أين يتقاطع المسعى الفرنسي مع السعودي لمعالجة الوضع اللبناني؟

بين المسعى الفرنسي القائم منذ سنوات لمعالجة مشكلات لبنان الداخلية قبل اندلاع حرب العام 2024 وبعدها وحتى اللحظة، وبين المسعى السعودي المستجد بزخم كبير لإنهاء الشغور الرئاسي قبل سنة ولمعالجة ذيول الحرب، ثمة تقاطعات كثيرة لعل أبرزها حالياً وقف الاعتداءات الإسرائيلية وتطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية وتطبيق القرار 1701 من جانب قوات الاحتلال الإسرائيلي، والانتهاء من ملف الإصلاحات المالية والاقتصادية والإدارية والقضائية لتصحيح مسار مؤسسات الدولة الواقعة تحت أعباء كبيرة على كل المستويات. الى جانب إنجاز الانتخابات النيابية في موعدها كدليل على استقامة عمل المؤسسات الدستورية، بغض النظر عن الموقف من قانون الانتخاب وتقسيم الدوائر الذي يبقى شأناً لبنانياً داخلياً بحتاً، وبغضّ النظر عمّا يتردد حول ضغوط هناك ومساعٍ هناك لتركيب تحالفات انتخابية تعيد تشكيل البرلمان اللبناني الجديد بما يلائم تطورات الوضع الإقليمي والدولي المستجدّ، وهي تحالفات تبقى خاضعة لحسابات القوى السياسية اللبنانية ومصالحها الانتخابية وهي أدرى بها.

والى ذلك، بَيّن قرار موفدو دول اللجنة الخماسية العربية – الدولية لا سيما السعودي والقطري والفرنسي بتحديد موعد لعقد مؤتمر دعم الجيش اللبناني في الخامس من آذار المقبل، ان العين السعودية والفرنسية والعربية عموماً ما زالت مسلّطة على لبنان برغم كل المشكلات والعقبات القائمة أمام معالجة الأزمات، وبرغم ما قيل عن تحفّظ سعودي على دعم الجيش في هذه المرحلة قبل الانتهاء من عملية حصرية السلاح بالكامل، لكن سقطت مقولة التحفّظ وتشهد على ذلك الزيارات المتتالية للموفدين الفرنسيين والسعوديين والقطريين والمصريين، عدا الأميركيين قبل ذلك. ولو ظهر ان لكل دولة أجندتها ورؤيتها الخاصة لمعالجة الوضع اللبناني، لكن بدا ان ثمة اتفاق بين هذه الدول ولو بالحد الأدنى على دعم مؤسسات الدولة لا سيما الحكم والحكومة والجيش، ودعم بعض الوزارات الخدماتية المهمة.

وكان موضوع تجارة المخدرات وتصدير البضائع الفاسدة الى المملكة من مواضيع الاهتمام السعودي الخاصة، وقد تمّت معالجة الأزمة بمكافحة هاتين المشكلتين بالتنسيق الأمني بين القوى الأمنية في لبنان والمملكة. وربما ينفتح الباب قريباً أمام إعادة تصدير البضائع من لبنان الى الخليج عبر سوريا والأردن، وهو موضوع مدار بحث بين الدول.

أما الموقف من حزب الله فيكاد يكون واحداً أيضاً لجهة رغبة دول الخماسية في حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، ولكن ثمة اختلاف في الأسلوب لا سيما بين الدول الأربع: السعودية وقطر ومصر وفرنسا، التي تصرّ على الانتهاء من هذا الملف ولكنها تسعى لمعالجة هذا الأمر بالحوار والدبلوماسية و«الاحتواء»، وبين الولايات المتحدة الأميركية التي تتبنّى مقولات الاحتلال الإسرائيلي بالكامل ومن دون تدقيق وتحقيق محايد ونزيه، كما تتبنّى بشكل صريح استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان بحجة تمسّك حزب الله بسلاحه. وبين التوجهين ثمة فارق كبير قد يصل الى حدّ حصول مشكلات أمنية وسياسية كبيرة إن كان حصول حرب أهلية مستبعداً كلّياً، ولو ان الاحتلال الإسرائيلي يريدها وربما يسعى إليها أو يسعى لحصول صدام بين الحزب وبين الجيش اللبناني. فالدول الأربع تؤكد على أهمية استقرار لبنان لإستقرار سوريا ودول المنطقة، بينما كيان الاحتلال وبعض صقور الإدارة الأميركية لا يهتمون بحصول توترات أمنية إذا كانت تخدم مصالحهم.

ظهر التقاطع السعودي – الفرنسي بشكل خاص أيضاً في المواقف من الحرب الإسرائيلية على لبنان وغزة وقصف العاصمة القطرية والعدوان على اليمن والاعتداءات اليومية على سوريا، وهي تقاطعات تشير الى اهتمام البلدين بتحقيق الاستقرار ولو بالحد الأدنى في المنطقة العربية، وبرغم ان اهتمام فرنسا باليمن أقل من السعودية نظراً لحساسية الوضع الجغرافي والسياسي.

وفي كل الأحوال، يُنتظر أن تشهد المرحلة المقبلة تنسيقاً سعوديا – فرنسياً أعلى بعد إنجاز الإصلاحات المالية وإقرار قانون معالجة الفجوة المالية، ليتسنّى للدولتين الاتفاق على مؤتمر التعافي الاقتصادي للبنان والمقرر ضمن أجندة دول الخماسية لكن لم تُدرس تفاصيله بالكامل ولم يتحدد موعده بعد.

غاصب المختار – اللواء