المهام التي سيتوقف الإنسان عن ممارستها مع توسّع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي | بقلم د. إيلي الخوري

مسام

لم يعد الذكاء الاصطناعي مفهوماً نظرياً او عبارة عن برامج للدردشة اليومية، او تقنية بعيدة المدى، بل أصبح جزءاً موجوداً في تفاصيل الحياة اليومية إلى حد كبير وسريع.

مع تطور قدراته، من المتوقع ان يأخذ الذكاء الاصطناعي حيزاً كبيراً من الاعمال التي كان الانسان يقوم بها، ومن المتوقع ان تتغير طبيعة هذه المهام بالنسبة للإنسان، حيث ستتولى الأنظمة الذكية تنفيذ عدد كبير ومتزايداً من الوظائف التي كانت حكراً على البشر. هذا التحوّل، هو ليس استنتاجاً او تحليلاً، بل امراً واضحاً يمكن رصده وتحليله.

المرحلة الأولى: الإستغناء عن التذكّر التقليدي

أولى المهام التي سيتراجع عنها الإنسان هي التذكّر بوصفه وظيفة أساسية. فالمعرفة اليوم أصبحت متاحة على نحو دائم، وفوري، ومنظّم. لم يعد الإنسان مضطرًا إلى حفظ كميات كبيرة من المعلومات، لأن الوصول إليها بات ممكنًا في أي لحظة. هذا الواقع سيؤدي إلى تراجع الاعتماد على القراءة والمطالعة بهدف الحفظ، واستبدالهما بالوصول السريع إلى المعلومة عند الحاجة. في هذه المرحلة، يمكن أن يتغيّر دور العقل من مستودع للمعلومات إلى أداة لاستخدامها فقط.

المرحلة الثانية: تراجع القراءة لأجل البحث والفهم المطوّل

مع تطوّر أنظمة الذكاء الاصطناعي، سيتقلّص اعتماد الإنسان على القراءة الطويلة من أجل فهم فكرة أو الوصول إلى نتيجة. الأنظمة الذكية ستكون قادرة على تحليل كمّ هائل من الكتب والدراسات، ثم تقديم الخلاصة على نحو مباشر وواضح. هذا لا يعني اختفاء القراءة تمامًا، بل تراجعها كوسيلة إجبارية للوصول إلى المعرفة، وتحولها إلى نشاط اختياري أو ثقافي أكثر منه عملياً.

المرحلة الثالثة: الاستغناء عن البحث اليدوي في المراجع والدراسات

سيشهد البحث الأكاديمي والتقني تحوّلًا كبيرًا. عوضاً عن التنقّل بين مراجع متعددة وقراءة مئات الصفحات للوصول إلى معلومة محددة، ستتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي هذه المهمة. ستقوم بجمع المعلومات، تحليلها، مقارنتها، ثم تقديم إجابة دقيقة ومباشرة. هذا سيؤدي إلى اختصار الوقت، وتخفيف الجهد الذهني، وإلغاء الكثير من الخطوات التقليدية في عملية البحث.

المرحلة الرابعة: توقف الإنسان عن القيادة المباشرة

القيادة من أكثر المجالات التي ستشهد تحوّلًا جذريًا. فأنظمة القيادة الذاتية أثبتت قدرتها على تقليل الحوادث الناتجة عن الأخطاء البشرية، مثل التعب، التشتت، أو ردود الفعل البطيئة. في السنوات المقبلة، سيصبح الاعتماد على القيادة الآلية أمرًا شائعًا، ما سيؤدي إلى تحسين السلامة العامة، وتنظيم حركة النقل، وتقليل الخسائر البشرية والمادية. عند هذه المرحلة، سيتحوّل الإنسان من سائق إلى مراقب أو مستخدم فقط.

المرحلة الخامسة: انتهاء الأعمال الروتينية اليومية

الأعمال الروتينية التي تستهلك جزءًا كبيرًا من وقت الإنسان ستصبح من مهام الذكاء الاصطناعي. إدارة الحسابات المالية، متابعة المواعيد، تنظيم الجداول، مراقبة الحالة الصحية، وحتى بعض جوانب العمل المهني، ستُدار عبر هذه الأنظمة القادرة على التحليل واتخاذ القرارات الأولية. في هذه المرحلة، ينتقل الإنسان من التكرار اليومي، ويصبح دوره إشرافيًا أكثر منه تنفيذيًا.

المرحلة السادسة: تراجع العمل المنزلي التقليدي

العمل المنزلي سيشهد هو الآخر تحولًا جذريًا. الروبوتات الذكية ستكون قادرة على التنظيف، الترتيب، الصيانة، وتنظيم الأغراض. لن يقتصر دورها على التنفيذ فقط، بل ستتمكن من حفظ مواقع الأدوات والأغراض، وتقديم معلومات عنها عند الطلب. المنزل سيتحوّل إلى مساحة مُدارة تماماً من قبل هذه الروبوتات.

خلاصة

من المهم التركيز على الفكرة الأساسية من الإعتماد على الذكاء الاصطناعي، وهو أنه لن يكون الإنسان عاطلًا عن العمل، بل ببساطة سيتغير دوره. مع اختفاء المهام التكرارية والتنفيذية، سيتحوّل التركيز نحو الإبتكار، وكيفية اتخاذ القرار، وتحديد الاتجاه. الذكاء الاصطناعي سيُنفّذ، بينما الإنسان سيقرّر.