ما بالك أيها الشهر الناقص! تتآمر مع القدر لتسلبنا أعزّ وأغلى من عندنا, من وجوه طيبة. بالأمس والدتي بربارة رمز العطف والحنان، واليوم نسيبي الخوري جان رجل الدين والإيمان،وطالما ردّد”إن صلوات بربارة تساعدني وتنعشني وتبقيني بخير وسلام “وعندما رحلت وقبل أن يعلم بذلك الرحيل تبعها إلى الملكوت السماوي.
فها أنذا أقف وقفة تؤلمني، وكما تؤلمني تؤلمكم، في غياب هذا الكاهن الجليل والإنسان المُحب والنسيب الحبيب، الذي لا تجمعني به صلة النسب فحسب، بل صلة محبة وخدمة الكنيسة.
وكم تؤلمني هذه الوقفة التي أرتجف فيها متأرجحًا بين عطر الثناء وصلاة الرثاء، وبين واجب العزاء وأهل الوفاء، فتُذرف فيها دموع الفكر على وجنات الوداع، مبلّلة بآيات الشكر، ومفعمة بطيب الذكر.
وتنتحب الكلمات على الصفحات، وتغرق المشاعر في التأوّهات، والحزن يلفّ الأرجاء والسواد يملأ الأجواء، فنتنشّق الإيمان المسيحي المطبوع بالرجاء والقيامة، ونتهادى بين الحزن البشري وكلمة “العوض بالسلامة”، ومن فيض الألم يئنّ القلم، فيعذُب الكلام في من يليق به الكلام، في من يستحق الكلام، في من كان يقدّر الكلام، ويتمنى عليّ إضفاءه وإلقاءه في مناسباته واحتفالاته، إلا في لحظاته هذه التي كنت أريدها في فرح أولاده ,لا في وداعه واستسلام فؤاده.
إنه الخوري جان عاصي، ابن المدينة الشعبية، سليل العائلة المؤمنة والمتجذّرة بالأصالة اللبنانية، والموصوفة بكرم الضيافة الحصاراتية، والمحافظة على القيم والمبادئ الدينية والروحية.
وقد نشأ في كنف والدين ورعين وتقيين، ومن منا ينسى ابنة العم حبوبة، رئيسة الأخوية ومؤسِّسة فرسان العذراء في الرعية!؟ من منا ينسى كرمها وقيمها، كلماتها وابتساماتها، إيمانها وصلواتها. كما إميل خرّيج مدرسة الشرف والتضحية والوفاء، وفي عهد الجدود كان من أوائل الذين تولّوا الدفاع عن الوطن والزود عن الحدود. وهكذا تربّى الخوري جان على الإيمان وعلى محبة لبنان.
إنه العابق بسمعة فاحت كما الطيب، وإن كان لا حظّ له على الأرض، ولكن السماء لها فيه النصيب. وقد مشى جلجلة الآلام وشارك الرب المخلّص في حمل الصليب، ثم عبر إلى دنيا الخلود بعد أن استنفد كل علاج أو دواء وبعد أن استسلم لمشيئة الله كل الأطباء. وهو الذي كان قد اقتحمه مرض القلب وهو في بداية الدرب، يوم كان شمّاسًا في الثامنة والعشرين من العمر، حيث راح يجني مواسم الخيرات من حقول الزيتون، ليؤمّن زيت الحياة قبل أن يحمل زيت الميرون. ومنذ تلك الأيام عشقته الآلام، ولازمته المعاناة طوال الأوقات، وبدأ مشواره بين المشافي واللاتعافي.
ورغم أوجاعه وآلامه كم كانت تحلو زياراته، والأهلا الطالعة من أعملق ذاته، والممزوجة بأحاديثه وبصلواته.
ورغم مرارة الأحوال لم يغب الرب عن البال. وكيف يغيب عن ذلك الذي كرّس سنواته القصيرة لخدمة الكلمة والأسرار.
رغم مرضه ووهنه وضعف همّته، بقي متفانيًا في خدمته، واضحًا في كلمته، صوتًا صارخًا في برّية هذا الزمان، وحيثما وجد وفي أيّ مكان.
ورغم الوجع الدائم، بقي ذلك الكاهن التقي والإنسان القوي والشخص العفوي، ومع أنه عانى التقشّف المادي لكنه عاش الغنى المعنوي.
وهكذا تابع مسيرته، وزاول رسالته، وأغدق بمحبته وكبر بكهنوته، وعبد ربًّا واحدًا لا ربّين.
واندفع إلى البنيان متذرّعًا بسلاح الإيمان، وفي الرعايا التي خدمها كما في رعيته، ساهم في إعلاء الصروح الإيمانية، كما حقّق حلمه مع العائلة ببناء بيت جديد انتقلت إليه تلك العائلة. نعم، فإن لم يبنِ رب البيت فعبثًا يفعل البنّاؤون.
ورحل أبونا جان، تاركًا شقيقًا وحيدًا (روني) رفيق، الذي شعر بأنه قد قُصّ جناحه، ففقد رفيق ،الشقيق والرفيق والصديق.
والخورية مايا التي لم تفارقه ولو لدقيقة، ولم تتأفّف، وكانت الهموم عنه تخفّف، وقد كابدت وجالدت، كما صبرت والليالي سهرت، لتؤنس وحدته، وتضمّد جراحه، وتبلسم أوجاعه، وهي رفيقة حياته التي أسّست معه عائلة على غرار العائلة السماوية. وكأني بها تردّد مع الشاعر:
وكنت إذا سألت القلب يومًا
تولّى الدمع عن قلبي الجوابا
أما الوحيد والثلاث صبايا، جيوفاني وماريبال وكريستيا أغابي، وبرتا، هذه العائلة التي تستعر اليوم على نار الفراق، وتشتعل فيها مواويل الاشتياق، ستفتقد حضورك وتستذكر كلماتك، وتشتاق لإطلالتك، وستحنّ لمزاحك، وتستنجد بصلاتك…
وها أنت في بداية خمسينك، ترحل عن أهلك وأصدقائك وأحبّتك ورعاياك، لتكمل رسالتك في السماء بعد أن قاومت أمواج وأوجاع الأيام، إلى أن أبحرت في سفينة الوداع.
فنستودعك السلام وأنت تدخل الصمت الأبدي.
فسلام عليك أيها الأب المحب
وسلام عليك يا حبيب القلب
وسلام عليك يا طيّب القلب
وإليك هذه الأبيات الزجلية النابعة من القلب التي كنت قد أهديتك إياها في ذكرى سيامتك:
عرفتك يا بونا شفّاف
مهضوم ودمّات خفاف
عطرك ما كنت تخبّي
نشرت العطر بلا ما تخاف
روحك ملياني محبة
وما بتحب من الشفاف
صوتك بيمجّد ربّي
ووقفات العز بتوقاف
وبتسامح أيّا مسبّه
وتوب الصدق عملتو لحاف
ولو كانت سودا الجبه
قلبك من لون النفناف
قرابتنا ودربك دربي
درب التقوى والإنصاف
إنشالله اللي متلك سربه
يكونوا وما عندن وجّين
محبّين وإيدين نضاف
وأختم بما قاله له صاحب السيادة ليلة الرحيل: “كلنا منحبك أبونا جان.”
له الرحمة ولكم من بعده طول البقاء
غانم إسطفان عاصي
حصارات في ٢٧ شباط ٢٠٢٦







