بين حماية صغار المودعين وأدوات السندات السيادية
إعداد: د. بيار الخوري
يمثل إقرار مجلس الوزراء اللبناني مشروع قانون “الانتظام المالي واستعادة الودائع” أواخر العام المنصرم، تحولاً جذرياً في مسار الأزمة المالية التي عصفت بالبلاد منذ عام 2019، إذ انتقلت الدولة من مرحلة الإنكار والتعطيل الممنهج إلى مرحلة المحاولة الإجرائية لفرض إطار تشريعي لتوزيع الخسائر. إن فهم هذا التحول يتطلب تفكيك شبكة معقدة من التوازنات التي تشكلت عقب انتخاب العماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية في كانون الثاني/يناير 2025 وتكليف القاضي نواف سلام بتشكيل حكومة تكنو-سياسية مدعومة دولياً، ما أنهى سنوات من الفراغ الدستوري والشلل التنفيذي.
تهدف هذه المقالة إلى تقديم مراجعة نقدية علمية تستكشف الاقتصاد السياسي لهذا المشروع، مع التركيز على الكيفية التي أدت بها الضغوط الخارجية، والمصالح المالية المتجذرة، والطموحات الشعبوية السياسية إلى إنتاج نص تشريعي يحظى بمعارضة واسعة لكنه يطرح مشاريع جزئية تستهدف تحييد الكتلة الأكبر من المتضررين.
السياق الماكرو-سياسي وإعادة صياغة السلطة التنفيذية في عام 2025
دخل لبنان في عام 2025 مرحلة سياسية جديدة اتسمت بـ”الواقعية القاسية”، حيث أدى انتهاء النزاع المسلح مع إسرائيل وتوقيع تفاهم وقف إطلاق النار في أواخر 2024 إلى فتح نافذة للإصلاحات المشروطة بالدعم الدولي. إن انتخاب جوزيف عون، الذي يحظى بتقدير واسع من واشنطن والرياض كشخصية استقرار، وفر الغطاء السياسي اللازم لرئيس الوزراء نواف سلام للمضي قدماً في ملفات كانت تعتبر “خطوطاً حمراء” في السابق. وتظهر البيانات الاقتصادية لعام 2025 تحسناً طفيفاً في المؤشرات الكلية، لكنها تظل غير ثابتة ومرتهنة بتنفيذ الإصلاحات الهيكلية التي يطالب بها صندوق النقد الدولي.
إن الفجوة المالية الهائلة التي ورثتها الحكومة، والتي تقدر بنحو 80 مليار دولار، هي النتيجة المباشرة لعقود من سوء الإدارة المالية والفساد البنيوي، حيث اعتمد مصرف لبنان على استقطاب ودائع البنوك التجارية لتمويل عجز موازنات الدولة المتعاقبة ودعم استقرار الليرة اللبنانية عند سعر صرف وهمي. هذا النظام، الذي وصفته بعض التقارير الدولية بـ “مخطط بونزي” الذي تديره الدولة، انهار في عام 2019، ما أدى إلى احتجاز مليارات الدولارات للمودعين وتبخر الثقة في القطاع المصرفي.
تشريح مشروع القانون: بين حماية صغار المودعين وأدوات السندات السيادية
يستند مشروع قانون “الانتظام المالي” المقر في مجلس الوزراء إلى استراتيجية “الفرز والاحتواء” (Categorization and Containment)، حيث يقسم المودعين إلى فئات متباينة بناءً على حجم الوديعة وتاريخ تكوينها. المبدأ الجوهري الذي تسوقه الحكومة هو استعادة كامل حقوق المودعين الذين تقل أرصدتهم عن 100 ألف دولار على مدار أربع سنوات، دون أي اقتطاع (Haircut) من أصل الوديعة. ويشكل هؤلاء نحو 85% من إجمالي عدد المودعين في لبنان، ما يمنح المشروع صبغة شعبوية تهدف إلى امتصاص الغضب الاجتماعي وتوفير قاعدة دعم سياسي لتمرير القانون في البرلمان.
أما بالنسبة للمودعين الذين تتجاوز أرصدتهم سقف الـ 100 ألف دولار، فإن القانون يقترح آلية مزدوجة تشمل سداد الشريحة الأولى (100 ألف دولار) أسوة بالصغار، بينما يتم تحويل المتبقي إلى “سندات مالية قابلة للتداول” مدعومة بأصول محددة. هذه السندات، وفقاً لتصريحات رئيس الوزراء، ليست وعوداً ورقية بل هي أدوات مالية مدعومة بموجودات مصرف لبنان التي تقدر بنحو 50 مليار دولار، بما في ذلك الذهب ( ضمن قيود القانون) واحتياطيات العملة الصعبة ومساهمات الدولة في شركات حيوية.
توازنات القوى داخل السلطة التنفيذية: صراع الـ 13 مقابل الـ 9
يعكس التصويت على القانون داخل مجلس الوزراء في 26 كانون الأول/ديسمبر 2025 انقساماً جوهرياً يتجاوز الاصطفافات الطائفية التقليدية، ليشمل رؤى متصادمة حول دور الدولة والقطاع الخاص في تحمل كلفة الانهيار. نال المشروع موافقة 13 وزيراً، يمثلون في الغالب التيار التكنوقراطي المقرب من رئيس الوزراء والوزراء الذين يرون في صندوق النقد الملاذ الوحيد، بينما عارضه 9 وزراء يمثلون قوى سياسية تخشى من تداعيات المساءلة أو ترتبط بمصالح مصرفية وثيقة:
1 مؤيدو المشروع: قاد هذا الاتجاه رئيس الوزراء نواف سلام ووزراء مثل طارق متري وعامر بساط وياسين جابر. الموقف الأكثر إثارة للاهتمام كان لوزير المالية ياسين جابر، الذي رغم كونه محسوباً على حركة أمل، إلا أنه صوت لصالح المشروع مبرراً ذلك بـ “المصلحة المالية العليا للبنان” وضرورة تلبية متطلبات المجتمع الدولي.
2 معارضو المشروع: ضم هذا الجانب وزراء يمثلون القوات اللبنانية، وحزب الله، ووزراء آخرين. تتنوع أسباب المعارضة؛ بين من يعتبر أن القانون لا يضمن استعادة الودائع فعلياً ويبرئ ذمة الدولة ويحمل التبعة للمصارف، يخشى وزراء آخرون من أن تكون بنود المساءلة والتدقيق مدخلاً لضغوط خارجية.
فراغ البديل الشعبي: عجز القوى السياسية والمدنية عن فرض التوازن
إن التساؤل الجوهري الذي يطرحه مسار إقرار هذا القانون ليس عن “عدالة” بنوده فحسب، بل عن “الفراغ البديل” الذي سمح بمروره. فرغم الانتقادات الحادة التي وجهتها الكتل النيابية ومجموعات المجتمع المدني، إلا أن السنوات الست الماضية كشفت عن عجز بنيوي في خلق قوة دفع شعبية قادرة على فرض مشروع أكثر عدالة.
1. عجز القوى التغييرية والمجتمع المدني: رغم الزخم الذي ولدته احتجاجات عام 2019، إلا أنها لم تنجح في إنتاج تنظيم سياسي أو ائتلاف قادر على تقديم “مشروع قانون موحد” للمحاسبة وتوزيع الخسائر. وبدلاً من التوحد حول أجندة تشريعية بديلة، تشتتت جهود المجموعات المدنية بين اعتراضات تقنية متباينة، ما جعل صوتها “صدىً نقدياً” بدلاً من أن يكون “محركاً للفعل”.
2. استراتيجية الإنهاك (Elite Survival vs. Citizen Exhaustion): مارست المنظومة الحاكمة سياسة “التعطيل الممنهج” حتى وصل المجتمع إلى حالة من الإنهاك الكامل. هذا الإنهاك حوّل مطالب الناس من “العدالة الجذرية والمحاسبة” إلى “تأمين أي قدر من السيولة”، وهو ما استغلته الحكومة في مشروعها الحالي عبر تحييد صغار المودعين لضمان عدم حدوث انفجار اجتماعي.
3. تبعية المشاريع الحزبية للمصالح الفئوية: المشاريع التي طرحتها الأحزاب اتسمت بكونها إما “مواقف شعبوية” أو “حماية لقطاع المصارف” أكثر من كونها خططاً شاملة. غياب الرؤية الموحدة لدى المعارضة السياسية جعل مشروع الحكومة، المدعوم تقنياً من صندوق النقد، يبدو وكأنه “الخيار الوحيد الممكن” أمام خطر الانهيار الشامل للأصول.
بناءً على ذلك، يمكن استنتاج أن العجز عن تشكيل كتلة ضغط اجتماعية وسياسية متماسكة طوال سنوات الأزمة هو المسؤول الأساسي عن إتاحة المجال للسلطة التنفيذية لتمرير قانون “الأمر الواقع”، الذي يوزع الخسائر وفقاً لموازين القوى السياسية وليس وفقاً لمبادئ العدالة الاقتصادية الصرفة.
الخلاصة:
إن مشروع قانون “الانتظام المالي واستعادة الودائع” لعام 2025 ليس مجرد نص تقني، بل هو “وثيقة تسوية” تعكس موازين القوى في لحظة تاريخية فاصلة للبنان. من خلال تحليل الاقتصاد السياسي لهذا المشروع، تبرز النتائج التالية:
1 الواقعية الشعبوية كأداة بقاء: اختارت الحكومة حماية صغار المودعين (85%) ليس فقط من منطلق العدالة الاجتماعية، بل كدرع سياسي يحيد الأغلبية الشعبية ويسمح لها بتمرير إجراءات قاسية بحق الفئات الأخرى.
2 المسؤولية عن “الفراغ”: إن غياب مشروع بديل متكامل من قبل القوى الاجتماعية والمدنية هو ما منح الشرعية التقنية لمشروع الحكومة، حيث تحول النقد إلى “شعبوية اعتراضية” تفتقر للآلية التشريعية القابلة للتنفيذ.
3 الارتهان للخارج: يظل القانون “رهينة” لموافقة صندوق النقد الدولي؛ فأي تعديلات برلمانية تبتعد عن معايير الصندوق ستؤدي إلى فقدان التمويل الدولي، ما يعني العودة إلى “دوامة الانهيار”.
4 مخاطر “اقتصاد السندات”: إن تحويل الودائع إلى سندات مالية في بلد يعاني من تعثر سيادي هو مخاطرة كبرى. فبدون إصلاحات هيكلية تعيد الثقة، ستتحول هذه السندات إلى أوراق مالية عديمة القيمة.
في الختام، يمثل القانون خطوة أولى ضرورية للخروج من “عصر الفوضى المالية”، لكنه يظل حلاً جزئياً يفتقر إلى الرؤية الشاملة للعدالة الاقتصادية. إن نجاحه لا يتوقف على نصوصه القانونية فحسب، بل على مدى توفر “الإرادة السياسية” للمساءلة، واستقلالية القضاء، والقدرة على إعادة بناء قطاع مصرفي جديد يخدم الاقتصاد الحقيقي بدلاً من تمويل عجز السلطة.
نشر المقال في “النهار” أولاً.





