”؛ هو يصور لعراقجي مستقبلاً تكون فيه إيران “دبي الجديدة” أو “مركزاً عالمياً للطاقة” بفضل الاستثمارات الأمريكية. هذا الخطاب “المستقبلي” قد يلمس وتراً لدى الشباب الإيرانيين بداخل النظام الذين سئموا من العزلة. لكن ضعفه هو “الجهل بالدوافع غير المادية”؛ فهو لا يفهم أن عراقجي قد يكون مستعداً لرؤية بلده “فقيرة ولكن مستقلة” بدلاً من “غنية ولكن تابعة”. ويتكوف قد يظن أنه “أغرى” عراقجي، بينما هو في الحقيقة قد “أهانه” عبر افتراض أن كرامته لها ثمن بالدولار.

جولة جنيف 2026: دروس في السلوك تحت وطأة “الموعد النهائي لترامب”
في اجتماعات فبراير 2026، استخدم ويتكوف تكتيك “The 15-Day Ultimatum” (الإنذار النهائي لـ 15 يوماً). من الناحية السلوكية، هذا التكتيك يهدف لـ “إثارة الذعر” ودفع الخصم لارتكاب أخطاء. عراقجي رد بـ “الصمود السلبي”؛ حيث لم يرفض الموعد ولم يقبله، بل استمر في تقديم “مقترحات تقنية معقدة” تتطلب شهوراً لدراستها، محولاً “الموعد النهائي” لويتكوف إلى “نكتة بيروقراطية”.

ويتكوف، في محاولة يائسة لكسر الجمود، استخدم “تكتيك التجاوز”؛ حيث سرب لوسائل الإعلام أن “الصفقة قريبة جداً” لإحراج عراقجي أمام شعبه ودفعه لإنهاء الاتفاق. عراقجي رد بـ “النفي الهادئ”، مصرحاً بأن “الطريق بدأ ولكن النهاية بعيدة”، مما أعاد السيطرة على “سقف التوقعات” لصالحه. هذا التبادل السلوكي يظهر أن عراقجي هو “أستاذ الدفاع” في عالم التفاوض، بينما ويتكوف هو “مهاجم مندفع” يحتاج لتعلم أن “القوة لا تضمن دائماً النتائج”.

يظل عباس عراقجي وستيف ويتكوف يمثلان أعظم دراسة حالة في “صراع المدارس السلوكية”. أحدهما يبني نجاحه بالصبر والدقة، والآخر يبنيه بالحسم والمال. والاتفاق بينهما، إن حدث، سيكون شهادة على أن “الذكاء البشري” قادر على جسر الهوة بين “البازار” و”ناطحة السحاب”. إن فهم هذه الديناميكيات هو المفتاح لامتلاك “قوة التفاوض” في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء والأذكياء.

تحليل سلوكي معمق: سيكولوجية “الجسر الذهبي” وتناقضات ويتكوف
أحد أعمق التناقضات في شخصية ستيف ويتكوف هو جمعه بين “اللطف الشخصي” و”القسوة المعاملاتية”. هو يوصف بأنه “شخص لطيف، ولكنه أحمق متعثر” في الأمور الدبلوماسية الدقيقة وفقاً لبعض المسؤولين السابقين. ميله لتصديق ما يخبره به الخصوم (لقب Dim Philby) ينبع من رغبته الشديدة في “رؤية الخير في الجميع” لتسهيل الصفقة. هذا “التفاؤل السلوكي” هو نقطة ضعفه القاتلة؛ فعراقجي، ببروده الشديد، يرى في هذا اللطف “ثغرة أمنية” يمكن من خلالها تمرير معلومات مضللة أو وعود كاذبة. ويتكوف قد يظن أنه بنى “رابطاً إنسانياً” مع عراقجي، بينما الأخير يراه مجرد “قناة اتصال” يجب التلاعب بها.

عراقجي يطبق حرفياً مبدأ “الجسر الذهبي” (The Golden Bridge) المستوحى من الثقافة الصينية. هو يرى أن المفاوض الناجح يجب أن “يوفر سلماً” لخصمه لينزل عن السطح بدلاً من إجباره على القفز. في مفاوضات جنيف 2026، حاول عراقجي توفير هذا الجسر لويتكوف عبر اقتراح “التخصيب الإقليمي المشترك”؛ وهي فكرة تسمح لترامب بالقول إنه “سيطر على البرنامج النووي الإيراني” بينما تسمح لعراقجي بالقول إنه “حافظ على حق التخصيب”. لكن ويتكوف، بذهنيته النيويوركية التي تفضل “الإخلاء الكامل” (Eviction) بدلاً من “المشاركة في الملكية”، رفض هذا الجسر، مصراً على شحن اليورانيوم للخارج، مما أدى لتعثر المفاوضات.

التأثير الثقافي والاجتماعي: صراع “المقدس” و”الدنيوي”
تؤثر الخلفية الدينية لعراقجي (الشيعية الاثنا عشرية) على أسلوبه في “التضحية والصبر”؛ فهو يرى في المفاوضات نوعاً من “الجهاد الدبلوماسي” حيث الصبر هو الفضيلة الكبرى. بالنسبة له، الاتفاق النووي ليس مجرد ورقة؛ هو “وثيقة صمود” تثبت حق إيران في التطور العلمي ضد “الاستكبار العالمي”. عراقجي يمارس “الزهد التكتيكي”؛ فهو يظهر بمظهر الشخص الذي لا يريد شيئاً لنفسه، بل يريد فقط “عزة وطنه”، مما يجعل الضغط الشخصي عليه (مثل العقوبات الشخصية) غير فعال سلوكياً.

ويتكوف يمثل ثقافة “المقدس الدنيوي”؛ حيث النجاح في “هذا العالم” هو المقياس الوحيد للقيمة. خلفيته كيهودي براغماتي في نيويورك جعلته يرى في “السلام” وسيلة لـ “الازدهار الاقتصادي”. هو لا يفهم لماذا يضحي الإيرانيون برفاهيتهم من أجل “حق التخصيب” الذي لا يطعم خبزاً. ويتكوف يرى أن “المال يحل كل المشاكل”؛ لذا فهو يعرض “صناديق استثمارية” ومليارات الدولارات كحل بديل للبرنامج النووي، وهو منطق يراه عراقجي “إهانة ثقافية”. هذا الصدام بين “المنطق القيمي” و”المنطق النفعي” هو ما يجعل أي تفاهم بينهما هشاً وقابلاً للانهيار.

نقاط القوة والضعف في مهارات التواصل والإقناع
نقاط قوة عراقجي المهاراتية:
1. السيطرة على السردية (Framing): ينجح دائماً في تصوير مطالب إيران كـ “حقوق قانونية” ومطالب أمريكا كـ “بلطجة”.
2. إدارة الصمت: يستخدم فترات الصمت الطويلة لإشعار ويتكوف بالارتباك ودفعه للكلام وكشف أوراقه.
3. التعددية اللغوية: يستخدم الإنجليزية للإقناع المباشر، والفارسية للتفكير والمناورة، والعربية لبناء روابط مع الوسطاء العمانيين.

نقاط قوة ويتكوف المهاراتية:
1. بناء الرابط السريع (Rapport building): قدرته على جعل الخصم يشعر بأنه “صديق” في دقائق.
2. الحسم المالي: قدرته على طرح أرقام وحوافز مادية ضخمة لا يجرؤ أي دبلوماسي تقليدي على طرحها.
3. الشفافية في الأهداف: لا يترك مجالاً للشك فيما يريده ترامب، مما يختصر وقتاً طويلاً من التكهنات.

نقاط الضعف:
1. عراقجي: يفتقر للقدرة على اتخاذ قرارات “خارج الصندوق” دون موافقة الأعلى.
2. ويتكوف: يفتقر للقدرة على فهم “ما وراء الكلمات” والرموز الثقافية المعقدة.

تحليل مسار 2025-2026: من مسقط إلى جنيف
في “جولة مسقط” (أبريل 2025)، استخدم عراقجي تكتيك “إظهار الحديقة الخضراء” عبر تقديم وعود بـ “تجميد أنشطة الميليشيات” في اليمن ولبنان مقابل رفع عقوبات النفط. ويتكوف، ببراعة التاجر، وافق مبدئياً ولكنه طالب بـ “دفع عربون” (Down payment) يتمثل في تسليم كمية من اليورانيوم المخصب فوراً. عراقجي رفض ذلك معتبراً إياه “بيعاً بالآجل” غير مضمون، فانتهت الجولة بلا اتفاق ملموس.

في “جولة جنيف” (فبراير 2026)، وبعد الضربات العسكرية، تغير السلوك. عراقجي لم يعد يبتسم، واستخدم ” Managed Anger” (الغضب المدار) لإيصال رسالة بأن إيران مستعدة للانتحار العسكري إذا لم يتم احترام سيادتها. ويتكوف، من جانبه، استخدم “التعاطف المشروط”؛ حيث أبدى أسفه للضحايا الإيرانيين ولكنه قال ببرود: “يمكننا إيقاف هذا النزيف اليوم بكلمة واحدة منك”. هذا الصدام السلوكي العنيف أدى للوصول إلى “طريق مسدود تقني”، حيث يصر ويتكوف على “تفكيك الأجهزة” ويصر عراقجي على “حفظ الأجهزة” كضمانة ضد خرق أمريكي مستقبلي.

يظل عباس عراقجي وستيف ويتكوف يمثلان أعظم تجسيد لـ “الصدام السلوكي” في العصر الحديث. أحدهما يمثل “بقاء القديم” بقوته الصبورة، والآخر يمثل “اندفاع الجديد” بقوته المعاملاتية. والاتفاق بينهما، إن حدث، سيكون معجزة سلوكية تعني أن “منطق البازار” و”منطق مانهاتن” وجدا لغة مشتركة نادرة في تاريخ الدبلوماسية البشرية.

تعميق الدراسة السلوكية: أنماط الاستجابة تحت التهديد
في عام 2025، واجه عباس عراقجي واحداً من أصعب الاختبارات السلوكية في مسيرته المهنية. بعد الضربات العسكرية الأمريكية-إسرائيلية في يونيو (عملية Midnight Hammer)، كان من المتوقع نفسياً أن ينسحب الجانب الإيراني من المفاوضات أو يظهر حالة من “التصلب الدفاعي”. ومع ذلك، أظهر عراقجي نمط استجابة يسمى “المرونة التكتيكية الصارمة”؛ حيث حافظ على خطابه المتشدد إعلامياً (“سنفتح أبواب الجحيم”) بينما كان يرسل رسائل سرية لويتكوف عبر عمان لفتح “مخرج دبلوماسي”. هذا يعكس شخصية قادرة على فصل “المشاعر القومية” عن “الضرورات الاستراتيجية”، وهي سمة نادرة في القيادات الثورية. عراقجي استخدم في هذه المرحلة تكتيك “إظهار القوة من خلال الضعف”، حيث أوحى للأمريكيين بأن الضغط الزائد سيؤدي لسقوط النظام وتولي المتطرفين الحقيقيين السلطة، وهو ما يخشاه ويتكوف وترامب.

على الجانب الآخر، أظهر ستيف ويتكوف نمطاً سلوكياً يسمى “الابتزاز الإيجابي”. خلال الأزمة، لم يتراجع ويتكوف عن مطالبه، بل زاد من “إغراءات الصفقة”. في جولات مسقط وجنيف 2026، عرض ويتكوف على عراقجي “خارطة طريق” تشمل رفعاً كاملاً للتعريفات الجمركية الأمريكية عن السلع الإيرانية التقليدية مقابل “تجميد تخصيب لمدة 3-5 سنوات”.
سلوك ويتكوف هنا يعكس “عقلية المضارب”؛ فهو يرى أن قيمة الخصم تنخفض بعد الضربة، وبالتالي يجب الشراء الآن وبأرخص الأثمان. ويتكوف استخدم وجود Brad Cooper بالزي العسكري كـ “خلفية بصرية” (Visual priming) لتعزيز رسالته الإقناعية: “نحن مستعدون للبناء، ولكننا أكثر استعداداً للهدم”.

استراتيجيات الإقناع والتكيف: فن “النعم، ولكن” و”لا، وإلا”
عراقجي هو سيد استراتيجية “النعم، ولكن” (Yes, but…). هو يوافق مبدئياً على كل شيء (“نحن نريد السلام”، “نحن نحترم الوكالة الذرية”)، ثم يغرق الاتفاق بـ “ولكن” التي تفرغه من محتواه العملي. هو يتكيف مع المواقف عبر “التبديل بين الهويات”؛ فمرة يتحدث كـ “دكتور في الفكر السياسي” من جامعة بريطانية ليقنع الأوروبيين، ومرة كـ “ضابط سابق في الحرس الثوري” ليطمئن الداخل المتشدد.

ويتكوف هو سيد استراتيجية “لا، وإلا” (No, or else…). هو لا يقبل الحلول الوسط التي تترك ثغرات. تواصله يعتمد على “الشفافية الفجة”؛ فهو يخبر عراقجي بصراحة: “إذا لم تقبل بـ 1.5% تخصيب، فإن قاذفات B-2 جاهزة للإقلاع”. تكيف ويتكوف يأتي من “قدرته على الالتفاف”؛ فإذا وجد عراقجي متصلباً، فإنه يذهب مباشرة للمرشد عبر رسائل سرية أو يضغط على الاقتصاد الإيراني عبر عقوبات ثانوية على الصين.

نقاط القوة والضعف في التواصل المهاراتي
تعد “القدرة على الاستماع” (Active Listening) هي نقطة قوة خفية لعراقجي؛ فهو يصغي لساعات ليس للفهم، بل لالتقاط “الزلات اللفظية” التي يمكنه استخدامها لاحقاً ضد خصمه. كما أن استخدامه للغة الفارسية مع المترجم يمنحه “سيادة زمنية” تجعل ويتكوف يفقد صبره. لكن ضعفه هو “الجمود التعبيري”؛ فعدم إظهار أي عاطفة قد يجعل الخصم يشعر باليأس من الوصول لحل، مما قد يؤدي لتفجير المفاوضات بدلاً من إنجاحها.

قوة ويتكوف التواصلية هي “الذكاء العاطفي الموجه”؛ هو يعرف متى يبكي (أو يتظاهر بالتأثر) عند الحديث عن الرهائن لانتزاع تنازل إنساني من عراقجي. هو يمتلك “كاريزما الملياردير” التي تبهر بعض المفاوضين من الدول النامية، ولكنها لا تترك أثراً كبيراً في عراقجي الذي يحتقر “الاستعراض الرأسمالي”. ضعف ويتكوف هو “عدم الانضباط اللفظي”؛ فهو قد يتحدث بـ “سلطوية” (Dictation) بدلاً من “تفاوض” (Negotiation)، وهو ما يستفز عراقجي الذي صرح علانية: “نحن لا نستمع للأوامر”.

جنيف 2026: الصدام النهائي بين “السيادة” و”النتائج”
في اجتماعات فبراير 2026، استخدم ويتكوف تكتيك “The 15-Day Ultimatum” (الإنذار النهائي لـ 15 يوماً). من الناحية السلوكية، هذا التكتيك يهدف لـ “إثارة الذعر” ودفع الخصم لارتكاب أخطاء. عراقجي رد بـ “الصمود السلبي”؛ حيث لم يرفض الموعد ولم يقبله، بل استمر في تقديم “مقترحات تقنية معقدة” تتطلب شهوراً لدراستها، محولاً “الموعد النهائي” لويتكوف إلى “نكتة بيروقراطية”.

ويتكوف، في محاولة يائسة لكسر الجمود، استخدم “تكتيك التجاوز”؛ حيث سرب لوسائل الإعلام أن “الصفقة قريبة جداً” لإحراج عراقجي أمام شعبه ودفعه لإنهاء الاتفاق. عراقجي رد بـ “النفي الهادئ”، مصرحاً بأن “الطريق بدأ ولكن النهاية بعيدة”، مما أعاد السيطرة على “سقف التوقعات” لصالحه. هذا التبادل السلوكي يظهر أن عراقجي هو “أستاذ الدفاع” في عالم التفاوض، بينما ويتكوف هو “مهاجم مندفع” يحتاج لتعلم أن “القوة لا تضمن دائماً النتائج”.

دراسة حالة: جولة مسقط وجنيف 2026 وتحولات السلوك التفاوضي
مع انطلاق جولة المفاوضات في مسقط في فبراير 2026، شهد السلوك التفاوضي لكل من عراقجي وويتكوف تحولاً نحو “الاحترافية الباردة” بعد صدمة حرب الـ 12 يوماً في 2025. عراقجي، الذي كان يقود وفداً “دبلوماسياً متخصصاً”، دخل القاعة وهو يدرك أن إيران في أضعف حالاتها الإقليمية بعد سقوط حليفها في سوريا. استراتيجيته كانت تهدف إلى “تثبيت الخسائر” ومنع مزيد من الضربات العسكرية. استخدم عراقجي أسلوب “النقاش الفني المكثف” حول عدد أجهزة الطرد المركزي التي دُمرت والتي لا تزال تعمل، محاولاً إيهام ويتكوف بأن البرنامج النووي لا يزال قوياً بما يكفي ليكون “أداة ردع”.

ستيف ويتكوف، الذي كان يرافقه في هذه الجولة جاريد كوشنر، اتبع استراتيجية “الإغراء الاقتصادي المشروط”. قدم ويتكوف “عرضاً عمرانياً” متكاملاً، حيث اقترح تحويل المواقع النووية التي قصفت إلى “مناطق تجارة حرة” مدعومة باستثمارات من دول الخليج والولايات المتحدة. سلوك ويتكوف هنا يعكس “ذكاء المطور العقاري”؛ فهو لا يريد “الاستسلام” الإيراني بقدر ما يريد “الاستحواذ” على القرار الاقتصادي الإيراني. ويتكوف قال لعراقجي بوضوح: “أنت تبيع شعبك أيديولوجيا قديمة، بينما أنا أبيعك مستقبلاً مشرقاً لأطفالك”.

التحليل النفسي الاجتماعي: سيكولوجية “السجاد” و”الناطحة
يمثل عراقجي في سلوكه “سيكولوجية السجاد”؛ حيث القيمة في “القدم” و”الأصالة” و”التعقيد”. هو لا ينظر للاتفاق كعملية بيع وشراء عابرة، بل كـ “إرث وطني” يجب أن يفتخر به الأحفاد. عراقجي يتفاوض بعقلية الشخص الذي لديه “ألف عام من الصبر”.
ويتكوف يمثل “سيكولوجية الناطحة”؛ حيث القيمة في “الحداثة” و”الارتفاع” و”الربح السريع”. هو لا يهتم بالتاريخ، بل يهتم بـ “العائد على الاستثمار” (ROI). ويتكوف يتفاوض بعقلية الشخص الذي لديه “30 يوماً لإغلاق الصفقة” قبل أن تضيع الفرصة.

هذا الصدام بين “الزمن التاريخي” و”الزمن التجاري” هو ما جعل اجتماعات جنيف 2026 تنتهي بـ “اتفاق على المبادئ” فقط؛ فالمبادئ هي “الجزء النظري” الذي يرضي عراقجي، بينما هي “إطار الصفقة” الذي يرضي ويتكوف.

سيذكر التاريخ عراقجي كمهندس للبقاء الإيراني وسط العواصف، وسيذكر ويتكوف كالمبعوث الذي حاول تحويل الشرق الأوسط إلى “صفقة عقارية كبرى”. وبين “صبر البازار” و”حزم مانهاتن”، سيبقى مستقبل العالم رهناً بمدى قدرة هؤلاء الرجال على فهم أن “السياسة” هي في جوهرها “دراسة للسلوك البشري” في أعلى مستويات التعقيد.

تحليل سلوكي لنقاط القوة والضعف: الميزان المعرفي والمفوض
تعد “الخبرة التكنيكية” هي نقطة القوة الكبرى لعراقجي؛ فهو يعرف الملف النووي بتفاصيله المملة، مما يمنعه من الانجرار خلف وعود سطحية. كما أن انتماءه السابق للحرس الثوري يمنحه “غطاءً ثورياً” يحميه من انتقادات المتشددين في الداخل الإيراني، مما يسمح له بتقديم تنازلات “محسوبة” لا يجرؤ غيره عليها. ومع ذلك، فإن نقطة ضعفه تكمن في “جمود النظام”؛ فقراره ليس بيده دائماً، بل هو “منفذ” لسياسات المجلس الأعلى للأمن القومي، مما يجعل حركته مقيدة بـ “الخطوط الحمراء” التي يضعها المرشد الأعلى.

نقاط قوة ويتكوف تكمن في “الوصول المباشر” إلى صانع القرار الأول في واشنطن. عندما يتحدث ويتكوف، يعلم الجميع أنه يتحدث بلسان ترامب، مما يختصر شهوراً من المشاورات البيروقراطية. قدرته على “قص الزوايا” (Cut corners) والتركيز على الجوانب الإنسانية جعلت منه مفاوضاً ناجحاً في ملفات صعبة مثل وقف إطلاق النار في غزة. لكن ضعفه الأكبر هو “الافتقار إلى الرؤية الجيوسياسية الشاملة”؛ فتعامله مع الدبلوماسية كصفقة عقارية قد يؤدي إلى اتفاقات “هشة” تفتقر إلى الاستدامة، كما انتقده البعض لعدم فهمه لتعقيدات السيادة الوطنية والقضايا الأيديولوجية في الشرق الأوسط.

في مواجهة عام 2025-2026، وجد عراقجي نفسه في موقف أضعف بسبب “الحرب الـ 12 يوماً” التي أدت لتدمير جزئي للبنية التحتية النووية الإيرانية، والاحتجاجات الداخلية العنيفة. في المقابل، استغل ويتكوف هذا الضعف لممارسة “دبلوماسية القوارب المدفعية”، مستفيداً من وجود حاملات الطائرات الأمريكية قبالة السواحل الإيرانية كخلفية لغرفة المفاوضات.

التأثير الثقافي والاجتماعي: صراع الهويات والذاكرة التاريخية
يغرق أسلوب عراقجي في التقاليد الثقافية الإيرانية، وخاصة مفهوم “التعارف” (Taarof). التعارف هو نظام معقد من الآداب الاجتماعية التي تتضمن عروضاً ورفضاً متبادلاً تحت غطاء من الاحترام الكاذب لإخفاء النوايا الحقيقية. يستخدم عراقجي “التعارف” في المفاوضات كدرع للغموض، حيث تعني “نعم” أحياناً “لا”، وتعني “ربما” مزيداً من المماطلة. كما أن رؤيته للزمن متجذرة في التاريخ الإمبراطوري الإيراني الممتد لآلاف السنين؛ فهو لا يشعر بضغط الوقت الذي يشعر به الأمريكيون، بل يرى أن إيران باقية بينما الحكومات الأمريكية زائلة.

في المقابل، يمثل ويتكوف الثقافة “البراغماتية الكالفينية” الأمريكية، التي تقدس العمل الجدّي، والوضوح، والنتائج القابلة للقياس. الثقافة النيويوركية التي نشأ فيها ويتكوف تعتمد على “التواصل منخفض السياق” (Low-context communication)، حيث الرسالة هي ما يقال حرفياً، وحيث الصراحة تعد فضيلة. بالنسبة لويتكوف، الوقت هو مال، والجمود في المفاوضات هو فشل استثماري. هذا التباين الثقافي يخلق فجوة عميقة في الفهم؛ فالإيرانيون يرون البراغماتية الأمريكية كنوع من “السطحية”، بينما يرى الأمريكيون الصبر الإيراني كوع من “الخداع المنهجي”.

مسار المفاوضات 2025-2026: التطبيق العملي لصراع الشخصيات
بدأت الجولة الأولى من اللقاءات رفيعة المستوى في مسقط في 12 أبريل 2025، حيث قاد ويتكوف الجانب الأمريكي وعراقجي الجانب الإيراني. رغم وصف المحادثات بأنها “بناءة”، إلا أن التوترات العسكرية سرعان ما هيمنت. نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات مشتركة في يونيو 2025 (عملية Midnight Hammer) استهدفت منشآت نووية إيرانية، مما أدى لتعليق المفاوضات مؤقتاً.

في أوائل عام 2026، وتحت وطأة احتجاجات داخلية قتل فيها ما يقدر بـ 16,500 شخص، عاد عراقجي إلى طاولة المفاوضات في جنيف. هنا، تجلى أسلوبه “الماركت” في محاولة عرض صفقة تشمل بناء مفاعلات نووية إضافية بمشاركة شركات أمريكية لإغراء ترامب بالفوائد الاقتصادية. ويتكوف، من جانبه، تمسك بـ “الخطوط الحمراء” التي وضعها ترامب، وأهمها “صفر تخصيب”.

أظهرت جولة جنيف في فبراير 2026 قدرة عراقجي على “البقاء في اللعبة” رغم الضعف الإقليمي، حيث رفض إقحام ملف الصواريخ الباليستية في المحادثات، مصراً على حصرها في الملف النووي مقابل رفع العقوبات. ويتكوف، مدعوماً بوجود قائد القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) براد كوبر بزيّه العسكري في المحادثات، أرسل رسالة مفادها أن الخيار العسكري لا يزال على الطاولة إذا فشلت “الصفقة”.

التحليل السلوكي العميق: القوة الكامنة خلف الكلمات
يكشف كتاب عراقجي “قوة التفاوض” عن فلسفته التي تقول إن “التفاوض هو حرب بوسائل سلمية”. هو يرى أن قوة المفاوض لا تنبع من مهاراته الشخصية فحسب، بل من “التماسك الوطني والقوة العسكرية” لبلده. هذا يفسر لماذا فضلت إيران تعليق المفاوضات بعد ضربات يونيو 2025 حتى استعادت نوعاً من التوازن. عراقجي يؤمن أن المفاوض يجب أن يعرف متى “يشد الحبل” ومتى يرخيه؛ فالإصرار الزائد قد يؤدي لكسر الحبل وضياع الصفقة (بيع الثلج تحت أشعة الشمس).

في المقابل، سلوك ويتكوف يعكس “الإدراك المعاملاتي” (Transactional Cognition)، حيث ينظر للتفاعلات الدولية كمباريات صفرية. نقطة قوته السلوكية هي “الصدق الفج”؛ فهو لا يخفي أهدافه خلف تعقيدات لغوية. عندما يقول ويتكوف إنه “يصدق أن بوتين يعمل بحسن نية”، فإنه يراهن على “بناء علاقة شخصية” تتجاوز الخصومة السياسية. هذا النهج “الشخصي” هو ما سمح له بكسر الجمود في مفاوضات الرهائن في غزة، حيث تجاوز الوسطاء التقليديين وتواصل مباشرة مع القيادات.

الخاتمة: آفاق الصدام والتوافق بين عراقجي وويتكوف
إن المقارنة بين عباس عراقجي وستيف ويتكوف ليست مجرد مقارنة بين رجلين، بل هي مواجهة بين عالمين: عالم الدبلوماسية التكنوقراطية المثقلة بالتاريخ والأيديولوجيا، وعالم الأعمال المعاملاتي القائم على القوة والنتائج السريعة. عراقجي هو “لاعب الشطرنج” الذي يحسب الحركات لعشر خطوات للأمام، بينما ويتكوف هو “المطور العقاري” الذي يريد إغلاق الصفقة قبل نهاية الربع المالي.

تعتمد نتائج مفاوضات 2026 على مدى قدرة كل منهما على التكيف مع أسلوب الآخر. عراقجي يحتاج إلى تقديم “انتصارات ملموسة” يمكن لويتكوف تسويقها لترامب كـ “أفضل صفقة في التاريخ”، بينما يحتاج ويتكوف إلى فهم أن “كرامة الدولة” و”السيادة” هي مفاهيم غير قابلة للبيع في البازار الإيراني. إن الفشل في ردم هذه الفجوة السلوكية والثقافية قد يؤدي إلى تحول “الجسر الذهبي” الذي يدعو إليه عراقجي إلى طريق مسدود يقود مباشرة إلى مواجهة كبرى لا يرغب فيها أي من الطرفين، لكن تقودهما إليها “الصلابة السلوكية” لكل منهما.

في نهاية المطاف، سيذكر التاريخ عراقجي كمهندس للبقاء الإيراني وسط العواصف، بينما سيعتمد إرث ويتكوف على ما إذا كان بإمكانه إثبات أن “منطق مانهاتن” يمكنه بالفعل حل أعقد أزمات التاريخ البشري. إن التفاعل بين “الصبر الاستراتيجي” لعراقجي و”الضغط المعاملاتي” لويتكوف سيظل هو المحرك الأساسي لمستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط في السنوات القادمة.